تعتبر أشجار نخيل التمر من أقدم المحاصيل المستأنَسة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والجزيرة العربية، وهناك أكثر من 3000 نوع منها، لديها تبايُنٌ كبيرٌ في السمات المتعلقة بلون تمورها وحجمها ورطوبتها ومحتواها من السكر.

ورغم الأهمية الكبيرة لأشجار نخيل التمر، إلا أنها تعاني من شُح في دراسات الجينوم الخاصة بها، إلى جانب الفترات الطويلة الفاصلة بين أجيالها، الأمر الذي أدّى إلى الحد من وجود دراسات جينومية تستوعب كل هذه الأنواع المعمرة.

ولمعالجة هذه الفجوة، طوّر فريق بحث دولي -يقوده علماء بجامعة نيويورك أبو ظبي في دولة الإمارات العربية المتحدة- مجموعةً محسّنة من الجينوم الخاص بنخيل التمر، باستخدام تقنية تُعرف بالتسلسل طويل القراءة Long-read sequence.

وأوضح الباحثون، في دراستهم المنشورة مؤخرًا في دورية "نيتشر كومينيكشين" أن هذا التطور الجديد الذي أحدثوه للنسخ الحالية من جينوم نخيل التمر، يساعد على مواصلة البحوث وإثراء ممارسات الإكثار الخاصة بهذا المصدر الغذائي الرئيسي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ولإنجاز ذلك، استعان الفريق لأول مرة بتقنية دراسة الترابط الجينومي الكامل، التي تُعرف اختصارًا بـ(GWAS)، بالإضافة إلى أحدث التقنيات التي تُستخدم لفك شفرة وقراءة المادة الوراثية وتسمى (SMRT) لتحديد الجينات الخاصة بلون هذه الثمرة، ومعدلات السكريات فيها، واستُخدمت هذه التكنولوجيا من قبل لتحديد جينات الأمراض المهمة لدى البشر، وتُعَد هذه هي المرة الأولى التي تطبق فيها على أشجار نخيل التمر، وقد نجحت في تحديد 11 من أصل 21 سمةً لثمار نخيل التمر. هذا التسلسل الجينومي طويل القراءة، مقترنًا بإمكانية الوصول إلى اثنتين من أضخم مزارع نخيل التمر الناضجة في دولة الإمارات العربية المتحدة، أتاح للباحثين الفرصة لإجراء دراسات الجينوم المرتبط الواسعة على هذه الفصيلة من الأشجار.

بعد قرءاة أكثر من 772 مليون جزيء وراثي من الكود الوراثي لنخيل التمر، حدّد الباحثون لأول مرة، الجينات والطفرات المؤدية إلى تغيُّر اللون ومستويات السكريات الرئيسية في ثمرة نخيل التمر credit:Nature Communications vol. 10, (2019) 

وبعد قرءاة أكثر من 772 مليون جزيء وراثي من الكود الوراثي لنخيل التمر، حدّد الباحثون لأول مرة، الجينات والطفرات المؤدية إلى تغيُّر اللون ومستويات السكريات الرئيسية في ثمرة نخيل التمر، بما فيها الجينات الخاصة بإنزيم الإنفرتيز الذي يحلل السَّكَرُوز إلى جلوكوز وفركتوز، ويُعد هذا الإنجاز العلمي هو التسلسل الجينومي الأكثر اكتمالًا لنخيل التمر حتى الآن.

هذا الإنجاز الخاص بعملية تعزيز تسلسل الجينوم الخاص بنخيل التمر، والتي تُعد أول عملية لتحديد جينات هذه الشجرة المثمرة، كان نتيجة جهد عالمي مشترك، بقيادة علماء من مركز الجينات الوراثية والأنظمة الحيوية في جامعة نيويورك أبو ظبي، ومركز خليفة للتقانات الحيوية والهندسة الوراثية في جامعة الإمارات، إلى جانب باحثين آخرين من الولايات المتحدة وسويسرا وفرنسا والمملكة المتحدة والمملكة العربية السعودية والمكسيك.

