تمثل النقائل السرطانية أحد أخطر الأسباب التي تؤدي إلى معاودة انتشار السرطان في الجسم، وتشير التقديرات إلى أن النقائل السرطانية -التي تنبثق عن الورم الأصلي وتنتقل إلى أعضاء الجسم الأخرى وترتبط بتطور الأورام الخبيثة الثانوية على مسافة من موقع السرطان الأساسي- مسؤولة عن 90٪ من وفيات السرطان حول العالم.

لذلك يهرول الباحثون في المختبرات العلمية نحو فك شفرات النقائل السرطانية في إطار محاولاتهم لكشف العوامل التي قد تؤدي إلى معاودة ظهور الأورام الخبيثة مرةً أخرى.

في السياق، ذكرت دراسة نشرتها دورية "نيتشر" (Nature)، وأجراها فريق بحثي مشترك من جامعتي "نورث ويسترن" و"ميامي" الأمريكيتين و"معهد بحوث الطب الحيوي" ببرشلونة، بتمويل من مؤسسة أبحاث السرطان العالمية الخيرية البريطانية، أن "امتصاص الأحماض الدهنية والأيض المتغير من السمات المميزة للانتشار النقيلي للسرطان، ومع ذلك، ما من دليل على كنه الخصائص البيولوجية الكامنة وراءهما، ولا على كون جميع الأحماض الدهنية الغذائية معززةً للانتشار النقيلي، أو لا".

ويشير الباحثون إلى أن "إضافة حمض البالمتيك –وهو أحد الأحماض الدهنية الأكثر شيوعًا في زيت النخيل- إلى النظام الغذائي للفئران تؤدي إلى زيادة احتمالات انتشار سرطانات الفم والجلد لدى الفئران، ولكنها لم تؤثر في ظهور الورم، وفي المقابل، فإن إضافة الأحماض الدهنية الأخرى -مثل حمض الأوليك وحمض اللينوليك، وأحماض أوميجا 9 وأوميجا 6 الدهنية الموجودة في الأطعمة مثل زيت الزيتون وبذور الكتان- لم تؤدِّ إلى ظهور التأثير ذاته".

ووفق الدراسة، فإن الأورام السرطانية لدى الفئران التي خضعت لنظام غذائي قصير الأمد غني بزيت النخيل، أو الخلايا السرطانية التي تعرضت لزيت النخيل لفترة وجيزة في المختبر، ظلت قادرةً بدرجة كبيرة على الانتشار النقيلي، حتى بعد زرعها بترتيب تسلسلي (ودون تعريضها لمستويات عالية من زيت النخيل).

زيت النخيل

وزيت النخيل عبارة عن مادة مضافة تُستخدم في العديد من المنتجات مثل الشوكولاتة القابلة للدهن وحمرة الشفاه ومعجون الأسنان والشامبو، فضلًا عن استخدامه على نطاق واسع في صناعة المواد الغذائية مثل الزبدة والمسلى الصناعي؛ نظرًا لانخفاض ثمنه.

ويحتل زيت النخيل المرتبة الثانية في الإنتاج العالمي للزيوت النباتية؛ إذ يسبقه زيت الصويا، ويليه زيت الكانولا، ثم زيت دوار الشمس، ويمثل إنتاج الزيوت الأربعة –مجتمعةً- نحو 75% من مجمل الإنتاج العالمي للزيوت النباتية.

ويثير استخدام زيت النخيل حالةً من الجدل بين مَن يعتبرونه مصدرًا غنيًّا لفيتامين (أ) ويؤكدون تمتعه بفترة صلاحية طويلة تجعله مكونًا مثاليًّا في مجموعة واسعة من الأطعمة، ومَن يرون أنه يمثل خطورةً كبيرةً على الصحة، وتحديدًا فيما يتعلق بالإصابة بأمراض السرطان.

إعادة الانتشار

من جهته، يؤكد سلفادور أزنار بينيتا -الأستاذ بمعهد بحوث الطب الحيوي ببرشلونة، والمشارك في الدراسة- أن "معرفة أضرار تناول زيت النخيل قد تفيد كثيرًا في فهم العوامل التي يمكن تجنُّبها؛ لتفادي عودة انتشار الورم السرطاني في الجسم البشري".

