شددت منظمة الصحة العالمية على ضرورة الاهتمام بأن يكون هناك استثمار عاجل ومستدام لتوفير الدعم في مجال الصحة العقلية والنفسية لجميع مَن يحتاجون إليه ممن يعيشون في المناطق التي تشهد "صراعات مسلحة".

وأشارت المنظمة، في دراسة نشرتها مجلة "ذا لانسيت"" (The Lancet) البريطانية، أمس "الثلاثاء"، 11 يونيو، إلى أن 22% من الأشخاص الذين يعيشون في مناطق الصراعات المسلحة يعانون من الاكتئاب والقلق و"اضطراب ما بعد الصدمة" و"الاضطراب ثنائي القطب" و"انفصام الشخصية"، وأن حوالي 9% من سكان البلدان التي تشهد صراعات عنيفة يعانون من اضطرابات صحية عقلية ونفسية شديدة.

وتضمنت الدراسة تحليلًا لنتائج 129 دراسة أُجريَت في 39 دولة وتم نشرها بين عامي 1980 وأغسطس 2017، ومن بينها 45 دراسة جديدة نُشرت في الفترة ما بين 2013 وحتى أغسطس 2017.

وتشير الدراسة -التي شارك فيها باحثون من جامعات "كوينزلاند" الأسترالية و"واشنطن" و"هارفارد" الأمريكيتين بتمويل من منظمة الصحة العالمية ومؤسسات دولية أخرى- إلى أن الاكتئاب والقلق يزيدان مع تقدم العمر في البلدان التي تشهد صراعات، موضحةً أن هذه الأرقام أعلى بكثير منها في وقت السلم، إذ يعاني واحد من كل 14 شخصًا تقريبًا من أحد أشكال المرض العقلي (أي 7.14% فقط).

وصنف الباحثون الأمراض العقلية إلى ثلاث فئات، هي: "طفيفة ومتوسطة وحادة"، مشيرين إلى أن "متوسط معدل انتشار حالات الإصابة بالأمراض العقلية الطفيفة بلغ 13%، والمتوسطة 4%، والحادة 5%".

ويشهد العالم في الوقت الراهن العديد من الأزمات الإنسانية الصعبة من جَرَّاء الصراعات الرئيسية التي يعاني منها العالم، كما هو الحال في أفغانستان والعراق ونيجيريا والصومال وجنوب السودان وسوريا واليمن؛ إذ بلغ عدد الصراعات المسلحة في 2016 أعلى مستوى له على الإطلاق، بمعدل 53 صراعًا مستمرًّا في 37 دولة، وفي حين يعيش 12% من سكان العالم في مناطق صراع "نشطة"، فقد اضطر نحو 69 مليون نسمة إلى النزوح عن ديارهم قسرًا بسبب العنف منذ الحرب العالمية الثانية.

يقول "مارك فون أوميرين" -المتخصص في الصحة العقلية بمنظمة الصحة العالمية، والمشارك في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن النتائج تضفي مزيدًا من الثقل على الدعوة إلى استثمار عاجل ومستدام كي يكون الدعم في مجال الصحة العقلية والنفسية متوافرًا لجميع مَن يحتاجونه ممن يعيشون وسط صراعات أو عاشوا وسطها".

وردًّا على سؤال لـ"للعلم" حول طبيعة الاستثمار المستدام الذي دعت منظمة الصحة العالمية إلى تقديمه لضحايا الصراعات المسلحة، يقول "أوميرين": "إن هذا الاستثمار يتمثل في تطوير الخدمات الصحية العقلية في تلك المناطق، وأن تكون الرعاية الصحية متوافرةً في كل المواقع المتضررة من جَرَّاء هذه الصراعات من خلال توفير الرعاية الصحية الأولية وما تحتاج إليه المستشفيات العامة من دعم؛ إذ تعمل منظمة الصحة العالمية على توفير الدعم الصحي والنفسي للسكان المتضررين من هذه الصراعات، وتحديد مدى الدعم الذي يمكن تقديمه لهم على أرض الواقع".

ويضيف أنه "على الرغم من العواقب المأسوية التي تخلفها الصراعات المسلحة، فإنها يمكن أن تكون بمنزلة عامل محفز لتوفير خدمات مستدامة عالية الجودة للصحة النفسية والعقلية يتمتع بها جميع سكان تلك المناطق على المدى الطويل، بشرط أن تتوافر الإرادة السياسية الرامية إلى تحقيق ذلك".

ووجدت الدراسة أيضًا أن معدلات الاكتئاب والقلق في مناطق الصراع تكون أكثر شيوعًا بين النساء منها بين الرجال.

ويوضح "أوميرين"، في تصريحاته لـ"للعلم"، أن الدراسة لم تتوصل إلى سبب محدد وراء ارتفاع معدلات إصابة النساء (في تلك المناطق) بالاكتئاب مقارنةً بالرجال، مضيفًا أن "سبب ذلك قد يرجع إلى أن النساء يكون لديهن فرصٌ أقل في اختيار مصيرهن، سواء بالبقاء أو النزوح عن مناطق الصراعات المسلحة".