يستفيد الناس من المحادثات العميقة ذات المغزى التي تساعدنا على التواصل الجيد معًا، لكننا غالبًا ما نلتزم بالحديث القصير مع الغرباء، معتقدين أن المحادثات العميقة تكون صعبةً ومحرجة.

وعلى العكس من ذلك، أظهرت دراسة نشرتها دورية "ذا جورنال أوف بيرسوناليتي آند سوشيال سيكولوجي" (Journal of Personality and Social Psychology) أن "الناس يبالغون في تقدير الإحراج، ويقللون من الاستمتاع بالمحادثات العميقة ذات المغزى، معتقدين خطأً عدم اهتمام الآخرين بحياتهم، وأن محادثاتهم مع الغرباء أكثر صعوبةً وأقل متعة".

يقول مايكل كرداس، باحث ما بعد الدكتوراة في مجال الإدارة والتسويق بجامعة نورث وسترن الأمريكية، والباحث الرئيسي في الدراسة: "إن الناس يريدون إجراء محادثات أعمق وعلاقات أقوى مع الآخرين، ومع ذلك قد يُحجمون عن إجراء هذه المحادثات الأعمق؛ لأنهم يتوقعون أن تكون سلبيةً أو محرجةً إلى حدٍّ ما".

يضيف "كرداس" في تصريحات لـ"للعلم": النتائج التي توصلنا إليها أكدت أن هذه التوقعات خطأ، وأن المحادثات العميقة مع الغرباء أقل حرجًا وأكثر إمتاعًا مما يتوقعه الناس، وبذلك تخلق توقعات الناس السلبية المفرطة حاجزًا غير مسوَّغ محتمل أمام تكوين روابط اجتماعية أقوى.

ويتابع: التجارب التي أجريناها شملت فئاتٍ مختلفة، منهم طلاب حاصلون على البكالوريوس والماجستير، وموظفون في الخدمات المالية، ومديرون تنفيذيون، وطلاب ماجستير إدارة الأعمال، من جميع أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية.

من جهته، يوضح نيكولاس إيبلي -أستاذ العلوم السلوكية في كلية "بوث للأعمال" بجامعة شيكاغو الأمريكية، والمؤلف المشارك فى الدراسة- أن "التواصل مع الآخرين بطرق ذات مغزى يجعل الناس أكثر سعادة، ومع ذلك يبدو أن الناس يكونون مترددين في الانخراط في محادثة أكثر عمقًا وذات مغزى مع الغرباء".

يقول "إيبلي" في البيان الصحفي المُصاحب للدراسة: لقد صدمتنا هذه النتيجة باعتبارها مفارقةً اجتماعيةً مثيرةً للاهتمام، فإذا كان التواصل مع الآخرين بطرق عميقة وذات مغزى يزيد من الرفاهية، فلماذا لا يفعل الناس ذلك كثيرًا في الحياة اليومية؟".

للإجابة عن هذا السؤال، صمم الباحثون سلسلةً من 12 تجربةً مع أكثر من 1800 مشارك، وطلبوا من كل شخصين -معظمهم من الغرباء- مناقشة موضوعات عميقة نسبيًّا أو ضحلة، وكان بعض الأسئلة سطحيًّا مثل: ما أفضل برنامج تلفزيوني شاهدته في الشهر الماضي؟ وما رأيك في الطقس اليوم؟ بينما شملت الأسئلة العميقة تساؤلاتٍ حول معلوماتٍ شخصيةٍ وحميمة، مثل: هل يمكنك وصف وقتٍ بكيت فيه أمام شخص آخر؟

وقبل المحادثات، تم رصد انطباعات المشاركين حول إلى أي مدى يعتقدون أن المحادثات مع الغرباء ستكون محرجة، وعن مدى احتمالات استمتاعهم بالمحادثة.

بعد ذلك، عمل المشاركون على تقييم مدى شعورهم بالحرج بعد إجراء المحادثات بالفعل، ومدى الترابط الذي شعروا به ومقدار المتعة التي عاشوها بالفعل في أثناء التحدث مع شخص غريب عنهم.

وبشكل عام، وجد الباحثون أن المحادثات العميقة والضحلة على حدٍّ سواء أشعرت بأنها أقل حرجًا، وأدت إلى شعور أكبر بالارتباط والمتعة أكثر مما توقعه المشاركون، يميل هذا التأثير إلى أن يكون أقوى للمحادثات العميقة، المشاركون الذين ناقشوا الأسئلة العميقة بالغوا في تقدير مدى صعوبة المحادثة بشكل ملحوظ أكثر من أولئك الذين ناقشوا الأسئلة السطحية، كانت المحادثات العميقة أيضًا أكثر إمتاعًا وأدت إلى شعور أقوى بالتواصل، وفي إحدى التجارب، توقع المشاركون الذين أجروا محادثةً عميقةً مع أحد الشركاء ومحادثةً ضحلةً سطحيةً مع شريك آخر في البداية تفضيل المحادثة الضحلة السطحية، ولكنهم فضلوا في الواقع المحادثة العميقة بعد إجراء كليهما.

يقول "إيبلي": بدا أن الناس يتخيلون أن الكشف عن شيء ذي مغزى أو مهم عن أنفسهم في المحادثة سيقابَل بنظرات فارغة وصمت، لكنهم وجدوا أن هذا لم يكن صحيحًا في المحادثة الفعلية؛ إذ إن البشر اجتماعيون جدًّا ويميلون إلى الرد بالمثل في المحادثة، وإذا كنت تشارك شيئًا مهمًّا وذا مغزى، فمن المحتمل أن تحصل على شيء مفيد ومهم في المقابل، مما يؤدي إلى محادثة أفضل بكثير من أي توقعات مسبقة.

ويتابع: التوقعات السلبية المسبقة ترجع إلى خطأ في التقدير بطريقة يمكن أن تمنع الناس من الانخراط بشكل أعمق قليلًا مع الآخرين في حياتهم اليومية، وبينما يتراجع وباء "كوفيد19" ونعود جميعًا إلى التحدث معًا مرةً أخرى، فإن إدراك أن الآخرين يحبون أيضًا إجراء محادثة ذات مغزى معنا، قد يقودنا إلى الحصول على تفاعلات أكثر متعةً مع الآخرين، حتى لو كانوا غرباء عنَّا.