أكثر من قرنٍ مر على ابتكار السير «وليام كروكس» لأنبوبة الكاثود، التى كانت بداية لثورة جديدة كليًّا لم تعرفها البشرية من قبل، فالرجل وضع حجر الزاوية في صناعة الشاشات التى نراها حولنا في كل مكان. وعبر سنوات طويلة تطورت الشاشات، صغُر حجمها الكلى، وزاد وضوحها، ووصلت دقتها لدرجة لم تكن لتبلغ بخيال «كروكس». إلا أن الجودة الخيالية التى تحظى بها شاشات اليوم، لا ترضي –على ما يبدو– طموح العلماء الذين لا يزالون يواصلون سعيهم الدؤوب نحو اكتشاف وتطوير تقنيات جديدة، يمكن الارتكاز عليها لبناء شاشات عملاقة، بوضوح فائق، تستهلك أقل قدر ممكن من الطاقة.

الديودات العضوية

وفي هذا الإطار، نجح فريق علمي مُكون من باحثين من جامعتى هارفارد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وبالتعاون مع شركة سامسونج، في الوصول إلى مجموعة جديدة من المواد القادرة على تحسين جودة شاشات التلفاز والمحمول والأجهزة اللوحية، عبر الكشف عن نحو 1000 مادة عضوية جديدة يُمكن استخدامها في شاشات المواد العضوية الباعثة للضوء أو الديودات العضوية Organic Light-emitting Diodes  (OLED) التى تُعد قمة تكنولوجيات الشاشات في الوقت الحالي.

وتعتمد عائلة Liquid Crystal Display (LCD) على طبقتين من البلور تحصران كمية من الكريستال السائل بينهما وتضيئها مصابيح خلفية تُشبه مصابيح الفلورسنت العادية، يوفر ذلك النوع جودة عالية في الأماكن ذات الإضاءة المرتفعة، فيما يَعيبها قدرتها الضعيفة في الاستجابة للقطات السريعة.

حاول المطورون تلافي ذلك العيب في الشاشات من نوع Light Emitting Diode  (LED) عبر استخدام مئات من الصمامات الثنائية الباعثة للضوء -الدايود الضوئي- والموزعة في كل مكان على لوحة خلف شاشة العرض، ليستمر العمل بتلك التقنية سنوات، حتى توصل العلماء إلى طريقة جديدة تجعل الشاشات أكثر سطوعًا وأفضل تباينًا ودقة، عبر استخدام تقنية ثورية تستخدم خواص مواد عضوية تُصدر ضوءًا عند تعرضها لفرق الجهد الكهربي، ولا تحتاج لضوء خلفي إطلاقًا، فكل بيكسل في الشاشة مسؤول عنه صمام حيوي ثنائي منفرد. تلك هي شاشات OLED.

وتمتلك التقنية الجديدة مزايا عديدة تجعلها تتفوق على الخيارات الحالية القائمة على البلورات السائلة LCD، وكذلك الديودات المصدرة للضوء المرئي LED، إذ يمتاز هذا النوع من الشاشات بأنه أكثر راحةً وانتشارًا فيما يتعلق بالرؤية الإلكترونية، كما أنها أشد سطوعًا وأقل تكلفة، وهى أشبه ما تكون برقاقة مرنة من البلاستيك، كما يمكن تشغيل كل البكسلات الفردية المكونة أو إيقافها، مما يحسن بشكل مذهل عملية استهلاك الطاقة، وكذلك درجة تباين الألوان.

إلا أن الاستخدام التجاري لذلك النوع من الشاشات ظل محصورًا في التقنيات ذات الثمن المرتفع، لكون OLED تحتاج إلى مواد باهظة الثمن لصناعتها، ولكن الاكتشاف الجديد يضع ذلك الاعتقاد في مهب الريح، وفق آلان جوزيك، أستاذ الكيمياء العضوية بجامعة هارفارد، والمشرف الرئيسي على البحث المنشور في مجلة نيتشر، يقول لـ«للعلم» إنه وفريقه اكتشفوا "مجموعة واسعة من المواد العضوية الباعثة للضوء، والتى يُمكن استخدامها في صناعة تلك الشاشات باقتصاديات جيدة، وبأسعار ستنافس في المستقبل أسعار تكلفة تصنيع الشاشات من نوع LED".

يكمن التحدي الأكبر في تصنيع شاشات الـOLED في انبعاث الضوء الأزرق، فالشاشة تعتمد –كشاشات LCD– على إنتاج ثلاثة ألوان رئيسية –الأخضر والأحمر والأزرق- وتجميعها لإنتاج صورة كاملة على خلفية من اللون الأسود في الشاشات LCD أو على شاشة عرض مباشرة في الشاشات OLED، إلا أنه من الصعوبة بمكان إيجاد جزيئات عضوية بشكل كامل تبعث الضوء الأزرق بنسبة جيدة كافية لإنتاج صورة بدقة عالية، لذا أنتج الباحثون جزيئات معدنية عضوية تستخدم محلولًا من مادة الإيريديوم عالية التكلفة لإنتاج ضوء أزرق مستقر في شاشات OLED، مما أدى إلى رفع تكلفة إنتاج ذلك النوع من الشاشات على المستوى التجاري، إلا أن الفريق البحثي تمكن من قلب المعادلة رأسًا على عقب باكتشافه نحو 1000 مادة عضوية بالكامل يُمكن استخدامها في تصنيع تلك الشاشات.

