"كنتُ متخبطةً للغاية وخائفة، لم يعد لديَّ ما أخسره، فقدت والدي، وأضعت فرصة الالتحاق بالكلية التي طالما حلمت بها، لم أعد أشعر بمحبة الناس من حولي، أحسست أن الجميع يتهرب من مسؤوليته نحوي، شعرت بالضعف وما زلت أعاني قسوته، أشعر أنه لا يوجد مَن أحتمي به أو يدافع عني".

هكذا تقول إيمان -مترجمة متطوعة بأحد مواقع الإنترنت- متحدثةً عن فقدانها لوالدها، مضيفةً: "عندما تُوُفِّي والدي وكنت بالثانوية العامة، فكرت في تأجيل السنة كلها، ولكنني عدلت عن الأمر بعد مرض والدتي، أما أخي فقد أجل سنته الدراسية؛ إذ كان بالصف الثاني الثانوي".

تتابع إيمان: "امتنعت عن الحديث مع أي شخص طيلة سنة كاملة، إلا بعض الأصدقاء الذين استمروا في السؤال عني، أمضيت أول عامين بالكلية وأنا أعاني انعدام الثقة بالنفس، بعدها توقفت عن الذهاب إلى الجامعة بعد أن تحول أخي الصغير إلى شخص يسعى لفرض وصايته عليَّ، واجهتُ حدة شقيقي بتجاهل أوامره في أحيان كثيرة، ما جعل الفجوة تزداد بيني وبينه".

 ربما كان حال إيمان أفضل من كثيرين غيرها يعانون من فقدان الأب، سواء لوفاته أو انفصاله عن الأم أو بسبب السجن مثلًا، وربما للسفر بحثًا عن لقمة العيش؛ فقد نجحت إيمان في التغلب على مشكلة فقدان الأب عن طريق نموذج بديل تمثل في صديقة لها تكبرها بعامين، شجعتها -وفق قولها- على الانخراط في أنشطة الجمعيات الخيرية والعودة للدراسة في كلية أخرى تتناسب وطموحها (كلية التكنولوجيا الحيوية).

قصة إيمان وغيرها ممن فقدوا آباءهم كانت موضوع دراسة حديثة أجرتها جامعة برينستون الأمريكية، ونشرت نتائجها في دورية بيدياتركس (طب الأطفال)، انتهت إلى أن غياب الأب قد يزيد من خطر الإصابة بالشيخوخة وقصر العمر. تأتي الدراسة بالتعاون مع معهد يونيس كينيدي شرايفر الوطني لصحة الطفل والتنمية البشرية والمعهد الوطني للصحة بالولايات المتحدة.

اعتمد فريق البحث على بيانات دراسة سابقة جاءت تحت عنوان "العائلات الهشة ورفاهية الطفل" أجراها مركز FFCWS، وهو مركز بحثي تابع لجامعة برينستون، وتقوم الدراسة على تتبُّع حياة 5 آلاف طفل وُلدوا في الفترة ما بين عامي 1998 و2000 في ظروف مادية قاسية (75% منهم وُلدوا لوالدين غير متزوجين).

قام فريق البحث بقياس طول التيلوميرات telomeres وتحليل بيانات مجموعة من 5 آلاف طفل (أعمارهم تتراوح بين عام وثلاثة أعوام وخمسة وتسعة)، ينتمون إلى أُسَر تعاني فقدان الأب. أجرى الباحثون مقابلات مع الأمهات لبحث طبيعة الحالة الصحية والنفسية للأطفال وسلوكياتهم ومهاراتهم، آخذين في الاعتبار التبايُن القائم بين تلك الأسر من حيث الظروف المعيشية والدخل والتعليم.

كشفت النتائج أن التيلوميرات تتأثر سلبًا بغياب الأب، وأن الأبناء الذين غاب عنهم والدهم في التاسعة من العمر كانت التيلوميرات لديهم أقصر بنحو 14% مقارنةً بغيرهم، بينما يؤدي سجن الأب إلى قصر طولها بنسبة 10%، أما في حالة انفصال الوالدين أو طلاقهما، فينخفض الطول بنسبة 6%، ويزداد الأثر لدى الفتيان مقارنة بالفتيات، خاصةً عند فقدان الأب في عمر الخامسة؛ إذ يقصر طولها بنسبة 16%.

