نشرت الجمعية الأوروبية لعلاج الإصابات الرياضية وجراحة الركبة وتنظير المفاصل (ESSKA) في نوفمبر 2015، دراسة مقارنة حديثة بعنوان «استخدام القوالب الإلكترونية في جراحة المفصل الصناعي الكامل للركبة.. أبسط وأسرع وأكثر دقة من العمليات التقليدية»، تشير نتائجها إلى أن تقنية القوالب الإلكترونية مقارنة بسابقتها التقليدية تختصر وقت الجراحة للنصف، كما تقلل من مخاطرها ومضاعفاتها، وكذلك الفترة الزمنية التي يقضيها المريض داخل المستشفى بعد الجراحة.

كما أفادت نتائج الدراسة أنه بالمقارنة بين الجراحتين فإن المرضى الذين أجروا الجراحة باستخدام تقنية القوالب الإلكترونية فقدوا دمًا أقل في أثنائها، مقارنة بالتقنية التقليدية، وهو ما يتناسب أكثر مع المرضى الذين يعانون سيولة الدم.

وتُرجع الدراسة السبب وراء ذلك إلى أن جراحة «القوالب الإلكترونية» أتاحت للطبيب تجهيز مفصل صناعي وأدوات جراحية لكل مريض على حِدة، بحسب مقاسات أعضائه كما توضحها الأشعة المقطعية، كما يجري تصميم قالب إلكتروني على الكمبيوتر يتوافق مع الطبيعة التشريحية للمريض، ثم تصنيعه باستخدام تقنية «الطباعة ثلاثية الأبعاد»، مع إمكانية الإعداد الكامل للجراحة على الكمبيوتر قبل إجرائها.

أجريت الدراسة على 95 مريضًا، 47 منهم خضعوا للجراحة باستخدام تقنية القوالب الإلكترونية، و 48 أجريت جراحاتهم بالشكل التقليدي.

 سجل للمفاصل الصناعية

وكان الدكتور <محمود حافظ> -رئيس قسم جراحة العظام بجامعة 6 أكتوبر المصرية- قد نشر دراسة مقارنة في عدد أبريل الماضي من المجلة البحثية Current Orthopaedic Practice، حول أهمية تقنية القوالب الإلكترونية في جراحات المفاصل الصناعية. أجريت الدراسة على 30 مريضًا يعانون درجات مختلفة من التهاب مفصل الركبة، ولديهم جميعًا أنواع مختلفة من التشوهات، من بينهم 15 مريضًا خضعوا للجراحة التقليدية لتركيب مفاصل صناعية، و15 مريضًا أجروا الجراحة للغرض ذاته ولكن باستخدام تقنية القوالب الإلكترونية، إذ أظهرت النتائج أن التقنية المتطورة اختصرت زمن الجراحة لنحو 24 دقيقة.

حافظ -الحاصل على الدكتوراة في جراحة العظام من جامعة ليدز البريطانية- كان قد نشر أيضًا دراسة سابقة، في عام 2006، في مجلة  Clinical Orthopaedics & Related Research تتيح إمكانية تطبيق تقنية القوالب الإلكترونية على جراحات مفاصل الفخذ، علاوة على الركبة، بنسب نجاح كبيرة، مقاربة للنسب العالمية للحالات الصعبة غير المأمول شفاؤها آنذاك؛ إذ أظهر الابتكار مدى دقته مقارنة بالوسائل التقليدية لهذا النوع من الجراحات.

كما نجح حافظ بمساعدة آخرين في إنشاء قاعدة بيانات، وعمل سجل للمفاصل الصناعية عام 2007، أسوة بالدول المتقدمة. ويضم السجل الآن أكثر من 1000 حالة، وفي عام 2013 تم تسجيله بالجمعية العالمية لسجلات المفاصل الصناعية بالسويد، لتصبح مصر –آنذاك- الدولة رقم 29 بعد عدد من الدول الأوروبية وأمريكا وأستراليا في تسجيل تلك البيانات، ما أتاح تطوير مجال البحث والدراسة في هذا النوع من العمليات الدقيقة.

