هدوء تام داخل أحد المعامل بجامعة وسط الصين الزراعية بـ"ووهان"، لم يقطعه سوى رنين مُتكرر من هاتف، السيد نشيوي، مدرس الوراثة والكيمياء الحيوية، لم ينتبه الأخير لانهماكه في العمل، بعد ساعات اكتشف الفاجعة، تلقَّى عدة رسائل بالصيغة ذاتها مُذيلة بتاريخ اليوم -حينها- 22 يناير 2020.. "قرار من السلطات بإغلاق المدينة بالكامل، وقف وسائل النقل العام، منع الحركة في الشوارع"، وفق رواية "نشيوي" لموقع "للعلم".

بدا الارتباك على الشاب المصري، المدينة التي يقطنها منذ 10 سنوات صارت بؤرةً لتفشِّي فيروس "كورونا" الـمُستجد، كانت الصورة ضبابيةً مع سرعة انتشاره بين السكان، في حين احتلت الصين المركز الأول في عدد الإصابات التي وصلت إلى 82 ألف و295 حالة -وقت إعداد التقرير- قبل التراجُع إلى المركز السابع بين الدول الأكثر إصابةً حتى الآن، فقد انحسر الفيروس هناك بصورة ملحوظة، لتصبح التجربة الصينية في الاستجابة للتعامل مع فيروس كورونا المستجد المسبب لمرض "كوفيد- 19" هي الأكثر اكتمالًا، وفق تعبير أمجد الخولي، استشاري الأوبئة في منظمة الصحة العالمية.

أخطاء فادحة

لم يكن "نشيوي" يعرف الكثير عن "كوفيد- 19" رغم إصابة حالات عديدة داخل المدينة في شهر ديسمبر من العام الماضي، لقد أخفت السلطات الأمر، وحينما حذر الطبيب، لي وين ليانغ، من ظهور فيروس جديد في "ووهان"خضع لتحقيق ومطالبة بعدم تداول تلك الأحاديث مرةً أخرى. "السلطات سارعت بنفي انتشار فيروس جديد ينتقل بين البشر"، كما يقول أحمد إسماعيل، مدرس الفيروسات بكلية العلوم بجامعة بنها، المقيم حينها في "ووهان"، لذلك استمرت الحياة بصورتها الطبيعية دون قلق، قبل الإعلان عن إصابة 27 شخصًا بالتهاب رئوي فيروسي، بينهم 7 في حالة حرجة، وانطلاق فريق من خبراء اللجنة الوطنية للصحة إلى المدينة لإجراء مزيدٍ من الاختبارات، مضيفًا: "تعاملوا مع الأزمة في البداية بطريقة سلبية لا ترتقي لفداحة الحدث"، ثم تسارعت وتيرة الأحدث فجأة.

في محاولة لتدارك الأخطاء، عزلت السلطات الصينية مقاطعة "خوبي" التي تضم مدينة "ووهان" بؤرة انتشار الفيروس، توقفت الدراسة والمواصلات العامة ومعظم المحلات، أُغلقت المصانع والشركات، شددت القبضة الأمنية على حدود المدينة، تعطلت حركة الطيران، "تم إبلاغنا بأن نلزم البيت ولا نخرج إلا للضرورة القصوى"، يقول "إسماعيل"، الذي مكث في منزله التزامًا بالقرارات، وقد دفعته مخاوفه الإنسانية مع ارتفاع معدل الإصابات والوفاة إلى تناول وجبة فقط يوميًّا، "شعرت بأن الوضع سيسوء ولن يمكنني النزول إلى الشارع مرةً أخرى، كان عليّ توفير طعامي لأيام أصعب".

صورة تظهر خلو مدينة ووهان الصينية من المارة بشكل شبه كامل credit:Elsayed Nishawy 

مخاوف في المستشفيات العامة

في نهاية شهر يناير، صارت الشوارع خالية تمامًا في "ووهان"، بينما شهدت بوابات المستشفيات العامة زحامًا وتكدسًا، وجوه مُرهقة لا تقوى على التنفس بصورة طبيعية، عيون شاحبة ترجو الحصول على العناية الطبية الكافية؛ إذ وصلت أعداد المصابين في اليوم الأخير من الشهر نفسه إلى 11 ألفًا و791 حالة، "شعرت السلطات بقلق متزايد من إصابة المرضى الآخرين نتيجةً للاختلاط"، لذلك سرعان ما خصصت الصين 14 مستشفى مؤقتًا لمرضى "كوفيد 19" فقط، وفي محاولة لاكتشاف المرضى مبكرًا ألزمت المؤسسات الطبية كافة بالكشف على من يُشتبه في إصابته من دون الحصول على موافقته، وهو ما اختبره "نشيوي".