وتتمثل مهمة التيلوميرات في الحفاظ على نهايات الكروموسومات خلال عملية الانقسام وتجدُّد الخلايا؛ فمع تكرار العملية، يقصر طولها بنسبة معينة كلما زاد عمر الإنسان، وعندما يصل هذا الطول إلى حد معين لا يستطيع بعدها القيام بعمله، تفشل الخلايا في نسخ نفسها ومن ثم القيام بوظائفها، ويبدأ موت الخلية، ما يعني أن التيلوميرات أشبه بمؤشر العمر البيولوجي داخل كل خلية، لذا بحثت عديد من الدراسات في إمكانية عكس هذه العملية ومن ثم إطالة عمر الخلايا.

مؤشر العمر البيولوجي

 وتشير دراسات سابقة إلى أن هناك علاقة بين قصر التيلوميرات والشيخوخة والوفاة المبكرة وارتفاع خطر الإصابة بالسرطانات، مثل سرطان الثدي والعظام والبنكرياس والكبد والرئة وغيرها، بجانب ضعف الجهاز المناعي الذي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بقصر التيلوميرات، فيما يحدث العكس بالنسبة للأشخاص الذين لديهم تيلوميرات أطول.

يقول دانييل نوترمان -أستاذ البيولوجيا الجزيئية بجامعة برينستون، وطبيب الأطفال، والباحث الرئيسي في الدراسة- لـ"للعلم": "إن الدراسة قامت على فرضية أن شدة الإجهاد ومدته يرتبطان بطول التيلومير، وأن غياب الأب عن حياة الطفل يؤدي لزيادة التوتر لديه، سواء كان ذلك لأسباب اقتصادية أو عاطفية أو كليهما"، مضيفًا أن النمط الجيني للطفل يُعَدُّ عاملًا أساسيًّا في تأثُّره بالبيئة المحيطة، ومن ثم تغيُّر طوله، وهذا التأثير تحركه آليات معينة أو متغيرات جينية في نظام نقل السيروتونين بالخلايا، فكان الأطفال ذوي المتغيرات الجينية الأقل نشاطًا أقل تأثرًا بفقدان الأب بنحو 90% من نظرائهم".

لم تكن تلك الدراسة الوحيدة التي كشفت العواقب البيولوجية لغياب الأب، ففي الصين يُترك ملايين الأطفال مع أقاربهم نحوًا من ستة أشهر بعيدًا عن والديهم، ما يؤدي إلى تغيُّرات سلبية بأدمغة الأطفال، وفق ما انتهت إليه دراسة صينية. أجرى باحثو الدراسة مسحًا بالرنين المغناطيسي على 38 طفلًا تتراوح أعمارهم بين 7 أعوام و13 عامًا، تلاه تقييم نسبة الذكاء IQ، وأوضحت أشعة الرنين المغناطيسي أن حجم المادة الرمادية بالدماغ كان أكبر، خاصةً في الدوائر الدماغية العاطفية، بالمقارنة مع المجموعة الثانية التي شملت 30 طفلًا يعيشون مع والديهم، مشيرين إلى أن زيادة حجم المادة الرمادية يرتبط بنقص نضج الدماغ.

يفسر أسامة أبو المجد الخولي -المدرس بقسم الأمراض النفسية في جامعة الإسكندرية- العواقب البيولوجية لغياب الأب، قائلًا -في تصريحات لـ"للعلم"-: "إن فقدان الأب يضع الطفل تحت ضغط عصبي متواصل، ما يُحدِث تغيُّرًا في كيمياء المخ، واضطرابًا في الهرمونات، كما تتأثر قدرة خلاياه العصبية على التجدُّد والنمو".