النخيل فاكهة الصحراء

وفيما يتعلق بأهمية الدراسة وانعكاس نتائجها على طبيعة فهمنا لأشجار النخيل، صاحبة السمات المتفردة في المنطقة العربية، يرى "السمان محمود" -الباحث بمعهد بحوث الهندسة الوراثية الزراعية، بمركز البحوث الزراعية في مصر- أن النتائج والمعلومات التي توصل إليها هؤلاء الباحثون قادرة على شق ثغرة يمكن الولوج من خلالها إلى فهم الطبيعة الفريدة لأشجار النخيل، وفتح المجال لتطبيق هذه المعرفة في غزو الصحراء القاحلة، والتغلب على ظاهرة الفقر الغذائي الذي تعاني منه معظم الدول اﻷفريقية والآسيوية.

وأضاف- في حديث لـ"للعلم"- أن سر الاهتمام الشديد بأشجار نخيل التمر في عالمنا العربي يكمن في أنها بلا منافس فاكهة الصحراء، وأنها فوق ذلك كنز خفي لهؤلاء الباحثين الذين يسعون إلى فك طلاسم قدرة هذه اﻷشجار على التغلُّب على الطبيعة القاسية للصحراء القاحلة.

وتابع أن الجينات الوراثية لأشجار نخيل التمر تطورت عبر ملايين السنين، بفضل اﻷقلمة الطبيعية التي حباها الله بها، ويعود إليها الفضل في قدرتها على التأقلم والنجاة من ظروف التغير المناخي المفاجئ التي ضربت مناطق انتشارها، من المناخ الاستوائي الرطب إلى المناخ الحار والجاف، وهذه الظروف تسببت في انقراض أنواع نباتية أخرى، تحولت بدورها إلى أحفوريات رُسمت ببراعة في الصخور.

21 صفة اقتصادية

وعن المنهجية المتبعة لإجراء الدراسة، قال "محمود" إن تقنيات المسح الجينومي واسعة المجال من أشهر التقنيات الأحيائية المستخدمة لتتبُّع المورثات الجينية المسؤولة عن الصفات الاقتصادية المهمة، وتكمن قوتها في قراءة الملايين من التغيرات الوراثية علي مستوى الجزيء الوراثي الواحد؛ إذ تجري مقارنة هذه التغيرات الوراثية بعضها ببعض، والتعرُّف على تلك التي تميز اﻷشجار التي تحمل الصفات المرجوَّة، مثل تحمُّل التغيُّرات المناخية، أو الصفات الاقتصادية كاللون أو النكهة أو حجم الثمرة أو النضج المبكر.

وتابع أن هذا الفريق البحثي استخدم هذه التقنية في محاولة للتوصل إلى الجينات المسؤولة عن 21 صفة من الصفات الاقتصادية المهمة لثمار نخيل التمر، وتمكَّن الفريق من الوصول إلى 11 من الجينات المسؤولة عن لون الثمار ومحتواها السكري.

وأشار "محمود" إلى أن الفريق توصل إلى مجموعة من الحقائق المهمة في علم وراثة هذه اﻷنواع من الأشجار، وهي أن السر في اختلاف صفاتها يكمن في المشغلات الجينية التي تعمل على التشفير البروتيني للجينات وليس في الجينات ذاتها؛ إذ إن الطفرات الناتجة عن ملايين السنين من التطور النباتي استحدثت مشغلات جينية ذات كفاءة عالية، استطاعت أن ترفع من التشفير الحيوي لهذه الجينات، وبالتالي ميّزت أشجار نخيل التمر عن غيرها بحلاوة المذاق وتنوُّع الألوان.

ونوَّه بأن العلماء توصلوا أيضًا إلى الدور المهم الذي تؤديه الموروثات القافزة -الجينات القابلة للتنقل عبر مواضع مختلفة داخل الجينوم الخلوي لخلية بعينها- في تشكيل المحتوى الجينومي وتحويله من مسار تطوري إلى آخر، وبالتالي ظهور أنواع نباتية أكثر تأقلمًا مع البيئة المحيطة، وأكثر كفاءةً في التغلُّب على التغيرات البيئية.

