كان الجو صحوًا في صبيحة ذلك اليوم من أيام سبتمبر 1859. وهو الأمر الذي أغرى عالِم الفلك الإنجليزي الشهير "ريتشارد كارينجتون" بتوجيه عدسات تليسكوبه نحو السماء لمراقبة الشمس. كان "كارينجتون" يأمل أن يتمكن من رسم مُخطط للبقع الشمسية المتناثرة على سطح النجم الذي يمدنا بالحياة. وفي أثناء العمل على مخططه، لاحظ توهُّج بقعتين بشكل مفاجئ وكبير. ظل الرجل يراقبهما، حتى شاهد كرات عملاقة من النار تندلع منهما. بثت تلك الكرات الرعب في نفسه، وبعد ساعات، حلت الكارثة.

رياح شمسية عاتية اجتاحت الأرض، دمرت خطوط التلجراف، وسيلة الاتصال الوحيدة في ذلك الزمان. نشبت الحرائق في أوروبا وأمريكا، تلونت السماء بألوان أحالت ليل كوكبنا الأزرق إلى نهار. عاشت البشرية يومًا عصيبًا؛ إذ تصور الجميع أن النهاية قد حانت، وأتى اليوم الذي تتحدث عنه النصوص الدينية.. يوم القيامة.

بعد أيام انتهت تلك الظاهرة العنيفة. هدأت العقول، وسادت الطمأنينة القلوب، وحلت السكينة محل الخوف، وبدأ العلماء في التفكير بعد أن شُلت عقولهم من الرعب. ليربطوا بين ظهور توهُّج البقع الشمسية، والظاهرة المغناطيسية النادرة التي ضربت الأرض. ليعرفوا في وقت لاحق أن ذلك التوهج أطلق كميات هائلة من الإشعاع والمواد والمجالات المغناطيسية في وجه الأرض. ليتيقنوا أن الشمس -مصدر الحياة- يُمكن أن تُصبح في عنفوان ثورتها مصدرًا للخراب والدمار.

وخلال السنوات التي تلت ذلك الحدث النادر، وجه العلماء عدسات تلسكوباتهم إلى الشمس. سطروا ملايين الكلمات في أوراقٍ علمية؛ بهدف الكشف عن طبيعة ذلك النجم، وفهم ما يجري على سطحه من تفاعُلات في محاولة لتوقُّع الأحداث الكارثية وتلافيها إذا ما كان ممكنًا. وفي 12 أغسطس من عام 2018، انطلقت واحدة من أعظم المهمات في تاريخ الفضاء، مسبار باركر الشمسي، الذي يُعد أول مركبة فضائية تقترب من الهالة الشمسية، أو ما يُعرف بالغلاف الجوي الخارجي للشمس، إذ سيستقر فقط على بُعد حوالي 6 ملايين كيلومتر من الشمس، ليوفر نظرة فريدة إلى ذلك الجرم العملاق، بهدف الكشف عن خواصه، وتعزيز مخزون المعلومات التي نعرفها عنه، ويوثقها بصورة أكثر دقةً وشمولية.

في اللحظة التي كتبت فيها تلك السطور، كان "باركر" لا يزال على بُعد 133 مليون كيلومتر من الشمس. إذ قطع خلال أكثر من عام بسرعة تقترب من الـ70 ألف كيلومتر في الساعة، مسافةً لا تزيد عن 17 مليون كيلومتر. وعلى الرغم من ذلك البُعد الكبير، تمكَّن من إرسال مجموعة كبيرة من البيانات، جرى نشرها مؤخرًا في دورية "نيتشر" في 4 ورقات علمية.

بيانات جديدة كُليًّا

أظهرت المعلومات التي أرسلها المسبار بيانات جديدة كُليًّا عن الشمس، وخاصةً فيما يتعلق بموجات البلازما، والجزر المغناطيسية العائمة على سطحها، وأيضًا تدفُّق الجسيمات والإلكترونات من قلب ذلك النجم النابض.