ويضيف: وهناك ما يسمى اضطراب ما بعد الحادثة؛ فعندما يتعرض الشخص أو آخر مقرب له لحادثة شديدة -مثل حادثة سيارة، أو سقوط منزل، أو إلقاء القبض على الأب أمام الناس، أو سماع صراخ، أو دخول المستشفى، وغيرها من المشكلات التي تكون احتمالية الموت فيها قائمة- فإن هذا يثير العصب السمبثاوي المسؤول عن إفراز الأدرينالين، والذي من المفترض أن يُفرَز ساعةَ الحادثة فقط ويعود بعدها لطبيعته، إلا أن تعرُّض أي شخص -سواء كان طفلاً أو بالغًا- لحادثة شديدة يمكن أن يولد ارتفاعًا في مستوى الأدرينالين يستمر مدةً طويلة، ما يخلق لدى الطفل ذكريات مستمرة عن الحادثة، وأحلامًا يعيشها يوميًّا، أو كل فترة عندما يحدث ما يذكِّره بالحادثة، مثل الاقتراب من مكان المستشفى التي كان فيه والده، أو مروره من الطريق الذي وقعت فيه الحادثة، ما يجعله يستعيد ذكريات الموقف بكل تفاصيله النفسية والعضوية، وبالتالي يزيد إفراز الأدرينالين والكورتيزول مرة أخرى، وكأن الحادثة وقعت للتو، حتى لو مضى عليها شهور أو سنوات، فيعيش الطفل هذه اللحظات في كل مرة، وكأن والده تُوُفِّي عدة مرات، ويعيش هذه المشاعر بهرموناتها وتغيراتها الكيميائية.

الفتيان أكثر تأثرًا

وبالرغم من أن الدراسة لم تتطرق للسبب الذي يجعل الفتيان أكثر تأثرًا من فقدان الأب مقارنة بالفتيات، إلا أن دراسات عدة انتهت إلى أن غياب الأب يمكن أن يكون عاملًا لتوقُّع السلوك الإجرامي والعدواني لدى هؤلاء الأبناء، فنجد أن خطر تعاطيهم للمخدرات وحملهم للسلاح يرتفع بنسبة 279%.

ففي دراسة تتبعت بيانات الدراسة الوطنية لصحة المراهقين وُجد أن غياب الأب يرتبط بزيادة انخراط الفتيان في السلوك الإجرامي، بل الأكثر من ذلك أن زوج الأم يمكن أن تكون له آثار إيجابية تحد من مخاطر انخراط الفتيان في سلوكيات إجرامية، وقد يُعزى ذلك إلى أنه يعزِّز من شعور الطفل بالأمن وأن مجرد وجود نموذج للرجل في حياة الطفل يشكل عاملًا وقائيًّا يقلل من مخاطر انحرافه ويعزز من هويته الشخصية.

وفي المقابل، فإن خطر انخراط الفتيات في سلوكيات إجرامية لا يرتبط بوجود آبائهن أو غيابهم، وإنه في الوقت الذي تتماثل فيه آثارُ فقدان الأم بين الأبناء من الجنسين، فإن الذكور يعانون على نحو أكبر عند وفاة الأب، وتكون حالات الطلاق التي تحدث في مرحلة الطفولة المبكرة والمراهقة أشدَّ وطأةً على الطفل من تلك التي تحدث في مراحل تالية، وتظهر هذه العواقب بشكل أكبر لدى الذكور مقارنةً بالفتيات.

يُرجع الخولي ذلك إلى أن القدوة بالنسبة للابن هي الأم حتى عمر سنتين، لكن بعد 3 سنوات، يكون الأب هو القدوة؛ إذ يتقمص الطفل شخصيته. وعندما يغيب الأب، يخرج من الأم الجزء الرجولي الذي تستعين به في تربية أبنائها، ما قد يصيب الطفل باضطرابات نفسية ويُدخله في صراع ذاتي؛ فشخصيته وهرموناته تقول له إنه أصبح رجل المنزل بعد غياب والده.

