يصاب الأشخاص بمرض السكري عادةً عندما يزداد مستوى السكر في الدم، بسبب عدم قدرة خلايا البنكرياس التالفة على إفراز الإنسولين، لذا يلجأ الأطباء إلى إعطاء المرضى أدوية السيطرة على مستويات السكر في الدم.

ويُعد ارتفاع مستوى السكر في الدم من الآثار الشائعة التي تحدث من جرّاء الإصابة بداء السكري، ما يؤدي مع الوقت إلى حدوث أضرار وخيمة في العديد من أجهزة الجسم، ولا سيما الأعصاب والأوعية الدموية.

لكن ماذا لو تمكن جسم المريض من إنتاج الإنسولين ذاتيًّا، بواسطة خلايا أخرى مجاورة لتلك التالفة في البنكرياس؟

سؤال أجاب عنه فريق من جامعة "بيرجن" النرويجية؛ إذ اكتشفوا أن الجسم يمكنه علاج السكري ذاتيًّا، إذ يمكن لخلايا البنكرياس السليمة القيام بعمل الخلايا التالفة، وذلك وفق دراسة نشرتها دورية (Nature Cell Biology) العلمية.

وهناك 3 أنواع مختلفة من الخلايا في البنكرياس، وهي خلايا "ألفا" و"بيتا" و"دلتا"، ووظيفتها إنتاج هرمونات مختلفة لتنظيم مستويات السكر في الدم.

وتفرز خلايا "ألفا" الجلوكاجون الذي يزيد مستويات السكر في الدم، أما خلايا "بيتا" فتفرز الإنسولين الذي يضبط نسبه المرتفعة، وتنتج خلايا "دلتا" هرمون "السوماتوستاتين" الذي يتحكم في تنظيم نشاطات كلٍّ من خلايا "ألفا" و"بيتا".

ويعاني المصابون بالسكري -وخاصةً من النوع الأول- من تلف يؤدي إلى تراجُع وظيفة خلايا "بيتا"، لكن الباحثين تمكنوا في دراسة أُجريت على الفئران، من تغيير وظائف خلايا "ألفا"، لتعمل عمل خلايا "بيتا" التالفة، ما يمنحها القدرة على إنتاج الإنسولين.

واكتشف الباحثون، بالتعاون مع فريق دولي من جامعات "جنيف" السويسرية، و"فاندربيلت" الأمريكية، و"جونتيندو" اليابانية، أن خلايا "ألفا" يمكن أن تغير هويتها الأساسية، وتتكيّف بحيث تقوم بعمل خلايا "بيتا" المجاورة المتضررة أو المفقودة وتنتج الإنسولين لتنظيم السكر في الدم.

وأثارت عملية تغيُّر الهوية الخلوية اهتمام العلماء كثيرًا، واكتشف فريق البحث أن 2% من خلايا البنكرياس المجاورة، يمكنها تغيير وظيفتها لتحل محل خلايا الإنسولين التالفة، وتمكنوا من زيادة نسبة هذه الخلايا إلى 5% باستخدام أدوية تؤثر في عملية نقل الإشارات بين الخلايا.

ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، فإن السكري من النوع الثاني يظهر من جرّاء فرط الوزن وقلّة النشاط البدني، ومع مرور الوقت، يمكن للمستويات المرتفعة من السكر في الدم أن تزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب، والأعصاب، والعمى، والفشل الكلوي.

في المقابل، تحدث الإصابة بالنوع الأول من السكري عند قيام النظام المناعي في الجسم بتدمير الخلايا التي تتحكم في مستويات السكر في الدم، وتكون معظمها بين الأطفال والشباب، وتتطلب تعاطي الإنسولين يوميًّا.

طريقة فريدة

قالت "لويزا جيلا" -الباحثة في قسم العلوم السريرية، بجامعة بيرجن، والمشاركة في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن هذه الطريقة يمكن أن تصبح فريدةً في علاج مرض السكري، كما أن الدراسات اللاحقة للآلية المكتشَفة تساعد على إنتاج كمية أكبر من الإنسولين، أي أن الجسم سيصبح قادرًا على علاج نفسه من مرض السكري، وبالتالي يمكن للمريض أن يتخلص من تناول أدوية السكري".

وعن أهمية نتائج الدراسة، تضيف "جيلا" في تصريحات لـ"للعلم": "لأول مرة في التاريخ نتعرف عن قرب على الآلية التي تقف وراء عملية تغيير هوية الخلية، ووظائفها، وسنواصل البحث في هذا المجال، وإذا اكتسبنا مزيدًا من المعرفة حول الآليات الكامنة وراء مرونة هذه الخلية، عندها يمكن أن نكون قادرين على التحكُّم في العملية برُمَّتها وتغيير المزيد من هويات الخلايا بحيث يمكن إنتاج مزيد من الإنسولين ذاتيًّا في الجسم".

وتعتقد "جيلا" أن "هذا الاكتشاف لا يحمل أنباءً سارة للمهتمين بعلاج مرض السكري فقط، بل يمكن أن يكون حاسمًا في علاج أمراض أخرى ناجمة عن موت الخلايا، مثل مرض ألزهايمر وتلف الخلايا نتيجةً للأزمات القلبية".