1000 مادة بديلة

بدأ الفريق البحثي في إنشاء قاعدة علمية تحتوي على أكثر من 1.6 مليون جزيء عضوي مُرشح لاستخدامه في تصنيع الشاشات، ثم قاموا بإنشاء برنامج كمبيوتري يستخدم خوارزمية تتنبأ –عبر التعلُّم الذاتي- بالمواد الأكثر صلاحية للاستخدام الصناعي، لتبدأ مرحلة من الاستبعاد المنطقي للجزيئات غير الصالحة، ليصل الفريق في نهاية المطاف إلى عدة آلاف من الجزيئات جرى اختبارها على مدى عامين ونصف –وبتمويل من شركة سامسونج للتكنولوجيا- حتى وصل الباحثون إلى نحو 1000 مادة بديلة لمحلول الإيريديوم الذى يُستخدم حاليًّا في صناعة شاشات الـOLED.

"كان التحدي في كيفية اختيار المواد وتضييق نطاق البحث"، يوضح جوزيك، مشيرًا إلى أن الفريق استخدم تقنيات التعلم الآلي والكيمياء الكمية لإجراء تجارب افتراضية على المواد، جاءت بنتائج مذهلة. "مكنتنا تلك التقنيات من استبعاد مئات الآلاف من الجزيئات، ثم ساعدتنا في الوصول إلى المواد العضوية المثالية لإنتاج الضوء الأزرق، كان ذلك نتاجًا للتكامل المذهل الذي أتاحه العلم لنا".

وتتميز شاشات OLED بقدرتها المذهلة على عرض الألوان ودقتها الفائقة بسبب عدم اعتمادها على ضوء خلفي، إذ ينبعث الضوء فيها من كل دايود، وبالتالي تعرض لونًا أسود حقيقيًّا تمامًا، على عكس شاشات LCD التى تستعين بإضاءة خلفية تجعل الألوان تبدو باهتة على نحو ما، لذا أعلنت شركة LG في العام الحالى عن خططها لاستثمار 1.7 مليار دولار في تصنيع الشاشات المرنة والمنحنية BEND OLED، ولذا أيضًا، مولت شركة سامسونج أبحاث آلان جوزيك، الذي يقول إن الاكتشاف الجديد سيضع سامسونج في مقدمة الشركات المُصنعة لتلك التكنولوجيا بمقابل يقل كثيرًا عن الشركات المنافسة.

لكن، هل ستستخدم شركات صناعة المحمول نتائج البحث الجديد في صناعة الشاشات؟ الإجابة هي «نعم»، وفقما يقول «جونجي أداتشي» الرئيس التنفيذى لشركة كيليكس Kyulux اليابانية المتخصصة في صناعة الصمامات الثنائية العضوية الباعثة للضوء OLED  والذي يرى أن الجزيئات المكتشفة حديثًا تتطلب عمليات تصنيع معقدة، إلا أنها تضمن في الوقت ذاته كفاءة عالية في بعث اللون الأزرق، علاوة على عمر طويل للشاشة، ما سيعزز القدرات التنافسية لأي شركة ستنتج تلك الأنواع من الدايود الحيوي.

وتسعى شركات إنتاج أجهزة التليفون المحمول إلى تحسين جودة شاشاتها كوسيلة لجذب الزبائن للمنتجات الجديدة، وفي مقدمة هذه الشركات جاءت شركة LG، التى بدأت قبل سنوات في تصنيع شاشات «محنية» تستخدم تكنولوجيا جديدة تُسمي OLED وتختلف كليًّا عن تكنولوجيات صناعة الشاشات من نوعي LCD وLED.

ويرى جونجي أن الشاشات ليست التطبيق الوحيد لتلك المواد، إذ يُمكن استخدامها في تقنيات الإضاءة المنزلية، عبر صناعة لمبات موفرة، تستهلك طاقة أقل وتُعطي إضاءة أفضل، كما يُمكن استخدامها أيضًا في صناعة البطاريات الشمسية، قائلاً: "الأمر لا يقتصر على اكتشاف تلك الجزيئات فحسب، فطريقة اكتشافها مثيرة بحق، فاستخدام كيمياء الكم بالتوازي مع تقنيات التعلم الآلي والتوليف التجريبي تعد أمورًا من شأنها الإسهام إلى حد كبير في مستقبل التصميمات الجزيئية، هذا أمر يجب أن يؤخذ في الاعتبار، فطريقة الاكتشاف ذاتها لا تقل أهمية بمكان عن الجزيئات العضوية المكتشفة".

وكيمياء الكم (Quantum chemistry)، فرع من الكيمياء النظرية، يقع على الحدود بين الكيمياء والفيزياء، ويشارك به مختصون من كلا الفرعين، حيث يقومون بتطبيق مبادئ ميكانيكا الكم لحل قضايا ومسائل في الكيمياء.