ويوضح الخولي: عندما توبِّخ الأم الطفل يزداد اضطرابه؛ فمن ناحية تعنِّفه وربما تضربه، ومن ناحية أخرى تطالبه بأن يكون الرجل، وأن يتحمل المسؤولية، وذلك بعكس البنت التي تحب أن يوجد مَن يقودها، فإذا فُقد الأب تكون الأم هي القائد، ويكون مقبولًا لها أن تكون تحت قيادة والدتها.

ويستطرد: وعندما تغيِّر الابنة شخصيتها إلى شخصية القدوة وهي الأم، فإن هذا لا يُشعِرها بالمهانة؛ فمن الطبيعي أن تكون الابنة شبه والدتها، وهذا يسعد الابنة، لكن لا يمكننا قول الشيء نفسه بالنسبة للابن الذي يشعر بأنه ليس رجلًا بما فيه الكفاية، ويتمرد ويصبح أكثر عنفًا، خاصةً في بداية البلوغ؛ لأنه يريد أن يشعر بأنه رجل المنزل، وهو ما تخبره به أمه وكل مَن حوله شفاهةً طيلة الوقت، لكن في الوقت ذاته تتحكم الأم في الابن، ما يخلق حالةً من الصراع النفسي لديه، لا يستطيع حلها بسهولة.

انعكاسات نفسية

بدوره، يرى محمد رياض عبد الحليم- أستاذ علم النفس التربوي بكلية التربية بجامعة أسيوط- أن دور الأم أوضح في المراحل الأولى من العمر، ومع تقدُّم الطفل في العمر تزداد أهمية دور الأب، خاصةً مع قرب دخول الطفل مرحلة المراهقة. وعندما يفقد الطفل والده، يخسر عنصرًا أساسيًّا في التربية، وإذا لم تكن الأم قادرةً على السيطرة على الطفل وتربيته بالشكل المناسب وتأهيله فمن الممكن أن يتعرض لمشكلات وانحرافات عديدة.

ويضيف عبد الحليم أنه في إحدى الدراسات التي أُجريت على استراتيجيات مواجهة المشكلات، وُجد أن الأولاد في دول شرق آسيا الذين فقدوا آباءهم أقل تديُّنًا وروحانية، فالأب عادةً ما يغرس ذلك في ابنه باصطحابه معه للصلاة في المسجد أو الكنيسة وغيرها، كذلك وجدوا أنهم أكثر عنفًا، ويغدون أكثر عرضةً لأن تلتقطهم فئات مشبوهة وتدفعهم في اتجاهات غير مشروعة ضد الدولة والمجتمع، بعكس مَن يوجد أب يوجهه؛ فالأب عنصر رقابي، وفق وصفه.

لكنه يوضح أن تأثير غياب الدور الرقابي يقع على كلٍّ من الولد والبنت، كما أن غياب الأب يمكن أن يدفع البنت للتعلق بشخص آخر لتعويض فقدانه، ويمكن أن يكون هذا الشخص غير أمين، لذا ترتفع مخاطر الانحراف، وأهمها تزايُد احتمالات تعرُّض الفتيات المراهقات لانتهاكات جنسية، مثلما يزيد من فرص انخراطها في نشاط جنسي والحمل المبكر بمقدار ثلاثة أضعاف ونصف، والزواج قبل الحصول على شهادة الثانوية.

تحصيل علمي أقل

لا يتسبب وجود الأب في تعزيز هوية الطفل ومده بالثقة والأمان فحسب، بل إنه مؤشر على مدى نجاح الطفل في الحياة، ففي دراسة امتدت على مدار عشر سنوات تابع خلالها الباحثون 134 طفلًا لأمهات مراهقات تتراوح أعمارهم بين الثامنة والعاشرة، وجدوا أن الأطفال الذين تمتعوا بعلاقة جيدة مع آبائهم خلال 8 سنوات الأولى يؤدون على نحو أفضل دراسيًّا وحققوا معدلات أعلى في القراءة وكانوا أقل عرضةً لمشكلات السلوك.