قاده حظه العاثر للذهاب إلى مستشفى قريب من بيته بعد شعوره بألم في أسنانه، "طلبت مُسكنًا للآلام وخافضًا للحرارة، نظروا لي بارتياب وحولوني على الفور إلى مستشفى آخر لمرضى (كورونا) لإجراء تحليل (PCR) -المستخدم في اكتشاف الفيروسات- وأشعة مقطعية"، طالبوه بعزل نفسه لحين ظهور النتيجة، قضى ساعات من الرُّعب في انتظار ما ستُسفر عنه التحاليل قبل التأكد من سلبية العينة، "حمدت الله، وأدركت أن الصين تتصرف وفق مبدأ الشك، في محاولة للسيطرة على انتشار الفيروس"، تلك الإجراءات وغيرها منحته الاطمئنان في تحرُّك الصين بالمسار الصحيح لاحتواء تفشي "كوفيد 19".

دكتور السيد نشيوي بأحد المستشفيات الصينية credit:Elsayed Nishawy

صُنعت في أيام

كان على الحكومة الصينية تدبير مزيد من غرف الرعاية الخاصة للمصابين؛ إذ وصلت معدلات الوفيات إلى 1.4%، وفق دراسة علمية في دورية نيتشر العلمية، تزيد النسبة إلى 2.6% مع البالغين من العمر 60 عامًا أو أكثر، بات توفير الأماكن الـمُجهزة للمرضى العقبة الأكبر خلال الأزمة، وفق فايد عطية، أستاذ الفيروسات الطبية والمناعة وأمراض الدم المساعد بجامعة شانتو بالصين، من أجل ذلك أعلنت السلطات الصينية تشييد 4 مستشفيات مجهزة مسبقًا في أقل من شهر، من بينها مستشفى "ووهان ليشنشان" الذي يتسع لـ1600 سرير، على مساحة 60 ألف متر مربع، فضلًا عن إنشاء مستشفيات ميدانية متنقلة "أشبه بمستشفيات الحرب، يتم تركيبها في كافة أنحاء ووهان، وتفكيكها بعد انتهاء الأزمة".

في قَلب المعركة، داخل غُرف الرعاية الصحية وبين آلاف من المرضى، خاضت الأطقم الطبية بـ"ووهان" جهودًا كبيرة مع المصابين بـ"كورونا" المستجد، خاصةً مع وجود نقص عددي بينهم مقارنةً بالمصابين؛ إذ تصل نسبة الأطباء إلى 2.55لكل ألف شخص في مقاطعة "خوبي" وفق الحكومة الصينية، غير أنهم ظلوا صامدين دون يأس أو تأفف، يوضح "نشيوي" الذي التقى  أطباءً في مستشفى للعزل "يعملون بكل طاقتهم دون استسلام للضغوط، لم أتعرض لأي مضايقات أو أشاهد تراخيًا حينما تم الاشتباه في إصابتي بالفيروس".

تابع "نشيوي" مثل غيره من السكان فيديوهات نُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي الصينية لانهيار أطباء من الإرهاق ونومهم في ممرات المستشفيات، "شاهدت مقطع فيديو لطبيب ينصح المواطنين بعدم الاستهانة بالأمر، قال نصًّا: أرجوكم تعاملوا مع الأمر بجدية وعناية بالغة"؛ لتفادي العجز في أعداد الأطباء وصلت فرق طبية من الجيش الصيني إلى المدينة، وتحولت المؤسسات الطبية إلى خلية نحل لإحداث انتعاشة في حالات التعافي، خاصةً بعد استخدام عدد من العقاقير لوقف تطور أعراض الفيروس لدى المرضى، مثل "الكلوروكين" و"فوسفات الكلوروكين" و"الريمديسفير"، ولا توصي منظمة الصحة العالمية بالتطبيب الذاتي بواسطة أية أدوية، وفق "الخولي"، استشاري الأوبئة بالمنظمة.

عقاقير استخدمتها الصين لمواجهة أعراض "كورونا"

بجانب العقاقير، استخدم الصينيون بلازما مستخلصة من دماء متعافين من "كورونا" المستجد لعلاج آخرين، وفق مجموعة الصين الوطنية للتكنولوجيا الحيوية، إذ أشارت إلى بدء التجربة في 8 فبراير الماضي على 3 مرضى في حالة خطيرة، ثم 10 آخرين، أظهرت تحسُّنًا في الأعراض السريرية على المصابين خلال 24 ساعة، وانخفض الالتهاب الرئوي فضلًا عن تشبع الأكسجين في الدم بشكل جيد.

