في ماضٍ سحيق، كان لدى الإنسان القديم شغف الاستكشاف نفسه الذي كان له عظيم الفضل في تعمير الأرض ونشر سلالة "الهومو"، وعبَر المستكشفون الأوائل الصحاري ووصلوا إلى مناطق نائية واستوطنوها قبل أن يعرف الإنسان معنى الحدود، وكان من هؤلاء نوعٌ من البشر القدامى يُعرفون باسم "الدينيسوفان".

تم التعرُّف على ذلك النوع لأول مرة من بقايا عظمة خنصر واحدة عثر عليها الباحثون في كهف بمنطقة سيبيريا، وكشف حمضهم النووي أنه منذ حوالي 765 ألف عام، شاركوا إنسان "نياندرتال" في سلف مشترك، وانقسم ذلك السلف وتفرع وغزا العالم، بقي فرعنا من شجرة العائلة البشرية في إفريقيا، أما "نياندرتال" و"دينيسوفان" فقد انتقلا إلى أوراسيا، وهي الكتلة الأرضية المكوِّنة لقارتي آسيا وأوروبا.

وانقسم الفرع الأوراسي نفسه قبل نحو 430 ألف عام، ربما كان ذلك بسبب توسُّع الغطاء الجليدي جنوبًا إلى البحر الأسود وتغيُّر المناخ، فاستوطن نياندرتال غرب الكتلة الأرضية، أما الدينيسوفان فقد فضَّل الاتجاه شرقًا، ثم انقرض كُلٌّ من النياندرتال والدينيسوفان انقراضًا كاملًا قبل آلاف السنوات، لكنهم تركوا آثارهم في جينات البشر المعاصرين.

بالنسبة للدينيسوفان، كان العلماء يظنون أنهم تركوا بصمتهم الجينية بنسبة أكبر في سكان "بابوا غينيا الجديدة"، لكن دراسة جديدة نشرتها دورية "كارانت بيولوجي" تُظهر أن الأدلة الجينية لمجموعة عرقية فلبينية تثبت أنهم ورثة الدينيسوفان، إذ وجد الباحثون أنهم يحملون حوالي 5٪ من الحمض النووي لذلك النوع المنقرض.

لكن.. كيف وصل الحمض النووي لذلك الإنسان المنقرض إلى حفيده المعاصر؟ رغم الارتحال، والانقسام، وعشرات الآلاف من السنين في تطور مستقل، التقى أفراد الأنواع وتزاوجوا معًا في مكانٍ ما، ونقلت ذريتهم الحمض النووي إلى الأجيال القادمة على مدار آلاف السنوات، وصولًا إلى سكان تلك المجموعة الفلبينية وغيرها من سكان مناطق أخرى في النطاق الجغرافي نفسه بجنوب شرق آسيا.

يشير الباحثون إلى أن إنسان الدينيسوفان نشأ مع البشر المعاصرين في مكانين على الأقل، في شرق آسيا، وفي الجنوب الشرقي في إندونيسيا أو أستراليا، علاوةً على ذلك، يحمل معظم سكان هضبة التبت جزءًا من الحمض النووي للدينيسوفان يساعدهم في التعامل مع الأكسجين المحدود في المرتفعات، ويشير هذا إلى أن التزاوج بين الإنسان العاقل والدينيسوفان أتاح للبشر استعمار أعلى هضبة على الأرض.

كما أن لدى العلماء أدلة دامغة على وجود الدينيسوفان في مكانين: كهف "دينيسوفا" في سيبيريا، وكهف "بايشيا كارست" على هضبة التبت، ويعتقد معظم علماء الأنثروبولوجيا أن الكهف السيبيري كان حدهم الشمالي؛ لأن الشمال كان شديد البرودة، كما تشير النتائج الجينية إلى أنهم عاشوا أيضًا جنوبًا بعيدًا عن التبت، وتجولوا في مناطق شاسعة من آسيا حتى جنوب إندونيسيا، وفي الوقت الذي كان فيه دينيسوفان على قيد الحياة، كانت إندونيسيا مرتبطةً بالبر الرئيسي لآسيا بسبب انخفاض مستوى سطح البحر، وكانت الأراضي الواقعة في الجنوب لا تزال ممتلئةً بالمياه، وبالتالي ما من سبب للاعتقاد بأنهم وصلوا إلى أستراليا.

