هل هناك عدم عدالة في توزيع السعادة على مستوى العالم؟ هل تتفاوت المشاعر السلبية التي يعاني منها الفرد كالقلق والحزن والغضب من بلد إلى آخر؟ وهل ترتبط المشاعر الإيجابية طرديًّا بتحسُّن الظروف الاقتصادية للدول؟ أم أن هناك عوامل أخرى تتحكم في مخرجات المشاعر برمتها؟

حاولت مؤسسة "جالوب" الدولية الإجابة عن الأسئلة السابقة من خلال استبانة على مستوى عالمي شارك فيها أكثر من 151 ألف شخص من 140 دولة حول العالم لقياس "درجة حرارة العالم العاطفية" خلال عام 2018.

وكشفت نتائج الاستبانة أن العالم عانى من الحزن والغضب بصورة أكبر في عام 2018 مقارنةً بالعام السابق له. تقول "جولي راي" -محللة البيانات في مؤسسة "جالوب"، والباحثة الرئيسية في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": تمكنَّا من ترتيب الدول وفق معدلات المشاعر الإيجابية والسلبية، وكان هدفنا قياس الجوانب غير الملموسة للحياة -المشاعر والعواطف- والتي لا تأخذها المؤشرات الاقتصادية التقليدية -مثل الناتج المحلي الإجمالي- بعين الاعتبار. كشفت النتائج أن "الناس أصبحوا يشعرون بالحزن والغضب والقلق أكثر من أي وقت مضى، وهو ما يمكن أن تكون له آثار عميقة على الصحة العالمية.

ضربة البداية

ويعود تاريخ "الاستبانات" التي اعتادت مؤسسة "جالوب" إجراءها لرصد المشاعر الإيجابية والسلبية لمواطني الدول المختلفة إلى عام 2006، وتستهدف المؤسسة وضع ترتيب للدول من حيث معدلات المشاعر -سواء الإيجابية والسلبية- التي يشعر بها المواطن في كل دولة على حدة.

طُلِب من المشاركين الإجابة عن مجموعة من الأسئلة تتعلق بالمشاعر الإيجابية أو السلبية التي مروا بها في اليوم السابق على إجراء الاستبانة، مثل: "هل شعرت بالراحة أمس؟ هل تمت معاملتك باحترام أمس؟ هل ضحكت أو ابتسمت كثيرًا أمس؟ هل تعلمت شيئًا جديدًا أمس؟ هل فعلت أي شيء مثير للاهتمام أمس؟ هل شعرت بألم جسدي أمس؟ هل أصابك نوع من القلق أو الحزن أو التوتر أو الغضب أمس؟

طرح الباحثون هذه الأسئلة على المشاركين من خلال إجراء مقابلات شخصية في حوالي 80٪ من البلدان واستطلاعات عبر الهواتف الأرضية أو المحمولة في الـ20٪ الأخرى، واستخدم الباحثون اللغة الأكثر شيوعًا داخل كل بلد، وفي بعض الأحيان كانوا يستخدمون أكثر من لغة؛ إذ بلغ عدد اللغات المستخدمة حوالي 170 لغة، وفق "راي".

وأظهرت النتائج أن 39% من المشاركين شعروا بالقلق الشديد، و35% انتابهم التوتر، و31% أكدوا معاناتهم من آلام جسدية، كما شعر 24% بالحزن و22% بالغضب. وبينما انخفض المستوى العام للتوتر بنقطتين عن استطلاع العام السابق عليه (2017)، إلا أن مشاعر مثل الغضب والقلق والحزن بلغت أرقامًا قياسية في استطلاع عام 2018.

وسجلت شعوب دول من أمريكا الجنوبية والوسطى معدلات مرتفعة في المشاعر الإيجابية، إذ جاءت تسع من هذه الدول (باراجواي، بنما، جواتيمالا، المكسيك، السلفادور، هندوراس، الإكوادور، كوستاريكا، كولومبيا) في قائمة أكثر 10 شعوب ذات مشاعر إيجابية، وكانت إندونيسيا الدولة الآسيوية الوحيدة التي جاءت في القائمة. وبالرغم من أن الظروف الاقتصادية لتلك الدول ليست الأفضل على المستوى العالمي، إلا أن شعوبها يميلون (من الناحية الثقافية) إلى التركيز على الجوانب الإيجابية للحياة، ما أكسبهم مشاعر إيجابية كبيرة، وفق الدراسة.