اكتشاف واعد

من جانبه، وصف "محمد فهمي" -أستاذ أمراض الباطنة والسكر والغدد الصماء بكلية طب جامعة عين شمس- نتائج الدراسة بأنها "واعدة"، وأنها يمكن أن تستهدف بشكل أساسي مرضى السكري من النوع الأول، وأغلبهم من الأطفال، بالإضافة إلى بعض مرضى السكري من النوع الثاني الذين يعتمدون بشكل كبير على حقن الإنسولين.

وأضاف في تصريحات لـ"للعلم"، أن خلايا "ألفا" تعمل بشكل جيد بالنسبة لمرضى السكري من النوع الأول، لكنهم يفتقرون إلى خلايا بيتا المنتجة للإنسولين، التي عادةً ما تصاب بالتلف ولا تؤدي دورها بشكل جيد، وإذا حدث ونجحت تلك التجارب على البشر، فيمكن أن يستغنوا عن حقن الإنسولين، والشيء ذاته بالنسبة لمرضى السكري من النوع الثاني الذين يعيشون على الإنسولين.

وفسر "فهمي" الأمر بأن خلايا البنكرياس الثلاث أصلها الجنيني واحد، لكنها تتفرع إلى 3 أنواع، بعوامل نمو ومحفزات مختلفة، وبالتالي يمكن لخلايا "ألفا" أن تعمل عمل خلايا "بيتا" إذا نجح العلماء في نقل الإشارات بين الخلايا باستخدام عوامل محفزة، كهرمونات النمو المسؤولة عن بناء الخلايا الجديدة وتجديد الخلايا التالفة، وهي الآلية التي توصل إليها الفريق.

لكنه في المقابل، أشار إلى أن هذا الاكتشاف رغم أهميته الكبيرة يحتاج إلى مزيد من التجارب على الحيوانات ثم البشر، لإثبات جدواه؛ لأنه قد تختلف نتائج التجارب من الحيوانات إلى البشر، على حد وصفه.

فتح تاريخي

من جهته، وصف "مصطفى كامل عطية" -استشاري أمراض الباطنة والسكر والتغذية العلاجية- ما توصل إليه فريق البحث بأنه "فتح تاريخي" يستفيد منه جميع مرضى السكري، مضيفًا أنه "إذا نجح تطبيق هذه الآلية على البشر، فسيتخلص المرضى من أدوية السكري التقليدية بجميع أنواعها، بما فيها حقن الإنسولين، بالإضافة إلى تخلُّصهم من التحاليل والاختبارات المزعجة والمؤلمة".

وأضاف "عطية"، في تصريحات لـ"للعلم" أن مرضى السكري من النوع الثاني الذين يتناولون العقاقير ولم يصلوا إلى مرحلة حقن الإنسولين، سيستفيدون أيضًا؛ لأن حوالي 50% من خلايا "بيتا" التي تفرز الإنسولين لا تعمل بشكل طبيعي، وستشمل الاستفادة أيضًا مرضى السكري من النوع الأول والثاني الذين يعتمدون على حقن الإنسولين للسيطرة على ارتفاع نسب السكر في الدم.

واعتبر هذا الاكتشاف تاريخيًّا، على حد وصفه؛ لأن العلماء كانوا يعرفون من قبل أن هناك آلية تقف وراء تَجدُّد الخلايا التالفة وخاصةً خلايا البنكرياس، لكن نجح الباحثون أخيرًا في اكتشاف هذه الآلية التي تتلخص في الإشارات التي تبعث بها خلايا "بيتا" التالفة إلى جارتها "ألفا"، لتعمل عملها وتؤدي وظائفها، دون أن تتأثر وظائف الأولى، وبالتالي تقوم خلايا "ألفا" بوظيفتين في آنٍ واحد.

ونوه بأن هذه الآلية تتفوق حتى على علاج الخلايا التالفة بالخلايا الجذعية؛ لأن هذه الخلايا -وخاصة الخلايا الجذعية الجنينية- تأتي عادةً من جسم غريب، ويمكن أن يرفضها الجهاز المناعي.

وعن التحديات التي تقف أمام الفريق، رأى "عطية" أن الأمل معلق بتطوير أدوية جديدة تدعم زيادة عدد خلايا "ألفا" المنتجة للإنسولين وترتفع بالنسبة لأبعد من 5%، وهذا يعتبر أملًا قريبًا جدًّا طالما نجح الباحثون في اكتشاف الآلية التي تقف وراء ذلك، مؤكدًا أن هذا الاكتشاف يمكن أن يساعد أيضًا في علاج أمراض أخرى، على رأسها ألزهايمر وجلطات المخ وتلف الخلايا العصبية.

ووفق منظمة الصحة العالمية، ارتفع عدد الأشخاص المصابين بالسكري من 108 ملايين شخص في عام 1980 إلى 422 مليون شخص في عام 2014، كما ارتفع معدل انتشار المرض على الصعيد العالمي لدى البالغين الذين تزيد أعمارهم على 18 سنة من 4.7% في عام 1980 إلى 8.5% في عام 2014.

وسجل معدل انتشار السكري ارتفاعًا أسرع في البلدان ذات الدخل المتوسط والمنخفض، ويعتبر المرض سببًا رئيسيًّا للعمى والفشل الكلوي والنوبات القلبية والسكتات الدماغية وبتر الأطراف السفلى.

وتحدث نصف مجموع حالات الوفاة الناجمة عن ارتفاع مستوى الجلوكوز في الدم قبل بلوغ سن الـ70، وتتوقع المنظمة أن يصبح داء السكري سابع عامل مسبب للوفاة في عام 2030.