بالرغم من أن الآليات التي يمكن التدخل بها لإطالة عمر الإنسان غير مفهومة حتى الآن بصورة جيدة، إذ يبدو الأمر وكأن أجسام البشر تتلاشى تدريجيًّا، إلا أن هذا لم يمنع العلماء من السعي لفهم طبيعة الشيخوخة ومحاولة التحكم بها عن طريق التحكم في العمليات الخلوية التي تُسهم في الأمراض المرتبطة بتقدم العمر.

فمع تقدُّم العمر، يتعرض الشخص لتغيُّرات كبيرة، بدايةً من مشكلات تساقط الشعر وبدء تغير لونه إلى الأبيض أو الرمادي، مرورًا بمشكلات الذاكرة مثل "ضبابية الدماغ" ومتلازمة "الألم المزمن"، وانتهاءً بتحولات كثيرة، منها تراجُع سلاسة عملية التمثيل الغذائي، وانخفاض معدل استجابة الخلايا العصبية، وتلف الحمض النووي.

وتشير دراسة نشرتها دورية "نيتشر" (Nature) إلى أنه يمكن التحكم في الشيخوخة بصورة أبعد من ذلك، موضحةً أن "استرخاء المخ وإراحته من التفكير المبالغ فيه يُسهِم في إبطاء شيخوخة الإنسان وإطالة عمره؛ إذ يعمل البروتين المعروف باسم REST على إبطاء عملية الشيخوخة عن طريق قمع النشاط المفرط للخلايا العصبية للدماغ، الذي يؤدي بدوره إلى الإفراط في التفكير، وتقصير عمر الإنسان، وظهور الأمراض والاضطرابات العصبية المرتبطة بتقدم العمر".

نشاط الجهاز العصبي

قام الباحثون بتحليل أنسجة الدماغ الخاصة بأشخاص ماتوا تراوحت أعمارهم بين 60 و70 عامًا، وقارنوها بأنسجة أشخاص عاشوا لنحو 100 عام، وتوصلوا إلى أن الأشخاص الذين ماتوا في سن مبكرة كانت لديهم مستويات أقل من البروتين المعروف باسم (REST)، الذي يعمل على تهدئة نشاط الدماغ ويحد من عمل الجينات المرتبطة بالإثارة.

وتشير دراسات سابقة إلى أن الجهاز العصبي يؤدي دورًا في تنظيم الشيخوخة في اللافقاريات والثدييات، ومن هنا تأتي أهمية العلاقة التي كشفتها الدراسة بين بروتين الـ(REST) والشيخوخة.

وكان الباحثون قد أجروا العديد من التجارب على مجموعات من الفئران والديدان قاموا خلالها بحجب ذلك البروتين عنهم، ما أدى إلى تزايُد حدة النشاط العصبي وارتفاع معدلات الوفاة المبكرة، مشددين على أن "تعزيز وجود هذا البروتين من شأنه أن يكون له تأثيرات إيجابية تتناقض مع النتائج الناجمة عن تراجُع مستوياته".

تهدئة نشاط الدماغ

يقول بروس يانكنر -أستاذ علم الوراثة والأعصاب بكلية الطب في جامعة هارفارد، وأحد الباحثين المشاركين في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن وظيفة هذا البروتين تتمثل في تثبيط الجينات المسؤولة عن النشاط العصبي لخلايا المخ، وهو المسؤول عن إراحة المخ من النشاط العصبي الزائد، ونعمل حاليًّا على إنتاج دواء يحتوي على ذلك البروتين، بما يساعد على تهدئة نشاط الدماغ".

وردًّا على سؤال لـ"للعلم" حول ما إذا كانت كل أنواع المبالغة في التفكير ضارةً بصحة الانسان وتقلل من إفراز ذلك البروتين أم أن الاستغراق في التفكير السلبي فقط هو المشوب بالخطر، يقول "يانكنر": إنه "لم يتم توسيع نطاق نتائج بحثنا لتشمل هذا الأمر، ولَم نتطرق إلى دراسة تأثير الحالة المزاجية للإنسان على تحفيز إنتاج ذلك البروتين"، مضيفًا أن "ذلك البروتين يتم إنتاجه داخل الجسم، ونعمل على إيجاد أساليب لتحفيز المخ على إفرازه، ونأمل أن نتوصل إلى نتائج حول ذلك الأمر في المستقبل القريب".