وفي المقابل، ضمت قائمة الدول الـ10 الأقل من حيث المشاعر الإيجابية كلًّا من أفغانستان (التي احتلت المركز الأول من حيث أقل الشعوب شعورًا بالمشاعر الإيجابية للسنة الثانية على التوالي)، ثم (روسيا البيضاء واليمن وتركيا وليتوانيا ونيبال وشمال قبرص وبنجلاديش وتشاد ومصر) على الترتيب.

نيران الصراعات

ووفق الدراسة، لم يكن مستغربًا أن تتربع الدول التي مزقتها ظروف الحرب والفقر على رأس قائمة الدول التي يعاني مواطنوها من مشاعر سلبية؛ إذ بلغ "مؤشر الخبرة السلبية" مستوى قياسيًّا في تشاد؛ حيث عبَّر 54% عن شعورهم بالحزن نظرًا للعنف وحالات النزوح، وانهيار الخدمات الأساسية في أجزاء من البلاد، الأمر الذي انعكس على حياة الآلاف من الشعب التشادي، الذين أكد 72% منهم أنهم يعانون من أجل الحصول على الطعام، وتبعها النيجر وسيراليون والعراق، التي احتلت المرتبة الثانية في قائمة أكثر شعوب العالم "غضبًا"، والرابعة في قائمة أكثر شعوب الأرض "ألمًا".

كما احتلت أفغانستان ذيل القائمة فيما يخص امتلاك مواطنيها مشاعر إيجابية؛ إذ أشار 36٪ فقط من الأفغان إلى أنهم "ابتسموا أو ضحكوا في اليوم السابق على إجراء المقابلة".

الدول العربية

وقد شارك في الاستبانة أربع عشرة دولة عربية، هي: الجزائر، مصر، العراق، الكويت، ليبيا، لبنان، موريتانيا، المغرب، فلسطين، المملكة العربية السعودية، تونس، الإمارات العربية المتحدة، اليمن، جزر القمر.

وسجلت العراق وفلسطين أعلى نسبة على مستوى المنطقة العربية التي يعاني مواطنوها من الغضب، والتي بلغت 44% و43% على التوالي.

وكان العراقيون أكثر مَن يعاني على مستوى الدول العربية من مشاعر الحزن (43%) والتوتر (51%)، أما تونس فقد احتلت المركز الأول فيما يخص الشعور بالقلق، إذ أجاب 57% من المشاركين بأن هذا الشعور السلبي انتابهم في اليوم السابق للاستبانة.

وفي المقابل، تربعت دولة الإمارات العربية على قائمة الدول العربية، من حيث المشاعر الإيجابية؛ إذ أقر 75% من أفراد العينة بأنهم يستمتعون بيومهم، وكان أفراد العينة من السعوديين هم الأكثر ابتسامًا على مستوى الوطن العربي، بنسبة بلغت 79%.

مشاعر المصريين

في مصر، أقر 25% من أفراد العينة بأنهم شعروا بالغضب، بينما ذكر 21% أنهم انتابهم شعور بالحزن في اليوم السابق للاستبانة، في حين ارتفعت نسبة مَن كانوا يعانون من التوتر إلى 44%. وأكدت نتائج "جالوب" أن 40% من أفراد العينة من المصريين شعروا بالقلق في اليوم السابق للاستبانة. وعن مدى انعكاس ذلك على الصحة البدنية، أجاب 43% من أفراد العينة من المصريين بأنهم تعرضوا للألم.

وبالنسبة للمشاعر الإيجابية، عندما سُئل المشاركون عما إذا كانوا قد استمتعوا بحياتهم في اليوم السابق للاستبانة، أجاب 44% بالإيجاب. وفيما يخص الشعور بالراحة، أقر 66% من المصريين بأنهم يشعرون بالراحة. وعند سؤال أفراد العينة عما إذا كانوا قد تعلموا شيئًا جديدًا في اليوم السابق، أجاب 24% بالإيجاب. وأجاب 53% من أفراد العينة بأنهم ابتسموا في اليوم السابق على إجراء الاستبانة. أما فيما يخص التعامل باحترام، فقد أقر 95% من أفراد العينة بأنه تم التعامل معهم باحترام.