يقول "بينيتا" في تصريحات لـ"للعلم": اتباع نظام غذائي غني بزيت النخيل من شأنه أن يفضي إلى عودة انتشار الأورام السرطانية في أماكن مختلفة من الجسم، حتى لو حدث التعرُّض لهذا الحمض الدهني في مرحلة مبكرة جدًّا من المرض الذي ربما لم يتم اكتشاف الورم الأولي فيه، ولاحظنا أن هذه القدرةعلى التوسع والانتشار ترجع إلى استهلاك حمض البالمتيك السائد في زيت النخيل، وليس إلى حمض الأوليك (المتوافر بكثرة في زيت الزيتون) أو حمض اللينوليك (الشائع في بذور الكتان).

ينشط حمض البالمتيك النقائل عن طريق تحفيز خلايا شوان داخل الورم Credit: National Cancer Institute

وتشدد نتائج الدراسةعلى أن "الآثار السلبية الضارة التي تُبديها الخلايا السرطانية وتؤدي إلى عودة ظهور المرض لا ترتبط فقط بعملية التمثيل الغذائي للدهون، بل ترتبط أيضًا بالتعديلات اللاجينية (تتعلق بالتأثيرات غير الجينية على التعبير الجيني أو الناشئة عنها) التي تحدث في الخلايا السرطانية نتيجة التعرُّض لحمض البالمتيك.

الأحماض الدهنية

ووفق الدراسة، فإن "الأحماض الدهنية هي لبنات الدهون التي تستخدمها الخلايا، ومن ضمنها الخلايا السرطانية، وبالتالي يمكن لأحماض دهنية معينة أن تسبب الانتشار السريع للنقائل في حالة وجود ورم خبيث في الجسم".

والدراسة الجديدة ليست الأولى التي ينشرها فريق البحث؛ إذ أجرى الفريق ذاته دراسة نشرتها دورية "نيتشر" عام 2017، انتهوا فيها إلى أن الورم السرطاني فيه مجموعة فرعية صغيرة من الخلايا لديها القدرة على الانتشار خارج الورم، والوصول إلى الأعضاء الأخرى وداخلها، وتعتمد هذه الخلايا السرطانية المتخصصة على الأحماض الدهنية بشكل خاص، وتتمثل إحدى سماتها المميزة في تغيير التمثيل الغذائي للدهون، وهي جزيئات شديدة التعقيد تؤدي دورًا رئيسيًّا كمكون هيكلي لجدران الغشاء، بالإضافة إلى أنها تعمل كمصدر للطاقة وكجزيئات لإرسال الإشارات.

وتشير الدراسة السابقة إلى أن البروتينات والناقلات تتفاعل مع الأحماض الدهنية، بما في ذلك بروتين "سي دي 36" (CD36)، وهو بروتين مسؤول عن عملية امتصاص الدهون، ويؤدي دورًا رئيسيًّا في نمو خلايا عدد من الأمراض السرطانية، مثل سرطانات الفم والجلد والمبيض والمثانة والرئة والثدي، كما يرتبط بتكوين الأورام ومقاومتها للعلاج الكيميائي وعودة مداهمة الورم الخبيث للجسم.

وتؤدي إعادة برمجة التمثيل الغذائي للدهون التي يحركها بروتين "سي دي 36" إلى تطور السرطان، لذا يُعد استهدافه إحدى الإستراتيجيات المحتملة لعلاج السرطان.

حمض البالمتيك

أما الدراسة الجديدة فتذهب إلى أن "التعرُّض لحمض البالمتيك يتسبب في حدوث تغيُّرات في وظيفة الجينات في الخلايا السرطانية، ما يتيح لها اكتشاف الأحماض الدهنية واستهلاكها بشكل أكثر كفاءة، كما أن وجود حمض البالمتيك يدفع الخلايا السرطانية إلى تجديد طاقتها وتكوين شبكة إشارات تتجاوز الورم، وتمثل خطوةً حاسمةً نحو انتشاره.

وتضيف الدراسة أن "تطور الخلايا السرطانية التي تتعرض مؤقتًا لنظام غذائي غني بحمض البالمتيك تبدي مظهرًا أكثر عدوانية يؤدي إلى تنشيط "خلايا شوان" –أو شفانّ- المرتبطة بالورم، والتي تُعرف بقدرتها على عزل الخلايا العصبية، وتفرز مصفوفةً من الأنسجة البينية المتخصصة خارج الخلايا، تعزز التجدد الخلوي، ويؤدي استئصالها إلى تثبيط حدوث انتشار نقيلي للورم السرطاني".