كإكليل الغار المحيط برأس المحاربين من الإغريق، يحيط بالشمس غلافٌ غازي، تبلغ درجة حرارته نحو مليوني درجة مئوية، يُمكن مشاهدة ذلك الإكليل الشمسي عند حدوث الكسوف الكلي لها، ينقسم ذلك الغلاف إلى قسمين: أولهما القريب والأشد سطوعًا، وثانيهما البعيد الأقل سطوعًا.

اهتم الباحثون في الورقة العلمية الأولى بدراسة الكيفية التي ترتفع بها درجات الحرارة في ذلك الإكليل، والتي تتضاعف لتصل إلى أكثر من 1000 ضِعف درجة حرارة سطح الشمس ذاتها. استغل العلماء البيانات الواردة من مسبار باركر لمعرفة السبب وراء الجسيمات المتدفقة عبر الإكليل، التي تُعرف باسم الرياح الشمسية.

في منشأة تصنيع المسبار بالقرب من مركز كيندي للفضاء التابع لناسا الواقع في ولاية فلوريدا الأمريكية، يستخدم الفنيون رافعة لنقل المسبار واختباره. credit: NASA/Glenn Benson

يقول الباحث في هندسة المناخ والفضاء بجامعة ميتشيجان، ومرصد سميثونيان للفيزياء الفلكية، جاستين كاسبر، وهو المؤلف الأول لتلك الدراسة: إن مسألة الرياح الشمسية استهوت العلماء منذ عقود، "وقد حان الوقت لدراستها بصورة أكثر دقة".

تُولد تلك الرياح ملايين الموجات التي تحوي جزيئات ومجالات مغناطيسية تحمل الطاقة، تساءل الباحثون في تلك الدراسة عما إذا كانت هذه الموجات يُمكن أن تؤدي إلى تسخين الهالة، وعن المكان الذي تولدت منه تلك الموجات. "يُمكننا تشبيه تلك الموجات بموج المحيط.. وكان تساؤلنا: من أين أتت؟"، يقول "كاسبر" في تصريحات خاصة لـ"للعلم".

أشارت البيانات التي تلقاها الباحثون إلى أن الموجات "تتزايد شدتها" كلما اقتربنا أكثر من الشمس، "رأينا موجاتٍ مارقة عملاقة مثلما هو الحال في المحيط"، يقول "كاسبر" الذي يُشير إلى أن سرعة الرياح المَقيسة خلال الموجة "أكثر من 750 كيلومترًا في الثانية الواحدة!".

في الأيام العشرة التي تم جمع البيانات فيها، لاحظ الباحثون أن الرياح الشمسية يُمكن أن تتسارع بدرجة مذهلة تبلغ 10 أضعاف سرعتها في ثوانٍ معدودة. "لم يُفسر سبب ذلك التسارع إلى الآن.. إلا أنه جعلنا نقترب من الإجابة عن التساؤل الخاص بارتفاع درجة حرارة الهالة الشمسية".

هل جربت يومًا أن تولد الحرارة عن طريق السرعة؟ يُمكنك الآن فعل ذلك عن طريق تحريك راحتي يديك بسرعة. تولد تلك الحركة احتكاكًا يولِّد بدوره حرارة، تتصاعد الحرارة كلما زادت السرعة. هذا ما قد يحدث في الإكليل الشمسي بسبب سرعة الرياح الشمسية.

تتكون تلك الرياح من ملايين من الجزيئات، تتحرك معًا بصورة عشوائية غير منتظمة بسرعات مهولة لا يُمكن تخيلها. مع تلك السرعات يحدث الاحتكاك، مولدًا طاقة في صورة حرارة، تمامًا كالطاقة التي تولدها أنت حين تُحرك راحتي يديك بسرعة في اتجاهين متضادين.