ومنذ أواخر القرن الرابع قبل الميلاد، ظلت أشجار نخيل التمر شامخةً، صامدة، تشكل مصدر غذاء مهمًّا، متحديةً تقلبات المناخ القاسية على مر العصور، بفضل الطبيعة الفريدة التي حباها الله لهذه الشجرة المباركة، لتتحدى جميع الظروف القاسية على مر العصور.

وعلى مدار 12 ألف عام مضت، أجرى البشر كثيرًا من المحاولات لاستئناس النباتات البرية بأنواعها المختلفة، وفي مقدمتها نخيل التمر، وأسفرت تلك المحاولات عن انتقاء ما يقرب من 1000 إلى 2500 من النباتات والمحاصيل وتدجينها، وهذه الأنواع مسؤولة إلى حدٍّ كبير عن توفير المحاصيل الغذائية للبشر حول العالم.

وتدجين النباتات عملية تطورت بها النباتات البرية لتصبح نباتاتٍ محصوليةً من خلال عملية الانتقاء الاصطناعي، وهي عملية تتضمن عادةً إحداث تهجين مبكر تتبعه تربية انتقائية، بغرض الحصول على جيل جديد من النباتات له صفات خاصة مرغوبة من حيث اللون والشكل والحجم وحجم المحصول، ومدة الإزهار ووقت النضوج والرائحة والمذاق، ومقاومة الآفات والحشرات، بالإضافة إلى غيرها من الصفات الأخرى الخاصة بالنباتات، بحيث تتكيف مع الظروف التي تعيش فيها والوسط العام للمنطقة، وذلك لسد حاجة سكان الأرض من الغذاء.

تسلسل مرجعي لجينوم النخيل

وحول إمكانية الاستفادة من نتائج الدراسة، قال مايكل بوروغانان، البروفيسور في علم الأحياء بجامعة نيويورك أبو ظبي، وأحد المشاركين في الدراسة: إن البحث يوفر تسلسلًا مرجعيًّا أفضل للجينوم لنخيل التمر، وهو محصول رئيسي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وأضاف -في تصريحات لـ"للعلم"- أن هذه المعلومات التي توصلنا إليها، ستساعد في تحديد الجينات التي تشارك في لون الفاكهة ومحتوى السكر في ثمار نخيل التمر، معتبرًا أن فهم الجينات الكامنة وراء صفات الفاكهة، قد يمكِّن العلماء من المساعدة في زيادة إنتاج ثمار التمر في المستقبل بشكل أفضل.

وتابع: "التقدم الذي أحرزناه في توسيع معلوماتنا حول جينوم أشجار نخيل التمر، سيسهم في كشف الأسرار التي تفسر لنا سُبل مواصلة هذه الأنواع من الأشجار للتكاثر في مختلِف المنظومات البيئية الصعبة".

وعن خطواتهم المستقبلية، أوضح "بوروغانان" أنه "في ظل التحديات التي نواجهها حيال مستقبل الأمن الغذائي، سيكون لزامًا علينا مواصلة دراسة الجينوم الخاص بالمحاصيل الغذائية، مثل نخيل التمر؛ لدعم مساعينا الرامية إلى توفير الأمن الغذائي في العالم".

تسهيل برامج زراعة النخيل

من جانبه، قال "مراد مختار"، الباحث بقسم بحوث الخرائط الوراثية بمعهد بحوث الهندسة الوراثية الزراعية بمركز البحوث الزراعية في مصر: إن هذه الدراسة تعتبر الأضخم من نوعها، من حيث عدد أصناف نخيل التمر التي جرت دراستها، وكذلك تنوُّع الأدوات التكنولوجية المتقدمة التي استُخدمت في البحث، بالإضافة إلى دراسة المادة الوراثية "DNA" والـ"RNA" للنخيل، وربطهما بالصفات المورفولوجية للأصناف محل الدراسة، مقارنةً بالمحاولات السابقة التي أُجريت في هذا الشأن.