يقول "بينيتا": يتطلب انتشار الخلية الورمية انفصالها أولًا عن الورم الأصلي، ثم تدخل مجرى الدم أو الجهاز اللمفاوي، وتصل إلى عضو آخر حيث تعيش هناك وتنمو، ويتيح النظام الغذائي الغني بحمض البالمتيك للخلايا السرطانية أن تشكل شبكة عصبية حول الورم تضمن لها معاودة الانتشار من جديد.

آلية الانتشار

يصف "بينيتا" آلية حدوث ذلك الانتشار قائلًا: تكون هناك العديد من علامات "الذاكرة المعزِّزة للانتشار النقيلي" المتبقية في الخلايا السرطانية بعد التعرُّض لحمض البالمتيك؛ إذ تحتفظ الخلايا بقدرة أكبر على الانتشار، ما يسمح للورم بمعاودة مهاجمة الجسم، حتى بعد أشهُر من التعرُّض للحمض الدهني، فضلًا عن إمداد هذه الخلايا السرطانية بالطاقة التي تساعدها على البقاء.

وتتطلب الذاكرة المعزِّزة للانتشار النقيلي، المُستحَثة بزيت النخيل، وجود بروتين "سي دي 36" الناقل للأحماض الدهنية، كما ترتبط باستقرار الترسيب الناجم عن إضافة ثلاث مجموعات ميثيل عبر حمض الليسين الأميني إلى هيستون H3 الذي تسببه ناقلة الميثيل Set1A/COMPASS، وهيستون 3 هو أحد خمسة هيستونات رئيسية تشارك في بنية الكروماتين في الخلايا حقيقية النواة.

يضيف "بينيتا": ينشط حمض البالمتيك النقائل عن طريق تحفيز خلايا شوان داخل الورم، وتشارك هذه الخلايا في المراحل المبكرة من نمو الأورام الخبيثة، مما يساعد الخلايا السرطانية في رحلة انتشارها بعيدًا عن الورم الأساسي إلى مواقع ثانوية في أماكن أخرى من الجسم، لذا فإن منع تطور خلايا شوان يمنع عزل الخلايا العصبية، وبالتالي يمنع انتشار الورم الخبيث،وقد يكون ذلك مفتاحًا للحد من النقائل السرطانية ووضع خطط علاجية من شأنها منع انتقال الورم الخبيث بعد علاجات مثل جراحة الاستئصال أو العلاج الكيميائي، كما تقدم النتائج دليلًا على أن نواتج الأيض الغذائي تؤدي إلى تغييرات ثابتة في النسخ الجيني والكروماتين، وتسفر عن تحفيز طويل الأمد للانتشار النقيلي للسرطان، وهذا مرتبط بالحالة المعززة لتجديد خلايا شوان التي ينشّطها الورم.

من جهتها، تقول نيرمين عبد الحميد، أستاذ الكيمياء الحيوية بكلية الصيدلة بجامعة القاهرة: "تنشط الذاكرة الخلوية للخلايا السرطانية التي تم تحفيزها من جراء التعرُّض أو تناول حمض البالميتيك، الذي يعتمد في نقله على ناقل الأحماض الدهنية (ممثلًا في بروتين سيدي 36)، ويرتبط أيضًا تنشيط الذاكرة الخلوية بترسيب الـ"هيستون 3" بواسطة مجموعة نقل الميثيل المعروفة باسم Set1A/COMPASS.

تغيرات لاجينية

من أجل التوصل إلى هذه النتائج، قام فريق البحث بتحفيز خلايا حرشفية بشرية مأخوذة من مريض مصاب بـ"سرطان قاع الفم" وخلايا لمريض مصاب بسرطان الجلد عبر وضعها مع حمض البالمتيك وحمض الأوليك وحمض اللينوليك لمدة أربعة أيام في المزرعة قبل تلقيح الخلايا في الفئران، أو عن طريق تغذية الفئران بنظام غذائي بعد تلقيحها بالخلايا دون تعريضها لأيٍّ من هذه الأحماض الدهنية مسبقًا.