"ربما يكون هذا الأمر هو السبب الرئيسي لارتفاع درجة حرارة الإكليل الشمسي عن سطح الشمس نفسها"، يقول "كاسبر"، مشيرًا إلى أن الأمر "ليس محسومًا إلى الآن؛ إذ ننتظر اقتراب باركر من الشمس أكثر لتأكيد ذلك الزعم الذي يبدو منطقيًّا".

إلا أن أمرًا مهمًّا حُسم في تلك الدراسة، تدور الرياح الشمسية حول الشمس في نفس اتجاه دورانها حول محورها. هذا الأمر كان معروفًا في وقتٍ سابق، إلا أن سرعته لم تكن محسومة، وفق "كاسبر"، الذي يقول: "وجدنا في تلك الدراسة أن سرعة دوران الرياح حول الشمس تزيد بنحو 10 مرات إلى 20 مرة من السرعة في النماذج القياسية للشمس".

يفحص الفنيون الجهاز المخصص لقياس الموجات المغناطيسية قبل الشروع في إطلاق المسبار بأسابيع قليلة credit: NASA/Leif Heimbold

طيلة عقود، درس العلماء الشمس باستخدام الأشعة السينية والتلسكوبات والأدوات العلمية الأخرى. يُمكن أن تخبرنا تلك التقنيات مجموعة من المعلومات حول التوهجات الشمسية والنشاط الشمسي، لكنها لم تُمدنا بالإجابة عن الأسئلة الأساسية حول الشمس؛ "فلم يكن لدينا أى قياسات مباشرة لما يحدث في جو الشمس.. لم نكن نعرف سلوك جزيئات البلازما، أو ما تولده من مجالات كهربائية ومغناطيسية". يوفر "باركر" تلك النظرة الفريدة إلى الشمس، على حد قول "كاسبر" في تصريحاته لـ"للعلم".

من أين تنشأ الرياح الشمسية البطيئة؟

بشكلٍ مُثيرٍ للدهشة، خطط "كاسبر" لإجراء تلك الدراسة قبل انطلاق "باركر" في مهمته بتسع سنوات كاملة، "لكن لم يكن لدينا التكنولوجيات اللازمة لبناء مركبة فضائية يُمكنها الاقتراب من الشمس" على حد قوله. والآن "لدينا مركبة تطير عبر جو الشمس".

مثلما حدث في سبتمبر 1859، يُمكن أن تؤدي الانفجارات الشمسية إلى كارثة تتعطل فيها الطاقة والملاحة والاتصالات، وتتلف من جَرَّائها الإلكترونات، ويموت خلالها رواد فضاء المحطة الفضائية الدولية. "ما سنتعلمه من البيانات التي سيرسلها باركر سيتيح لنا التنبؤ بالطقس الفضائي قبل هبوب العواصف الشمسية العاتية التي يُحتمل أن تضرب الأرض في المستقبل"، يقول "كاسبر": كل دقيقة تمر "نقترب رويدًا رويدًا من الشمس. فخلال ديسمبر الحالي سيلتقي المسبار بكوكب الزهرة الذي سيعطيه دفعة قوية في اتجاه الشمس".

ليست كل الرياح الشمسية سريعة، فبعضها بطيء. إذ يُعد فيضان الجسيمات من الشمس مزيجًا من اثنين من التدفقات، أولهما يتحرك بنحو ضِعف سرعة الآخر. عرف الباحثون أن الرياح السريعة تنشأ بسبب وجود مجموعة من الأعمدة الضخمة الموجودة على سطح الشمس، بالقرب من قطبي الشمس، تُسمى بالثقوب الإكليلية. لكن لم يعرفوا على وجه الدقة من أين تنشأ الرياح الشمسية البطيئة.

كانت تلك هي مهمة الدراسة الثانية، المنشورة هي الأخرى في دورية "نيتشر"، على حد قول الباحث في قسم الفيزياء ومختبر علوم الفضاء بجامعة كاليفورنيا "ستيورات بيل"، المؤلف الأول لتلك الدراسة.