وفي حديث لـ"للعلم"، أضاف أن نتائج الدراسة تفتح المجال أمام العديد من الأبحاث المستقبلية، التي تهدف إلى فهمٍ أعمق لطبيعة هذه الشجرة، وتفتح المجال أمام مربي النخيل لتسهيل برامج تربية تلك الشجرة المباركة.

وأوضح الفريق أن عملية فك شفرة وقراءة المادة الوراثية لـ772 مليون جزيء وراثي، بواسطة تقنية (SMRT) تعتبر الأضخم من حيث تغطية عدد أكبر من المادة الوراثية، مقارنةً بالأبحاث السابقة، وباستخدام هذه البيانات توصل الفريق إلى عددٍ من العوامل الوراثية المسؤولة عن لون ثمار البلح، وكذلك محتوى السكريات، وهي تعتبر من أهم الصفات لدى مستهلكي النخيل.

وتابع "مختار" أن الفريق تمكن أيضًا من تحديد العديد من الطفرات الموجودة في العديد من أصناف النخيل التي تودي إلى اختلاف بعض أصنافه عن الأخرى في محتواها من السكريات، وأيضًا الاختلاف في ألوان الثمار.

ورأى أن أهمية التعرف على هذه الطفرات تقود إلى إمكانية استخدامها كمعلمات وراثية تسهل على مربي النخيل اختيار النباتات التي تتميز بصفات مهمة، مثل نسب السكر وألوان الثمار، وذلك في مرحلة مبكرة من عمر هذه الشجرة، وعدم الانتظار حتى تنتج ثمارها، للتعرُّف على صفاتها، وهذا يوفر ما لا يقل عن 4-5 سنوات من عمر الشجرة، وخلال هذه الفترة تستهلك الشجرة مجهودًا وتربية تكلف المزارع خسائر اقتصادية كبيرة، عندما يتخلص منها في النهاية إذا ظهرت عليها صفات غير مرغوبة في مرحلة الإثمار.

محاولات سابقة

وعن المحاولات السابقة التي أُجريت لرصد جينوم نخيل التمر، أشار "مختار" إلى أن نخيل التمر أُهمل من جانب البحث العلمي لحقبة كبيرة من الزمن، لكن يمكن القول إن العقد الحالي يعتبر بداية العصر الحقيقي لدخوله إلى دائرة اهتمام العديد من الفرق البحثية على مستوى العالم، والتي تَستخدم التطور التكنولوجي لدراسة هذه الشجرة المهمة من ناحية المادة الوراثية، حيث المحتوى الجينومي للنخيل.

وأضاف أن هذا العقد شهد في بدايته، وتحديدًا عام 2010، دراسة تسلسل جينوم الكلوروبلاست (Chloroplasts) -أحد أنواع الصانعات الخلوية الموجودة في خلايا النبات، وتم هذا الإنجاز على يد علماء من جامعة نيويورك أبو ظبي.

وتوالت الدراسات بعد ذلك، حتى توصل علماء من جامعة وايل كورنيل في قطر، إلى فك شفرة المادة الوراثية للنخيل، وفتحت نتائج هذه الدراسة الأبواب على مصراعيها، لإجراء أبحاث متقدمة على المادة الوراثية لنخيل التمر.

وفي 2012 قام فريق بحثي سعودي صيني، من المركز المشترك لأبحاث الجينوم بمدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتكنولوجيا والأكاديمية الصينية للعلوم بدراسة جينوم "الميتوكوندريا" لنخيل التمر. وفي 2013، توصل الفريق ذاته إلى تأكيد للنتائج التي توصل إليها علماء جامعة وايل كورنيل في قطر، وذلك بإعادة فك الشفرة الوراثية لنخيل التمر، ما أدى إلى فهم أعمق لمادته الوراثية.

وفي 2015 أجرى فريق بحث دولي يقوده علماء من جامعة نيويورك أبو ظبي، دراسة لإعادة فك الشفرة الوراثية لعدد 62 من أصناف نخيل التمر، بهدف دراسة الاختلافات بين هذه الأصناف.