وأوضح حافظ لـ«للعلم» أن نتائج هذه التقنية أفضل من الطرق التقليدية، فالقوالب الإلكترونية لا تحتاج إلى اختراق القناة النخاعية، مما يؤدي إلى التقليل من النزيف الدموي والجلطات الدهنية التي قد تصل إلى الرئة. ويضيف: تختصر القوالب الإلكترونية المدة الزمنية التي تستغرقها الجراحة، وهو ما يساعد في تسريع عملية إفاقة المريض.

ووفق حافظ تستخدم هذه التقنية في إجراء جراحات تركيب المفصل الصناعي للركبتين في وقت واحد، وخصوصًا حالات الاعوجاج الشديدة والتشوهات المصاحبة للخشونة والكسور القديمة، وتتناسب أكثر مع المرضى المصابين بأمراض مزمنة مثل القلب والضغط والسكر وغيرها، أو مَن لديهم شرائح أو مسامير قديمة.

ويتضمن هذا النوع من الجراحات عدة خطوات هي: إجراء الأشعة المقطعية للمريض، وإعداد الجراحة وإجراؤها على الكمبيوتر، وتصميم القالب الإلكتروني على الكمبيوتر، ثم طباعته بواسطة طابعة ثلاثية الأبعاد، ثم تعقيمه وتغليفه، وأخيرًا إجراء الجراحة عمليًّا.

وحول التكلفة المالية لإجراء هذا النوع من الجراحات، يضيف حافظ أن التقنيات الحديثة التي تستخدم الكمبيوتر باهظة التكاليف في الخارج، فعلى سبيل المثال تتكلف القوالب الإلكترونية من 1000 دولار إلى 3000 لتغيير المفصل الصناعي للعملية الواحدة، وتجرى على الحالات البسيطة وليس المعقدة، وتتطلب وضع المريض على قائمة انتظار تصل إلى 6 أسابيع. وفي مصر، تقل تكلفتها بحسب حافظ، مشيرًا إلى أنها تتراوح حسب نوع الخامة المستخدمة من 100 دولار إلى 500، كما أن هذا النوع من العمليات في مصر لا يحتاج لقائمة انتظار طويلة، وفق قوله.

آلام خشونة الركبة

وتُجرى جراحات تركيب المفصل الصناعي للركبة بغرض الاستبدال بسطح الركبة المتآكل آخرَ صناعيًّا أملس يمنع الآلام الناتجة عن خشونة الركبة، وفق ما أوضحه الدكتور <مصطفى النمر> -أخصائي جراحة العظام- لمجلة «للعلم»، والذي يضيف أن الجراحة تجعل حركة الركبة مرنة، فيتمكن المريض من معاودة المشي بسهولة.

وأوضح النمر أن المفصل الصناعي يتكون من جزئين مصنوعين من سبيكة معدنية تتحمل الضغوط والأحمال لسنوات طويلة؛ إذ تثبت القطعتان على الأجزاء المساهمة في مفصل الركبة من أسفل عظمة الفخذ وأعلى عظمة القصبة، كما تثبت بين السطحين المعدنيين قطعة مصنوعة من اللدائن البلاستيك (بولي إيثيلين)، مما يتيح الحركة بنعومة ويسر.

ويرى النمر أن نجاح عملية الاستبدال الكامل لمفصل الركبة يعتمد على أربعة عوامل: اختيار الطبيب الكفء، والتصميم المناسب للمفصل الصناعي، والتقنية الجراحية المستخدَمة، هذا بالإضافة إلى الرعاية المتكاملة والفعالة قبل الجراحة وفي أثنائها وبعدها.