قالت الورقة العلمية إن الرياح البطيئة تنبع من ثقوب إكليلية موجودة بالقرب من خط الاستواء الشمسي، "تلك الثقوب أكثر برودةً وأقل كثافةً من الهالة المحيطة بالشمس"، وفق قول "بيل" في تصريحات خاصة لـ"للعلم".

ويشير "بيل" إلى أن البيانات التي أرسلها باركر إلى الآن "مُذهلة"؛ إذ كشفت عن "تدفق الرياح من ثقوب إكليلية صغيرة، تنبض بصورة غير مستقرة، وتولد موجات بطيئة في صورة رياح شمسية تنبع من منطقة حول خط الاستواء".

تبلغ سرعة الرياح الشمسية السريعة نحو 750 كيلومترًا في الثانية، أما الرياح الشمسية البطيئة فلا تزيد سرعتها عن 500 كيلومتر في الثانية في أفضل الأحوال. تظهر الرياح الشمسية السريعة من فتحات إكليلية في قطبي الشمس، وهو المكان الذي يُشير حقله المغناطيسي إلى الهالة الخارجية للشمس بشكل مباشر. لم يعرف العلماء مطلقًا من أين تأتي الرياح البطيئة، غير أن البيانات الواردة من باركر أشارت إلى انبعاثها من فتحات إكليلية بالقرب من خط الاستواء الشمسي.

تظهر الثقوب الإكليلية كمناطق مظلمة في الهالة الشمسية، لأنها مناطق أكثر برودةً وأقل كثافةً من البلازما المحيطة بها، كما أنها في الغالب تتمتع بمجال مغناطيسي أحادي القطب. يُسهّل ذلك المجال المغناطيسي المفتوح على الفضاء من عملية هروب الرياح الشمسية إلى الفضاء بسرعة، لتنتشر بين الكواكب ضاربةً إياها بمجالاتٍ مغناطيسية وجسيماتٍ ذرية.

يُمكن أن تنشأ الثقوب الإكليلية في أي وقت وأي مكان على الشمس، وقد تستمر ثابتةً ومحددة المدة في بعض الأحيان لعدة دورات. لكن، لماذا تختلف سرعة الرياح رغم أنها تندلع من النوع نفسه من الثقوب؟

لا يملك "بيل" إجابة دقيقة عن ذلك التساؤل، لكنه يتوقع أن اختلاف الكثافات بين ثقوب خط الاستواء والثقوب القطبية قد يكون عامل حسم في اختلاف سرعات الرياح. "المعلومة التي نعرفها الآن أن عدد الثقوب الإكليلية في القطبين أكثر بكثير من أعدادها عند خط الاستواء.. لا نملك تفسيرًا لذلك الأمر، كما لا نملك أيضًا تفسيرًا لاختلاف سرعة الرياح".

الفتات الكوني

يغرق نظامنا الشمسي في الغبار، الناجم عن الاصطدامات التي شكلت الكواكب والكويكبات والمذنبات والأجرام السماوية الأخرى. طيلة أعوام، ظن العلماء أنه –بالقرب من الشمس- سيتم تسخين هذا الغبار إلى درجات حرارة مهولة، الأمر الذي سيحوله إلى غاز ويخلق منطقة خالية من الغبار حول الشمس. لكن لم يسبق لأحدٍ التأكد من ذلك التكهن.

كانت تلك هي مهمة الدراسة الثالثة، التأكد من تلك الاحتمالية. فلأول مرة، رأى العلماء أن الغبار الكوني يبدأ في التلاشي. إذ تمكن المسبار "باركر" -باستخدام أداة تصويره الخاصة عالية التقنية- من مشاهدة مساحات واسعة من الهالة الشمسية، تتضمن المناطق القريبة من الشمس.

تُظهر تلك الصور أن الغبار الكوني يبدأ في التلاشي رويدًا رويدًا كلما اقتربنا من الشمس. إذ تنخفض نسبته بثبات –على الأقل حتى حدود رؤية آلة التصوير المدمجة في المسبار المُعجز المُسمى بـ"باركر".