إن للآباء دورًا عظيمًا في تقليل المخاطر التي قد يتعرض لها الأطفال حتى لو لم يقيموا معهم، بعكس مَن يعانون من غياب الأب، فقد كانوا أكثر عرضةً للرسوب في الصف وإعادته بنحو الضِّعف.

لكن عبد الحليم يرفض في الوقت ذاته تعميم فكرة أن كل الأطفال الذين ينشؤون تحت كنف والد واحد موصومون بالمعاناة وأنهم أسوأ من غيرهم، موضحًا أن الأب قد يكون موجودًا، لكنه لا يؤدي دوره، وقد تضع الأم ضوابط ويكون الأب موجودًا لكنه يخرق هذه الضوابط، وبالتالي يكون وجوده ذا تأثير سلبي، فإن كان غياب الأب يجعل الطفل أكثر عرضةً لهذه المخاطر إلا أن تعرُّض الطفل لها رهين عدة عوامل أخرى، كنقص الدخل مثلًا.

ويضيف أن تلك المخاطر قد تُعزى أيضًا إلى الفروقات والسمات الشخصية والصحة العقلية للأب أو الأم، فتتسبب في تفكك أسري ضمني دون طلاق على سبيل المثال، فالأطفال الذين ينشؤون مع والد واحد نتيجةً لوفاة الآخر أقل معاناةً من غيرهم ممن فقدوا أحد الوالدين نتيجةً للطلاق مثلًا، وهو ما يدعم العلاقة بين الصفات والسلوكيات للوالد الأعزب وعواقبها على الطفل، لذا من المهم دراسة هذه العوامل بعضها مع بعض، لا إفراد أحدها بمعزل عن غيره.

نحو سياسات عامة

تسلط نتائج هذه الدراسات الضوء على العواقب طويلة المدى التي يجب مراعاتها لتطوير السياسات المطلوبة مع هذه النماذج المجتمعية، وفق ما يقوله نوترمان، مضيفًا أن "وجود عواقب بيولوجية حقيقية قابلة للقياس تتعلق بغياب الأب يزيد من أهمية التعجيل ببذل جهود السياسة العامة للحفاظ على استمرار أواصر الصلة بين الأطفال والآباء".

ويتابع: "إذا أدركنا أن معاقبة الأب بالسجن، على سبيل المثال، قد يكون لها تأثيرٌ لا يمحى، لا على نفسية الطفل ونموه فحسب، لكن أيضًا على قدرة كروموسوماته على الحفاظ على سلامتها، ربما استوعبنا بشكل أفضل أهمية اتخاذ التدابير اللازمة للتخفيف من آثار السجن من خلال المبادرات التعليمية أو التدخلات النفسية للأطفال"، موضحًا أنه خلال الفترة من 1991 و2007 ارتفعت نسبة الآباء المسجونين في الولايات المتحدة بنحو 79%، وفقًا لإحصائيات وزارة العدل الأمريكية، وهذه مشكلة شائكة ولا نستطيع الوصول إلى حل نهائي لها، وما من نموذج واحد يصلح تطبيقه، وفق رأيه، فكل أسرة لها ظروفها المختلفة، والضحية تكون في جميع الأحوال الأبناء.

ويضيف أنه في حالة الوالد الغائب، من الوارد أن يتساءل الطفل عن سبب عدم رغبة الأب في وجوده بحياة طفله، وبالتأكيد لن تكون محاولات الإجابة عن هذا السؤال سهلةً على الإطلاق، وستتخللها مواقف عدة يتساءل فيها الطفل عن سبب غياب الأب، خاصةً عندما يحدث ذلك في سن صغيرة، ما يتسبَّب في زعزعة إحساس الطفل بالانتماء وتكوين هويته الخاصة وشعوره بأن الحياة غير عادلة، ومن المهم أن تجيب الأم عن استفسارات طفلها بصدق؛ فهذا من شأنه أن يمنحه شعورًا بالثقة مع مراعاة إعطائه المعلومات المناسبة لاستيعابه، واختيار الطريقة المناسبة وفقًا لسنِّه؛ تجنبًا لإرباكه، والتأكيد على كونه محبوبًا، وأن قرار الغياب ليس خطأ الطفل.