وللتحقق مما إذا كانت التغيرات اللاجينية في الخلايا السرطانية تتأثر بحمض البالمتيك فيما يتعلق بهذه الذاكرة النقيلية (بقايا المرض المسجلة على الخلية)، قام الباحثون بمعالجة الخلايا الحرشفية في المختبر لمدة أربعة أيام باستخدام حمض البالمتيك أو حمضي الأوليك واللينوليك، متبوعًا بـ14 يومًا من دون حمض البالمتيك، ولم يؤثر أيٌّ من الأحماض الدهنية على بدء الورم الأولي.

في المقابل، فإن "إضافة حمض البالمتيك إلى النظام الغذائي للفئران أدت إلى تعزيز الورم الخبيث، وكان له تأثيرٌ طويل الأمد على جينوم السرطان، وقد ظلت الخلايا السرطانية التي تعرضت لحمض البالمتيك لفترة قصيرة منتشرة، حتى بعد إزالة حمض البالمتيك من النظام الغذائي للفئران"، وأوضحت الدراسة أيضًا أن حقن الخلايا السرطانية في الفئران ثم تغذيتها على غذاء يحتوي على زيت النخيل كمصدر طبيعي لحمض البالمتيك -دون تعريض مسبق لحمض البالمتيك- أحدث التأثير نفسه.

بينما لم تُظهر الأحماض الدهنية الأخرى الموجودة في زيت النخيل مثل الأوليك واللينوليك، وكذلك دهون أوميجا 9 وأوميجا 6، الموجودة أيضًا في زيت الزيتون وبذور الكتان، مثل هذا التأثير.

نهج الدراسة

يقول "بينيتا": إن الدراسة تم تنفيذها باستخدام تقنية تسلسل الحمض النووي الريبوزي أحادية الخلية (RNA-seq) التي تساعد في التعرف على أنماط التعبير الجيني التي يمكن أن تجعل الاستجابة المناعية لكل شخص مختلفة، وتسلسل الحمض النووي الريبي الموضعي على مستوى إجمالي الخلايا والخلايا المفردة، الذي يشير إلى أن الجينات التي تحتوي على هذه الذاكرة المعزِّزة للانتشار النقيلي ترتبط في الغالب ببصمة عصبية تعمل على تحفيز الخلايا العصبية وخلايا شفان داخل الورم، وهما مؤشران مرتبطان ارتباطًا وثيقًا بالانتشار النقيلي للسرطان، وإن كانت أسبابهما غير مفهومة جيدًا.

ويتابع: أتاح لنا ذلك التوصيف التفصيلي لتكوين الخلايا المميزة التي تشكل الورم، وهذه واحدة من المرات الأولى التي تم فيها استخدام تقنية تسلسل الحمض النووي الريبي الموضعي لدراسة تكوين خلايا النقائل السرطانية.

بدورها، تعلق "عبد الحميد" في تصريحات لـ"للعلم" قائلة: تم إجراء الدراسة بتعريض خلايا سرطانية بشرية لعدد من الأحماض الدهنية المشبعة وغير المشبعة بتركيز يحاكي الموجود في دم الإنسان،وبعد ذلك، حقن الباحثون هذه الخلايا السرطانية في فئران التجارب، وعلى الرغم من أن هذه الأحماض الدهنية لم تؤثر على تكوين الورم السرطاني، إلا أن نتائج الدراسة أظهرت أن حمض البالمتيك زاد بشكل كبير من نفاذ الخلايا السرطانية وحجمها، في حين لم يكن لكلٍّ من حمضي الأوليك واللينوليك أي تأثير، ويرجع ذلك إلى تنشيط حمض البالمتيك لبروتين "سي دي 36".

تقول "عبد الحميد": تمثل الدراسة إضافةً إلى الأدلة الناشئة المتعلقة بأنه يمكن استخدام النظام الغذائي لتحسين علاجات السرطان الحالية؛ إذ يتم استخدام بعض العناصر الغذائية بشكل ضار للجسم من قِبل الخلايا السرطانية، أو تكون مطلوبةً في مراحل مهمة في عملية تكوُّن الأورام الخبيثة ونموها، مما قد يساعد الفريق المعالج عبر حذف –أو إضافة- مواد غذائية وفق ما تتطلبه حالة المريض، لكننا ما زلنا نحتاج إلى مزيد من البحث عن تأثير أنواع أخرى من الأحماض الدهنية، ودراسة ما إذا كان الالتزام بنمط غذائي معين يعتمد على الزيوت النباتية قد يحد من نمو الأورام السرطانية وانتشارها أم لا.