 في الوقت نفسه قدمت الشركات المتخصصة والجامعات ومعامل الأبحاث يد العون خلال الأزمة، كما يُشير فايد عطية؛ "لعمل اختبار تشخصي دقيق لكوفيد - 19 للتعرف على أسرار الفيروس، وكيفية انتقاله ومهاجمته للأجساد، ومحاولة للوصول إلى دواء دون آثار جانبية تؤذي المرضى"، فضلًا عن البحث بصورة علمية ودقيقة عن "المريض صفر" ومصدر العدوى، في حين أقرت الصين في 17 مارس بإجراء التجارب السريرية على أول لقاح لمكافحة "كوفيد -19".

استخدام التكنولوجيا

شكلت التكنولوجيا والاستخدام الأمثل لوسائل التواصل الاجتماعي سُبلَ مساعدة في التعامل مع تفشي الفيروس، "نشيوي" الذي رفض الخروج من "ووهان" لشعوره بتحسُّن الأوضاع، يؤكد تلقِّيه رسائل هاتفية بجميع المعلومات الخاصة بتطور الأحداث مع "كورونا" المستجد، سواء نصائح طبية لا بد من اتباعها، أو أعراض المرض، وأعداد الإصابات والوفيات، "استقبلت نتيجة تحاليل الإصابة بكورونا بالطريقة ذاتها"، فضلًا عن ظهور طائرات مسيرة دون طيار (درون) في أنحاء المدينة "تحذر المواطنين من الخروج، وتحثهم على لزوم بيوتهم لحين زوال الأزمة"، وتخصيص سيارات أجرة لنقل المشتبه في إصابتهم، "والاتصال بهم من خلال موقع وي تشات WeChat- موقع تواصل اجتماعي بالصين".

بحلول شهر مارس، شهدت الصين تضاؤل أعداد المصابين الجُدد بالفيروس، أُغلق 11 مستشفى في "ووهان" بعد تعافي المرضى، إذ وصلت حالات الشفاء إلى 77 ألفًا و575 حالة حتى كتابة تلك السطور، "زيارة الرئيس الصيني لـ"ووهان" مؤشر كبير على النجاح في التصدي للمرض داخل المدينة، شعرنا بأن نهاية الفيروس قريبة"، كما يقول "نشيوي"، فيما صارت الأعين تتجه إلى الصين للاستفادة من تجربتها.

 في هذا الشأن يقول أمجد الخولي -استشاري الأوبئة في منظمة الصحة العالمية- لـ"للعلم": إن التجربة الصينية تضع أمامنا العديد من الدروس المستفادة التي يمكن اتباعها، وأهمها السرعة القصوى في التعامل مع الأزمة، والجدية الشديدة في تطبيق كافة الإجراءات اللازمة للتصدي للفيروس ثم احتواء انتشاره، فضلًا عن التحري النشط لاكتشاف الحالات والإسراع بعزلها ومعالجتها، وتتبُّع المخالطين، وإجراء الفحص المختبري على الحالات المشتبه فيها.

وفي سبيل الاستفادة من التجربة الصينية تشجع المنظمة -وفق الخولي- على تبادل المعلومات والخبرات وقصص النجاح بين البلدان المختلفة، وتنسيق ذلك من خلال شبكات تبادل المعلومات وآليات ووسائل الإبلاغ والتواصل، موضحًا أن ما جرى في الصين يقدم دليلًا واقعيًّا على أن احتواء الفيروس ووقف انتقاله أمرٌ قابلٌ للتحقيق إذا ما اتُّبعت خطط الاستجابة بدقة وجدية وحسم.

عودة الحياة لـ"ووهان"

رغم ما جرى في الصين من احتواء الفيروس، لكن التخلي عن الحذر عواقبه وخيمة، لذلك ينصح الخولي بتجنُّب الإحساس المبالغ فيه بالأمان وانتهاء الأزمة، منوهًا بأن الجائحة لا تزال تهدد جميع البلدان، واحتمالات حدوث انتكاسة واردة ما دامت احتمالات الانتقال بالوفادة أو بالانتقال المحلي للعدوى قائمة، والحل الأمثل -وفق تعبيره- أن تواصل الصين العمل بكل جدية لترصُّد الحالات واكتشافها، وإجراء الفحوص المختبرية، وعزل الحالات المشتبه فيها، وتتبُّع المخالطين، ومواصلة توعية الأفراد والمجتمعات بأهمية تدابير الوقاية.