أعراض مرض الوسواس القهري لا تظهر بالضرورة في شكل سلوكيات غريبة، فحتى التصرفات البَدَهية البسيطة يمكن أن ترتبط بالإصابة بهذا المرض، والأمثلة عديدة مثل الخوف من الاتساخ أو من ارتكاب الأخطاء أو من التعرُّض لمواقف محرجة أمام الغرباء، أوالامتناع عن مصافحة الآخرين أو ملامسة مقبض الباب، وتكرار التحقق من الأمور مثل غلق الأقفال أو مواقد الغاز، أو التشديد على ترتيب الأغراض الشخصية وتنظيمها بشكل دائم.

فقد تتطور هذه التصرفات البدَهية وتتكرر تكرارًا مفرطًا لتصبح مؤشرًا على حاجة الشخص إلى العلاج، خاصةً عندما تتحول إلى عادات قهرية لا يشعر الشخص بالراحة إلا عند فعلها، ما يؤدي إلى مضاعفات عدة، بدايةً من اضطراب علاقات الشخص بالمحيطين به، وانتهاءً بسيطرة السلوكيات الانتحارية على تصرفاته وأفكاره.

وتظهر أعراض الوسواس القهري في صورة مدٍّ وجزر، وتؤثر على الحياة اليومية للمصابين، ما دفع فريقًا بحثيًّا بجامعة "براون" الأمريكية إلى تتبُّع إشارات الدماغ المرتبطة بأعراض اضطراب الوسواس القهري، وفق دراسة نشرتها دورية "نيتشر ميديسين" (Nature Medicine).

الوسواس القهري

يتسم اضطراب الوسواس القهري (OCD) بنمط من الأفكار والمخاوف غير المرغوب فيها (وساوس) تدفع المريض إلى عمل سلوكيات تكرارية (سلوكيات قهرية)، وتَعوق هذه الوساوس والسلوكيات القهرية أداء الشخص لأنشطته اليومية، مما يتسبب له في ضيق شديد، وعلى الرغم من جهود الشخص المبذولة لتجاهُل هذه الأفكار أو الدوافع المزعجة أو التخلُّص منها، إلا أن المريض عادةً ما يستمر في التفكير فيها، الأمر الذي يؤدي إلى سلوكيات أشبه بـ"الطقوس"، ما يُدخل الفرد في حلقة مفرغة.

التحفيز العميق للدماغ

في الدراسة الحديثة، طور الباحثون إستراتيجية "التحفيز العميق للدماغ" (DBS)، وهي إستراتيجية جراحية عصبية، تنطوي على زرع جهاز طبي (محفز عصبي)، يرسل نبضات كهربائية من خلال الأقطاب الكهربائية المزروعة إلى أهداف محددة في الدماغ –مثل نواة الدماغ- لعلاج الاضطرابات العصبية والنفسية، وسبق أن وافقت "إدارة الغذاء والدواء الأمريكية" على استخدام تلك الإستراتيجية باعتبارها علاجًا لمرضى الشلل الرعاش في عام 1997، ومرضى "خلل التوتر العضلي" عام 2003، ومرضى اضطراب الوسواس القهري في عام 2009.

ووفق الدراسة، تتراوح نسبة انتشار اضطراب الوسواس القهري حول العالم بين 2 و3%، ويُعد من أهم الأسباب الرئيسية للإعاقة في جميع أنحاء العالم، ويُعتبر العلاج السلوكي الدوائي من الدعائم الأساسية لعلاج اضطراب الوسواس القهري، ولكنه يفشل في تحقيق فائدة مستدامة في 25-40٪ من المصابين بالمرض، ويفشل حوالي 10٪ من الأفراد في الاستفادة بأي تدخل علاجي لحالات الوسواس القهري الشديدة، وتم استخدام إجراءات جراحة الأعصاب بدرجات متفاوتة من النجاح لمدة نصف قرن، وعلى الرغم من أن أكثر من نصف المرضى الذين يعانون من الوسواس القهري المقاوم للعلاج يستجيبون للعلاج بـ"التحفيز العميق للدماغ"، إلا أن عدد مَن تلقوا هذا النوع من العلاج حول العالم ما زال قليلًا، وقد يكون العديد من الأفراد مؤهلين للحصول على علاج بـ"التحفيز العميق للدماغ"، ولكنهم لا يتابعون دورة العلاج بسبب عوائق مختلفة، مثل نقص الوعي وصعوبة الحصول على العلاج وارتفاع تكلفة العلاج على سبيل المثال.

وتضيف الدراسة أن "التحفيز العميق للدماغ يتفوق على الأساليب الجراحية بقابليته للتعديل وتعظيم الآثار المفيدة وتقليل الآثار الضارة التي قد تنجم عن إجراء العمليات الجراحية".

آثار جانبية

يوضح ديفيد بورتون -الأستاذ المساعد في الهندسة الطبية الحيوية بجامعة "براون"، وأحد المشاركين في الدراسة- أن "التحفيز العميق للدماغ يعمل عن طريق إرسال نبضات كهربائية خفيفة إلى الدماغ باستخدام أقطاب كهربائية موضوعة داخل الدماغ نفسه".