ومع ذلك الانتشار الجغرافي الواسع، تساءل الباحثون عن بصمة الدينيسوفان، وإلى أيّ مدى يحمل الإنسان المعاصر جينات بنى جنسه، وهل يختلط الحمضنا النووي لـ"الهومو سابينس" -أي الإنسان العاقل- مع الحمض النووي للأنواع الأخرى من جنس الهومو.

لذا، وفي السنوات القليلة الماضية، فحص العلماء جينات البشر المعاصرين الذي يعيشون على أراضٍ حالية، سكنها في الماضي البعيد أنواع أخرى من الهومو، لمعرفة كميات الحمض النووي التي انتقلت من الأنواع المنقرضة إلى نوعنا الحالي.

كان يُعتقد سابقًا أن سكان مرتفعات بابوا غينيا الجديدة هم أصحاب الأرقام القياسية؛ فما يقرب من 35٪ من سكان تلك المنطقة يحملون حوالي 4٪ من الحمض النووي للدينيسوفان، لكن الدراسة الجديدة تقول إن التحليلات الجينية تشير إلى أن شعب "أيتا ماجبوكون" الذين يقيمون في شبه جزيرة "باتان" في الفلبين يحتفظون بأصول دينيسوفان بنسبة تُقدر بنحو 5٪ من الحمض النووي للدينيسوفان من جَرَّاء تزاوُجهم مع مهاجرين من شرق آسيا إلى الجزيرة منذ حوالي 2281 عامًا.

وعمل العلماء على مقارنة الحمض النووي القديم من دينيسوفان وإنسان نياندرتال مع 1107 أفراد يُمثلون 118 مجموعة عرقية في الفلبين، ليجدوا أن تلك المجموعة العرقية هي المستحقة للقب "ورثة الدينيسوفان".

ويقول الباحث في التطور البشري بقسم البيولوجيا العضوية بجامعة "أوبسالا" السويدية "ماكسيميليان لارينا"، وهو المؤلف المشارك في تلك الدراسة: إن النتائج "تُعزز فهمنا لكيفية تشكيل البشر القدامى لماضينا، وبيولوجيتنا، وهويتنا باعتبارنا نوعًا"، بعد أن قدمت تلك الدراسة -والدراسات الأخرى- دليلًا على أن أسلاف البشر المعاصرين "تداخلوا وتزاوجوا مع إنسان الدينيسوفان الغامض".

بمساعدة شركاء محليين من الفلبين، بدأ "لارينا" الدراسة في عام 2015 كمحاولة لفهم آثارالعلاقات المعقدة بين البشر القدامى والحديثين في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

يقول "لارينا": يركز عملنا أيضًا على أهمية تضمين المجموعات السكانية الممثلة تمثيلاً ناقصًا في الدراسات الجينية، إذ قد تكون حاسمةً في تعزيز فهمنا للماضي البشري المعقد.

كانت تلك الدراسة جزءًا من دراسة أكبر تهدف إلى تحديد الأصول الجينية والتاريخ الديموغرافي للشعب الفلبيني، وقد نُشر جزؤها الأول في وقت سابق من هذا العام، وفيه أبلغ العلماء عن خمس هجرات رئيسية على الأقل للبشر المعاصرين إلى الفلبين.

يضيف "لارينا": كنا نعتزم إلقاء نظرة على الماضي البعيد، ومن خلال تقييم مستويات السلالة القديمة بين السكان، خاصةً أن بعض السكان في هذه المنطقة سبق أن ثبت أن لديهم مستويات مرتفعة من أسلاف دينيسوفان، تأكدنا من أن شعب "أيتا ماجبوكون" هم أصحاب النصيب الأكبر من الحمض النووي للإنسان القديم.. إنسان الدينيسوفان".