تباين النتائج

تقول "راي": "إن النسب المئوية للأشخاص الذين يعانون من المشاعر السلبية تختلف من بلد إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى. والأسباب الكامنة وراء هذه المشاعر السلبية ليست واحدةً في جميع أنحاء العالم".

وأوضحت: "فقد تبدو أسباب التوتر مثلًا في الولايات المتحدة أو كندا مختلفةً تمامًا عن دولة تعاني من صراعات ونزاعات مسلحة مثل اليمن أو أفغانستان"، مضيفةً أن "أكثر التجارب سلبية ارتبطت بالمشكلات الصحية، وكذلك عدم قدرة مواطني بعض الشعوب الفقيرة على دفع ثمن الطعام".

من جهتها، تقول "ألفت علام" -استشاري العلاج النفسي والإدمان- في تصريحات لـ"للعلم": "إن العالم يعيش أزمات عديدة في أماكن عديدة مختلفة، وتعتبر هذه المرحلة الزمنية مرحلة حراك قوي في العالم أجمع؛ إذ تعاني بعض البلدان من أزمات اقتصادية عنيفة، في حين تعاني دول أخرى من أزمات اجتماعية وسياسية عميقة، ويؤثر ذلك على الإنسان بشكل مباشر، وفي أحيان أخرى يكون التأثير غير مباشر، وهذا يتوقف على وضع الفرد بالنسبة لهذا الحراك، وأيضًا المكان الذي يعيش فيه، وأخيرًا نمط شخصية الفرد نفسه".

وتضيف "علام": حتى لو عاش الفرد في بلدان تهتم بشعوبها، فإنه لا يستطيع تجاهل الأزمات التي يمر بها العالم؛ فالصحة النفسية تدعو الأفراد إلى الاطلاع على ما يدور حولهم من أحداث والتفاعل معها حتى لا يعيشوا في حياة سلبية بمعزل عنها، ولكن هذا التفاعل له ثمن؛ إذ قد يعرِّض الفرد أحيانًا للشعور بالضيق والحزن والقلق والتوتر.

تقول "علام": قد تشكل الصحة النفسية للفرد على مستوى العالم أهميةً كبيرة؛ لأنها ترتبط بالصحة البدنية، فعندما يستخدم الفرد المشاعر السلبية للتعبير عن غضبه أو قلقه أو مخاوفه من الأوضاع غير المستقرة أو العنف السائد في كثير من الأماكن، فإن ذلك يؤثر على صحته البدنية، فيظهر أثرها في صورة أمراض مثل الأزمات القلبية، وأحيانًا أخرى يعبر الفرد عن مشاعره السلبية بأعراض مثل الصداع النصفي الدائم وأمراض القولون العصبي وغيره ونوبات الهلع واضطرابات النوم، ما يستوجب مزيدًا من الاهتمام بدراسة وقياس تأثير الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية غير المستقرة على مشاعر الأفراد ووجدانهم وصحتهم النفسية، وبالتالي على عطائهم الفعلي لبلادهم.

وجدير بالذكر أن نتائج الاستبانة التي أجرتها مؤسسة "جالوب"، والتي احتلت فيها دول من أمريكا الجنوبية والوسطى مكان الصدارة تختلف -فيما يتعلق بمستويات التمتع بمشاعر إيجابية- مع ما تضمنه "تقرير السعادة العالمية" الذي أصدرته "شبكة تنمية الحلول المستدامة" التابعة للأمانة العامة للأمم المتحدة في 20 مارس الماضي؛ إذ اعتلت خمس دول أوروبية صدارته وهي فنلندا،  والدنمارك، والنرويج، وأيسلندا، وهولندا.

ويقيس هذا التقرير السعادة في 156 دولة حول العالم، من منظور أكثر شمولًا، وفق ستة متغيرات رئيسية ترتبط برفاهية الفرد وهي: الدخل، والحرية، والثقة، ومتوسط العمر المتوقع في الحياة الصحية، والدعم الاجتماعي، والكرم.