ويرى الباحثون أن "الاختلاف الزمني الطبيعي في شدة الأعراض لدى الأفراد المصابين باضطراب الوسواس القهري يزيد من تعقيد إدارته والتعامل معه، ويضع عقباتٍ كبيرةً في محاولة الطبيب للتوصل إلى تعديلات تتناسب مع كل حالة".

يقول "بورتون" في تصريحات لـ"للعلم": التحفيز العميق للدماغ التقليدي له آثار جانبية غير مقصودة؛ إذ يتضمن إنشاء فتحات صغيرة في الجمجمة لزراعة أقطاب كهربائية في أنسجة الدماغ، بالإضافة إلى إجراء جراحة لزراعة الجهاز الذي يحتوي على البطاريات أسفل الجلد في منطقة الصدر، وقد تتضمن مضاعفات الجراحة خطأً في تركيب أسلاك التوصيل والإصابة بالسكتة الدماغية أو مشكلات في القلب والصداع وصعوبة التركيز، كما أن نحو 40% من الأشخاص لا يستجيبون لمثبطات امتصاص السيروتونين (SRIs)، أو العلاج التقليدي، و10% لا يستجيبون لأيٍّ منهما، ومن هنا تأتي أهمية تحسين آلية عمل التحفيز العميق للدماغ وزيادة المعرفة بما يجري في الدماغ والتوصل إلى علاجات لا تنطوي على إجراء عمليات جراحية في الدماغ.

إشارات الدماغ

تتبَّع الباحثون إشارات الدماغ عندما يبدأ اضطراب الوسواس القهري لدى خمسة أشخاص يعانون من هذه الحالة، وهم رجلان وثلاث نساء، تتراوح أعمارهم بين 31 و40 عامًا، يعانون من أعراض الوسواس القهري التي بدأت عندما كانوا أطفالًا أو مراهقين، ولم يستطيعوا تحمُّل العديد من التدخلات الدوائية.

يقول "بورتون": استهدفنا تجنُّب الآثار الجانبية الضارة التي يخلِّفها التحفيز العميق للدماغ والحد من سلوكيات الوسواس القهري التي تقترن بعاداتٍ تعكس حالةً من سوء التكيُّف، وتقليل الزيارات المتكررة للأطباء، واعتمدنا على تطوير "التحفيز التكيُّفي العميق للدماغ" (aDBS) بصورة تجعل التحفيز العميق للدماغ أكثر تكيُّفًا وتفاعلًا بما يساعد على اكتشاف إشارات الدماغ الفريدة الخاصة بهذا الاضطراب، وتحديد المؤشرات الحيوية في الدماغ المرتبطة بأعراض الوسواس القهري، وذلك من خلال نظام الحلقة المغلقة (تقنية تتيح للباحثين درجةً من الاطلاع على المشاعر الداخلية للشخص فور شعوره بها).

وتتنوع منهجيات التحفيز العميق للدماغ بين نظام "الحلقة المفتوحة" و"الحلقة المغلقة"؛ إذ تعتمد تقنية الحلقة المغلقة على وجود مستشعر لتسجيل الإشارات المرتبطة بظهور الأعراض، ما يجعلها أكثر كفاءةً من الناحية العملية مقارنةً بنظام "الحلقة المفتوحة" التي تكون فيها عملية التحفيز (بما في ذلك مدة استخدام التخطيط الكهربائي للدماغ وتكرار النبض وتسلسله) ثابتةً بغض النظر عن التقلبات التي تشهدها حالة المرضى؛ إذ يؤدي هذا الثبات إلى معالجة الديناميات الزمنية للأمراض العصبية أو النفسية بشكلٍ غير كافٍ في ظل تزايُد احتمالات اختلاف الأعراض على مدى زمني يتراوح بين دقائق وأيام.

تتبُّع الأعراض

استمرت الدراسة 18 شهرًا، وطلب الباحثون من الأشخاص الذين يعانون من الوسواس القهري فعل أشياء قد يجدونها غير مريحة، مثل لمس مفتاح ضوء قد يكون متسخًا، أو السماح لشخصٍ ما بلمسهم بيدٍ قذرة، لمعرفة ردود أفعال أدمغتهم.

وقام الباحثون بزرع جهاز تحفيز الدماغ العميق لكل مشارك وتسجيل إشارات الدماغ الكهربائية الأصلية، ثم جمعوا بياناتٍ حول نشاط الدماغ ومعدل ضربات القلب وأعراض الوسواس القهري المبلغ عنها ذاتيًّا، ومدى تصاعُد حركة تلك الأعراض وتراجُعها، سواء في حياتهم العادية أو في المختبر، كما تتبَّع الباحثون إشارات الدماغ المرتبطة بالمحفزات البيئية حول الشخص الذي يمارس حياته وأنشطته اليومية، مما يوفر رؤى أوضح حول كيفية ظهور أعراض الوسواس القهري ومتى تظهر، وسجل الباحثون أكثر من 1000 ساعة من التسجيلات داخل الجمجمة في أثناء أداء المهمات السلوكية والأنشطة اليومية التي يمارسها المشاركون في المنزل.