بالقرب من مركز كينيدي للفضاء التابع لناسا يستخدم الفنيون والمهندسون رافعة لتركيب واقي الحرارة على الجسم الخارجي لمسبار باركر. credit: NASA/Glenn Benson

داخل المسبار، تستقر آلة تصوير واسعة النطاق مُثبتة على تلسكوبين منفصلين. تهدف آلة التصوير تلك إلى التقاط الصور المرئية الخفيفة للإكليل الشمسي، والرياح الشمسية، والبلازما، ثم تطويرها بواسطة مختبر أبحاث البحرية الأمريكية، بما يساعد على دراسة بنية الهالة الشمسية، وكثافة الإلكترونات فيها، بدقة كبيرة تصل إلى 2000*2000 بيكسل!

يقول الباحث في مختبر أبحاث البحرية الأمريكية "روس هاوراد" -وهو المؤلف الأول لتلك الدراسة- إنهم تمكنوا من رؤية "ما يحدث للغبار بالقرب من الشمس"، مشيرًا في تصريحات خاصة لـ"للعلم" إلى أن مدى الآلة البصرية "وصل في الوقت الحالي إلى نحو 12 مليون كيلومتر من الشمس"، ومؤكدًا أنهم لاحظوا أن الغبار في تلك المنطقة "تقل كثافته بمقدار كبير عن كثافة الغبار في المناطق الأخرى".

يرى "هاوراد" أنه "بمعدل التخفيف الحادث في كمية الغبار سيختفي الفتات الكوني تمامًا على بُعد حوالي 4 ملايين كيلومتر من الشمس". بطبيعة الحال هذا أمر لا يُمكن التأكد منه الآن، إلا أن الباحث يقول إن "باركر" سيتمكن من تصوير تلك المنطقة في وقت مبكر من عام 2020.

يهدف نظام ISOIS المدمج في مسبار باركر إلى قياس الجزيئات واستكشاف ديناميات الجسيمات النشطة، وتحديد الظروف المادية اللازمة لتسريع تلك الجسيمات، وأيضًا الكشف عن العوامل التي تُسبب اضطرابها، وعن الكيفية التي تنتشر من خلالها تلك الجسيمات من الهالة إلى الغلاف الشمسي.

أحداث الطقس الشمسي

من المعروف أن التفاعلات الشمسية تبث مليارات الجسيمات النشطة في جو الشمس. تُسافر تلك الجسيمات بسرعات مهولة وصولًا إلى عمق نظامنا الشمسي. تُعرف تلك العملية بـ"أحداث الطقس الشمسي"، وتنقسم إلى نوعين، أولهما العواصف الجسيمية النشطة، وثانيهما طرد الكتلة من الإكليل إلى الفضاء الخارجي.

في الدراسة الرابعة والأخيرة، أعطتنا قياسات "باركر" منظورًا جديدًا حول أحداث الطقس الشمسي. حسبما يُشير الباحث في قسم الفيزياء الفلكية بجامعة "برينستون" الأمريكية "كولين جويس"، وهو المؤلف المُشارك في تلك الدراسة.

تُحدث الشمس تسريعًا في حركة الجسيمات الصغيرة -سواء الإلكترونات أو الأيونات- عن طريق النشاط الشمسي. مما يخلق عواصف من الجسيمات النشطة. يُمكن للتفاعلات الشمسية أن ترسل هذه الجسميات إلى النظام الشمسي بسرعة كبيرة، مما يعني أنها تصل إلى الأرض في أقل من نصف الساعة، ويُمكن أن تؤثر على أنظمة كوكبية أخرى في نطاقات زمنية قصيرة مماثلة.

