ملحوظة المحرر: هذا المقال جزء من تقرير خاص بعنوان "أفضل 10 تكنولوجيات صاعدة في عام 2016"، صدر عن المنتدى الاقتصادي العالمي. وتسلط القائمة –التي عمل على جمعها المجلس الأعلى للتكنولوجيا الصاعدة، التابع للمنتدى- الضوء على التطورات التكنولوجية التي يعتقد الأعضاء -ومن بينهم رئيس تحرير النسخة الإنجليزية من مجلة "ساينتفك أمريكان" مارييت دي كريستينا- أن لها القدرة على تحسين الحياة أو إحداث طفرة في الصناعات المختلفة أو حماية الكوكب. كما أنها تتيح الفرصة لمناقشة المخاطر والمخاوف البشرية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو البيئية التي قد تفرضها هذه التكنولوجيات قبل أن يتم تبنيها على نطاق واسع.

بعيدًا عن متاجر المؤثرات الخاصة في هوليوود، لن تجد أي أعضاء بشرية حية تطفو في المحاليل في مختبرات البيولوجيا. فبعيدًا عن جميع الصعوبات التقنية المحيطة بالحفاظ على عضو خارج الجسم، فإن الأعضاء الكاملة نفيسة وقيِّمة للغاية في عمليات زراعة الأعضاء بصورة تحول دون استخدامها في التجارب. لكن العديد من الدراسات البيولوجية المهمة واختبارات الأدوية العملية لا يمكن إجراؤها إلا بدراسة العضو في أثناء أداء وظيفته. وأخيرًا ظهرت تكنولوجيا جديدة يمكن أن تفي بهذه الحاجة من خلال إنماء قطع فعالة من أعضاء بشرية مصغَّرة على شرائح دقيقة.

في عام 2010، تمكن دونالد إنجبر -من معهد ويس- من تطوير رئة مصغرة على شريحة معملية، في سابقة هي الأولى من نوعها. وسرعان ما جذب الأمر شركات القطاع الخاص؛ فعملت شركات مثل "إميولات"، التي يرأسها إنجبر وغيره من معهد ويس، على تكوين شراكات مع باحثين في القطاعات الصناعية والجهات الحكومة، بما فيها وكالة مشاريع البحوث المتطورة الدفاعية الأمريكية (داربا). وحتى اليوم، تمكنت العديد من الفرق البحثية من إحراز نجاح في صناعة نماذج مصغرة من الرئة والكبد والكلى والقلب والنخاع العظمي والقرنية. وبالطبع لن تقتصر القائمة عليها، فغيرها سيظهر لاحقًا حتمًا. 

يبلغ حجم كل عضو من هذه الأعضاء تقريبًا حجم شرائح ذاكرة USB، ويكون مصنوعًا من بوليمر مرن وشفاف. وتتحرك خلال الشريحة أنابيب موائع دقيقة -لا يزيد قطر كلٍّ منها على ملليمتر واحد، ومبطنة بخلايا بشرية مستخلصة من العضو الذي يتم تصنيعه– في أنماط معقدة. وما إن يبدأ ضخ المواد الغذائية والدم والمركبات موضع الاختبار، مثل الأدوية التجريبية، عبر تلك الأنابيب، حتى تقوم الخلايا بمحاكاة بعض الوظائف الرئيسية للأعضاء الحية.

ويمكن ترتيب الحجيرات داخل الشريحة بحيث تحاكي البنية الخاصة بالنسيج العضوي، مثل الأكياس الهوائية الدقيقة في الرئة. فعلى سبيل المثال، يمكن للهواء العابر خلال القناة أن يحاكي التنفس لدى البشر بدقة. في هذه الأثناء، يمكن ضخ الدم المحمل بالبكتيريا في أنابيب أخرى، ومن ثَم يراقب العلماء كيفية استجابة الخلايا للعدوى دون تعريض حياة أي انسان للخطر. كما تتيح هذه التكنولوجيا للعلماء رؤية الآليات البيولوجية والسلوكيات الفسيولوجية التي لم يتسنَّ لهم رؤيتها من قبل.

كما يمكن لشرائح الأعضاء الدقيقة هذه أن تعطي دفعة للشركات التي تعمل على تطوير أدوية جديدة؛ إذ إن قدرتها على محاكاة عمل الأعضاء البشرية يتيح لهذه الشركات إجراء اختبارات أكثر دقة وواقعية للأدوية الجديدة. على سبيل المثال، العام الماضي استخدمت إحدى الفرق البحثية شريحة عضو لمحاكاة الطريقة التي تفرز بها الخلايا الصماء الهرمونات في مجرى الدم، واستخدمت ذلك لإجراء اختبارات حساسة على أحد أدوية داء السكري.

وتعمل الفرق البحثية الأخرى على استكشاف إمكانية استخدام تكنولوجيا الأعضاء على الشرائح في مجال الطب الشخصي. فمن حيث المبدأ يمكن تصميم هذه الشرائح باستخدام خلايا جذعية مأخوذة من المريض نفسه، ومن ثَم تُجرى الاختبارات لتحديد العلاجات الملائمة لهذا المريض تحديدًا والتي يكون احتمال نجاحها أكبر.  

وثمة سبب يدفعنا للأمل في أن هذه الأعضاء الدقيقة يمكن أن تقلل بشدة اعتماد صناعة المستحضرات الدوائية على اختبار المركبات التجريبية على الحيوانات. سنويًّا، تتم التضحية بملايين الحيوانات من أجل هذه الاختبارات، وهذا الأمر يثير جدالًا محتدمًا. وحتى لو نحينا الاعتبارات الأخلاقية جانبًا، فقد ثبت أن الاختبارات على الحيوانات غير ذات جدوى؛ فنادرًا ما تعطي التجارب على الحيوانات أفكارًا ثاقبة موثوقًا بها حول رد فعل الجسم البشري تجاه نفس الدواء. ومن ثَم، من المحتمل أن يكون أداء الاختبارات التي تُجرى على الأعضاء البشرية المصغرة أفضل.

وعلى صعيد آخر، يرى الباحثون العسكريون والباحثون في مجال الدفاع البيولوجي قدرة هذه التكنولوجيا على إنقاذ الحياة من زاوية مختلفة. فالرئة الصناعية التي تحاكي عمل الرئة البشرية، وما يماثلها من أجهزة، يمكن أن تكون الخطوة الكبرى التالية في اختبار استجابة الجسم للأسلحة البيولوجية أو الكيميائية أو الإشعاعية؛ ومن غير الممكن عمل هذا اليوم لأسباب أخلاقية واضحة.