موجات الدماغ

وكشفت النتائج أن استهداف منطقة "المكافأة" في الدماغ عن طريق موجات دماغية ذات تردد معين (موجات تتحرك بشكل مادي عبر الدماغ، كما تفعل الأمواج في البحر) يمكن أن يؤدي إلى منع الخلايا الموجودة في مركز المكافأة من تعطيل الجزء الأمامي من الدماغ، ومنعها –بالتالي- من اتخاذ قرارات عقلانية.

وأظهرت دراسة سابقة أن دراسات التصوير الوظيفي في اضطراب الوسواس القهري يُعَدُّ دليلًا ثابتًا على زيادة النشاط في مناطق الفصوص المدارية ورأس النواة الذنبية في الدماغ.

يقول "بورتون": تؤكد الدراسة الجديدة أن التحفيز التكيُّفي العميق للدماغ له آثارٌ إيجابية فيما يتعلق بالحد من القلق والاكتئاب وتعديل المزاج، وبالتالي تحسين نوعية الحياة حتى لدى المرضى الذين لم يستجيبوا مسبقًا للعلاج بالتحفيز العميق للدماغ.

من جهتها، تقول ولاء صبري -أستاذ الطب النفسي بكلية الطب بجامعة عين شمس- في تصريحات لـ"للعلم": يحدث اضطراب الوسواس القهري نتيجة اختلال في الإشارات الكهربائية داخل الدماغ، وهذا هو السبب في استخدام التحفيز العميق للدماغ باعتباره خطةً علاجيةً للمرضى الذين يعانون منه، وتركز هذه التقنية على تحسين التواصل الكهربائي والتواصل العصبي في خلايا المناطق الدماغية، مما يكون له تأثيرٌ إيجابي على مرضى الوسواس القهري، بدورها، تؤكد نيكول بروفينزا -خبيرة الهندسة الطبية الحيوية بمختبر بورتون، والباحثة الرئيسية في الدراسة- أن "هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها تسجيل إشارات الدماغ من المشاركين المصابين بأمراض نفسية عصبية مزمنة في المنزل إلى جانب تتبُّع السلوكيات التي ترتبط بمثل هذه الاضطرابات".

التقلُّبات اليومية

تقول "بروفينزا" في تصريحات لـ"للعلم": يسعى عملنا إلى تسجيل النشاط العصبي في أثناء التقلبات اليومية العادية لأعراض الوسواس القهري، ويتيح تدفُّق البيانات العصبية التقاط بيانات الفيزيولوجيا الكهربية (العلم الذي يبحث الصفات الكهربائية للخلايا والأنسجة البيولوجية) داخل الجمجمة في أثناء الحالات الطبيعية، ويتضمن ذلك النوم والتنشئة الاجتماعية والنظام الغذائي وممارسة التمارين الرياضية.

وتتابع: إلى جانب بيانات إشارات الدماغ، جمع الفريق أيضًا مجموعةً من المؤشرات الحيوية السلوكية خلال التجربة السريرية، تضمنت تعابير الوجه وحركة الجسم، وباستخدام الكمبيوتر والتعلم الآلي، اكتشفنا أن السمات السلوكية مرتبطةٌ بتغيرات في نشاط الدماغ، أما في المنزل، فقمنا بقياس التقارير الذاتية للمشاركين عن شدة أعراض الوسواس القهري وكذلك البيانات الحيوية -معدل ضربات القلب ومستويات النشاط العام- المسجلة بواسطة ساعة ذكية وتطبيق هاتف ذكي مقترن، وبعد ذلك، عملنا على مزامنة كل هذه التدابير السلوكية مع بيانات استشعار الدماغ، مما ساعدنا في البحث عن الارتباطات بين الاثنين، وساعدنا ذلك على التمييز بين الفترات التي يعاني منها الشخص من أعراض الوسواس القهري، وتلك التي لا يعاني فيها من هذه الأعراض، وأتاحت هذه التقنية تسجيل التنوُّع في السلوك ونشاط الدماغ.

وعلى الرغم من أن "بروفينزا" ترى أن عينة البحث ليست قليلة، إلا أنها تقر –في الوقت ذاته- بأنه "يجب عمل المزيد عبر مجموعة أكبر"، وفق قولها.

في السياق ذاته، يؤكد واين جودمان –الباحث في كلية بايلور للطب، والمشارك في الدراسة- في البيان الصحفي المُصاحب للدراسة أن "الفهم المتعمق للدوائر العصبية الكامنة وراء اضطراب الوسواس القهري قد يسمح بتحديد أهداف تشريحية جديدة للعلاج تكون قابلةً لتدخلات جديدة أقل توغلًا من التحفيز العميق للدماغ".