وأشار إلى أن نتائج عملية الاستبدال الكامل لمفصل الركبة على المدى الطويل تعتمد على مدى استقامة الطرف السفلي، والوضع المناسب للمفصل، والتوازن الكافي لأربطة الركبة، مؤكدًا أن "عكس ذلك يؤدي إلى ارتخاء المفصل وقصور الأداء الوظيفي له".

وهناك أنواع مختلفة من المفاصل، بعضها سطحه ثابت والبعض الآخر سطحه متحرك؛ ليتيح انسيابية أكثر في حركة دوران القصبة للداخل والخارج، ويطيل من عمر القطعة البلاستيكية في المفصل.

ويستدرك النمر: "أحيانًا يؤدي إجراء الجراحة بالوسائل التقليدية إلى ارتفاع معدلات فشل العملية"، موضحًا أن ذلك يحدث في حال كان الانحراف أكثر من 3 درجات فيما يتعلق بدرجة ميل زاوية تركيب المفصل في أثناء عملية الاستبدال الكامل له.

وشدد النمر على أن تقنية القوالب الإلكترونية تُعَد "طفرة علمية" في جراحات الاستبدال الكامل لمفصل الركبة نظرًا لدقتها.

وأشار إلى أن الجراحات المتطورة يتم التخطيط لها مسبقًا عن طريق الكمبيوتر، كما يتم إحلال الأدوات التقليدية بأدوات محددة تُمَكِّن الجراح من تجنب مشكلة الانحراف في زاوية تركيب المفصل.

التكلفة المالية

ومن جهته، يرى الدكتور <ماهر فنصة> -استشاري جراجة العظام والمفاصل الصناعية بمستشفى الساحل التعليمي، وزميل كلية الجراحين الملكية بلندن- أن جراحات تركيب المفاصل الصناعية باستخدام تقنية القوالب الإلكترونية أسهل وأسرع وأكثر دقة من العمليات التقليدية، وإن كانت تكلفتها المالية العالية –على الرغم من كونها أقل كلفة من سابقتها- لا تزال تمنع شريحة كبيرة من المرضى من اللجوء إليها في مصر. وتابع: "يجري تصميم المفاصل الصناعية وفق كل مريض بالتصوير ثلاثي الأبعاد باستخدام برامج الكمبيوتر ثم طباعتها، بينما تعتمد الجراحات التقليدية على خبرة الطبيب وممارسته لتلك الجراحات مدةً طويلة".

 وأوضح فنصة أن هناك عمليات كثيرة جرت في مصر باستخدام هذه التقنية لتغيير مفصلي الركبة تحديدًا، بنسب نجاح كبيرة، والسبب أن هناك الآلاف من المصريين يعانون مشكلات في مفصلي الركبة، بسبب عدم ممارسة الرياضة، والبدانة، والجلوس بشكل خطأ، وتزداد تلك المشكلات مع التقدم في السن.

سياحة علاجية

ويضيف الطبيب <حسام حمزة> من فريق عمل الدكتور محمود حافظ، أن انتشار التقنية الحديثة في علاجات جراحات العظام في مصر أسهم في زيادة السياحة العلاجية لإجراء هذا النوع من الجراحات، مما يوفر عائدًا اقتصاديًّا، ويزيد الثقة بمستشفيات مصر".

 وكان حافظ قد أجرى دراسة حديثة نُشرت مؤخرًا في The Journal of Arthroplasty تناولت تقدير تحديد حجم الركبة وأبعادها للمرضى العرب، وبيان مدى الاختلاف عن المجموعات العرقية الأخرى في العالم، الأمر الذي يُتوقع له أن ينعكس إيجابيًّا على عمليات استيراد مفاصل صناعية للركبة تتطابق والحالات المرضية للمرضى العرب، وفق حمزة، مضيفًا: "أتاح لنا هذا نتائج أكثر دقة في العمليات الجراحية وتجنب المفاصل الصناعية المستوردة غير المطابقة، خصوصًا أن استيرادها مكلف جدًّا مع ارتفاع سعر صرف الدولار".