تحمل تلك الجسيمات الكثير من الطاقة، بحيث يُمكنها إتلاف إلكترونيات المركبات الفضائية، ويُمكن أيضًا أن تعرِّض رواد الفضاء للخطر، لا سيما هؤلاء الذين يعيشون على متن المحطة الفضائية الدولية خارج نطاق حماية المجال المغناطيسي للأرض.

ولأن وصول تلك الجسيمات يُمكن أن يحدث في فترات زمنية وجيزة، فمن الصعب إطلاق إنذار عن وقت ثورات الشمس، ومن المستحيل أيضًا تجنُّب الأثر الكارثي لوصول تلك الجسيمات إلى كوكبنا الأزرق.. فماذا يُمكننا أن نفعل لنقي أنفسنا شر جسيمات الشمس النشطة؟ الطريقة الوحيدة هي أن نفهم "كيف ولماذا ومتى تُطلق الشمس علينا تلك الرصاصات"، يقول "جويس" في تصريحاته لـ"للعلم".

الرصاصات الشمسية

الأزمة الحقيقية في دراسة تلك الجسيمات هي أن معظم آثارها تُفقد قبل أن تصل إلى الأرض، أو إلى الأقمار الصناعية القريبة من كوكبنا الأزرق، "وهذا من حسن حظنا بالطبع" كما يقول "جويس". إلا أن احتمالية وصول تلك الجسيمات إلى الأرض "لا تزال قائمة، كما حدث في القرن التاسع عشر".

تمكن "باركر" من حل تلك الأزمة، عن طريق اقترابه من الشمس. ونجح بالفعل في قياس أحداث "نادرة" لم نرصدها من قبل، مثل حدث انفجار الجسيمات وقت وقوعها، وهو الأمر الذي أمدنا بمعلومات واضحة حول الطريقة التي تنتج بها الشمس "الجسيمات النشطة"، علاوةً على رصد بيانات ستساعد في فهم الوسيلة التي أكسبت تلك الجسيمات سرعتها المهولة.

يقول "جويس" إن البيانات المستمدة من "باركر" كشفت عن تفاصيل غير مسبوقة عن الإكليل والرياح الشمسية، بما في ذلك حجم المواد التي تقذفها الشمس يوميًّا، والتي تُقدر بـ"مليار طن من المواد الشمسية كل يوم".

النتيجة التي توصلت إليها تلك الدراسة كانت صادمة، على حد قول جويس، الذي يقول: "إن الرصاصات التي تمطرنا بها الشمس تنتج عن انفجارات صغيرة متعددة تحدث على سطحها"، موضحًا: بسبب التفاعلات الشمسية النشطة على سطح ذلك النجم، تندلع سلسلة من الانفجارات المحدودة، تقوم تلك الانفجارات بالتجمع معًا في محصلة واحدة ينتج عنها الحدث الكبير الواحد، أى أن توليد الجسيمات النشطة يبدأ من انفجارات متعددة محدودة، تتجمع قوتها بعضها مع بعض لتولد الحدث الأكبر، ألا وهو الجسيمات السريعة النشطة التي تُقذف خارج الشمس.

يرى الباحث في مجال فيزياء البلازما بكلية لندن "دانيال فيرسشارين" –الذي لم يُشارك في أيٍّ من الدراسات الأربع- أن مهمة "باركر" التاريخية وفرت "أول مواجهة عن قرب مع الشمس". رغم عمر المسبار القصير نسبيًّا –أكثر من عام واحد بقليل- فقد وفر العديد من البيانات "التي لم نكن لنستطيع توفيرها من على الأرض على الإطلاق".

ويرى "فيرسشارين" في تصريحاته لـ"للعلم" أن المعارف المستقاة من ذلك المسبار "ستنمي معلوماتنا حول الطقس الفضائي"، وهو "أحد أهم العوامل التي تؤثر على كوكبنا بأسره". مشيرًا إلى أن رحلة المسبار "هي رحلة نجاح بشرية، ستوفر ملحوظات تجعلنا نفهم أكثر ديناميكات الثورات.. الثورات الشمسية".