مضاعفات صحية

من جهته، يتفق السيد عبد الرحمن المر -أستاذ جراحة المخ والأعصاب بجامعة الأزهر- مع ما ذهبت اليه نتائج الدراسة، مؤكدًا أن "الإفراط في التفكير والاستسلام للضغوط العصبية يؤديان إلى مضاعفات صحية خطيرة على المخ وعلى باقي أجزاء الجسم".

ويقول "المر" في تصريحات لـ"للعلم": من بين تلك المخاطر ضعف الذاكرة وتلف خلايا المخ؛ إذ إن هناك منطقة في الدماغ تسمى "الحصين"، وهي مركز الذاكرة بالمخ، ونجد أن منطقة الحصين تنكمش لدى الأشخاص الذين يعانون من التوتر الزائد والاكتئاب، كما أن التوتر والإجهاد النفسي والتفكير المستمر يضر بمنطقة في الدماغ تسمى "القشرة الجبهية"، وعندما يزداد الضغط على هذه المنطقة يمكن أن تحدث بعض الاضطرابات النفسية التي ينتج عنها ضعف في الذاكرة، فضلًا عن ارتفاع مستويات الكورتيزول في الجسم، وهو الهرمون الذي يتحكم في العديد من وظائف الجسم مثل التمثيل الغذائي، ويؤدي ارتفاع مستوياته إلى ارتفاع ضغط الدم.

ويضيف أنه "كلما زاد الشعور بالقلق والتوتر زاد التفكير والخوف من عقبات مسبِّبات هذا التوتر، ما يؤدي إلى خلل في وظائف المخ، ومنها صعوبة تنظيم النوم، والسهر لفترات طويلة من النوم، وعدم القدرة على الاستيقاظ مبكرًا، وعدم التركيز، وقلة الإنتاجية، والشعور المستمر بالقلق والعصبية الزائدة، ما يؤثر في المجمل على الصحة العامة للشخص، ويجعله عرضةً للإصابة بالشيخوخة بصورة مبكرة".

ما قاله "المر" أكدته دراسة أمريكية سابقة، محذرةً من أن "تزايُد مشاعر القلق والتوتر لدى كبار السن يمكن أن يكون مؤشرًا مبكرًا على قرب الإصابة بمرض ألزهايمر في ظل تنامي معاناتهم من القلق والتوتر والتفكير الزائد عن الحد".

العمر الصحي

ويوضح ملف سبق أن نشره موقع "للعلم" حول عدد من الدراسات التي نشرها الموقع أن "متوسط العمر المتوقع للإنسان في معظم البلدان المتقدمة تضاعف خلال الـ200 عام الماضية، بسبب تحسين نوعية الماء والغذاء، والاهتمام بالنظافة، والتحصين ضد الأمراض المعدية، وزيادة فاعلية المضادات الحيوية، والرعاية الطبية المحسَّنة".

ويشير الملف إلى دراسة نشرها الموقع تحت عنوان "معرفة الآليات الأساسية للشيخوخة قد تُسهِم في إطالة العمر الصحي للإنسان"، مشددةً على أنه "رغم زيادة متوسط الأعمار، لم يزد العمر الصحي الخالي من الأمراض؛ إذ غالبًا ما تبدأ الأمراض في زيارة البشر في عمر الخمسين، ما يُقلل من جودة الحياة رغم طولها".

ونقل الملف عن تقارير منظمة الصحة العالمية قولها إن "نسبة سكان العالم الذين سيتخطون الستين ستتزايد بين عامي 2015 و2050 من 12% إلى 22%، أما عدد مَن يبلغون الـ60 عامًا فسيتجاوز عدد الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 5 سنوات بحلول عام 2020".

ويشير الملف إلى أن العثور على الآليات الأساسية لعملية الشيخوخة يُمكن أن يُحسِّن من صحة البشر، وأن إجراء البحوث التجريبية على الحيوانات المختبرية يُمكن أن يؤدي إلى مجموعة من التدخلات الوراثية والبيئية والدوائية، التي تُطيل العمر، وتقلل من فقدان وظيفة الأجهزة الحيوية أو تعطُّلها في المراحل العمرية المتأخرة.