يضع الخولي لنا عدة قواعد، فيقول: أول خطوة ألا نكذب على الأطفال أو نحكي لهم قصصًا وهمية، مثل أن "الأب مسافر"، مؤكدًا أنه يجب أن نتحدث معهم بصراحة ووضوح بطريقة سهلة وهادئة ودون مبالغة في الرعاية، ولا بد من الكلام عن الشخص المفقود كثيرًا وعن ذكرياته وتفاعلاته الجيدة مع أسرته ومشاعره نحوهم، فمثلما يعيد مريض اضطراب ما بعد الصدمة استرجاع ذكرياته المؤلمة وما يرافقها من اضطراب الهرمونات وتأثيرها السيئ، فإن العكس يكون صحيحًا، فالحديث عن الذكريات الجيدة يُسهم في استرجاع الكيمياء الجيدة وإفراز الهرمونات السعيدة.

ويضيف: كذلك لا بد من منح الطفل الفرصة كي يعبِّر عن مشاعره بصدق، وإذا فشلت محاولات الأسرة في احتواء الموقف وعانى الطفل أعراضًا نفسية، مثل التعرُّض للأحلام السيئة والكوابيس، يفضل عرضه على أخصائي نفسي، مشددًا على أن أسوأ ما يمكن أن يفعله الأهل هو تجنُّب الحديث عن الأمر، والأفضل هو فتح حوار مع الطفل بطريقة إيجابية تعيد له ثقته بنفسه وبالمجتمع والحياة؛ فكثير من الأشخاص قد ينقمون على الحياة وتتولد داخلهم أحاسيس ساخطة لحرمانهم ممن يحبهم، لذا لا بد من محاولة إعادة ترتيب طريقة التفكير والتصرفات التي تفاقم الأمر، بحيث يصبح الشخص قادرًا على تحمُّل الموقف.

يقول الخولي: "إنه من المفيد إيجاد شخصية تحل محل الأب كقدوة، مثل الخال أو العم أو صديق للعائلة، وإذا كان فقدان الأب أو أحد الوالدين في سن صغيرة للغاية فيُفضَّل وجود ألبوم صور يمكن من خلاله للطفل تكوين صلة من نوع ما مع الوالد الغائب؛ ما يساعده على الشعور بهويته الخاصة، كما يجب تجنُّب تصرفات مثل تبرير الأم لسلوكيات طفلها السيئة بأن والده متوفَّى، لأن هذا يعطيه نوعًا من الأمان الزائف ويُشعره أنه مختلف، حتى لو قيل ذلك في إطار من العطف. 

وفي السياق ذاته، يؤكد عبد الحليم ضرورة احتواء الطفل من البداية وغرس مهارات الاعتماد على النفس والتنظيم الذاتي لديه، مشيرًا إلى أهمية البرامج التأهيلية لمرحلة المراهقة، خاصةً لدى الأطفال الذين يفتقدون وجود الأب.

ويضيف: فعندما يدخل الطفل مرحلة المراهقة يحتاج إلى مَن يخبره بالتغيرات التي سيتعرض لها، ويجب أن يكون شخصًا مقربًا منه جدًّا ويوجهه توجيهًا تربويًّا سليمًا، موضحًا أن بعض البلدان توفر للمراهق برامج خاصة لعبور مرحلة المراهقة على نحو طبيعي وتوجيهه إلى السيطرة على الانفعالات والتغيُّرات التي تحدث عنده، خاصةً أن هذه التغيرات قد تؤثر سلبًا على التحصيل الدراسي؛ إذ يكتشف الشخص بعد فوات الأوان أن تقصيره الدراسي لم يكن نقصًا في قدراته، وإنما هو قصور في إدارته لهذه المرحلة واحتياجاتها وتحقيق التوازن المطلوب خلالها، وهو ما يحتاج إلى برامج توعية تربوية دائمة وإعلام إيجابي يشرح طبيعة مشكلة فقدان الأب ويوضح طرق التعامل معها.