أدى التقدم في الوقاية من السرطان وتشخيصه وعلاجه في الولايات المتحدة إلى انخفاض سريع في معدلات وفياته ، إذ انخفضت من 240 فرد لكل 100 ألف فرد في عام 1980 إلى 192 لكل 100 ألف فرد عام 2014. ومع ذلك، فإنه لا يزال هناك تباينًا واضحًا في هذ المعدلات على مستوى الولايات - ربما يعود جزئياً إلى التباين  في  قدرة الوصول إلى الرعاية المتقدمة.

وللحد من هذه التباينات، كان من الضروري فهم مدى علاقة العوامل البيئية والسريرية والسلوكية كعوامل وسيطة في العلاقة بين متوسط دخل المقاطعة ومعدل وفيات السرطان فيها، فهناك فجوات في المعرفة، ومن غير الواضح أي من هذه العوامل الرئيسة تعمل كعامل وسيط أقوى للتأثير في العلاقة بين الوضع الاجتماعي الاقتصادي ومعدل وفيات السرطان. كما أنه ليس من الواضح ما إذا كانت هذه العوامل تفسر بشكل كافٍ الاختلافات الكبيرة في معدل وفيات السرطان بين المقاطعات المختلفة.

في هذا السياق، عكفت دراسة حديثة على تحديد العلاقة بين دخل المالي على مستوى المقاطعة ومعدلات الوفاة بالسرطان. ووفق الدراسة، "كانت الهدف هو تقييم التفاوت في معدلات الوفاة بالسرطان بين المقاطعات ذات الدخل المنخفض والمتوسط ​​والعالي، وتقييم اسهام التباين الجغرافي في معدلات الوفاة بالسرطان داخل مجموعات الدخل المختلفة وفيما بينها؛ لتحديد العوامل التي قد تكون بمثابة وسطاء لتباينات معدلات الوفاة في المقاطعات".

وأظهرت النتائج أنه في حين أن معدلات الوفاة بالسرطان قد انخفضت بشكل عام في الولايات المتحدة في العقود الأخيرة،  إلا إنه لا تزال هناك تفاوتات كبيرة بين المقاطعات الأمريكية المختلفة، وهي في تزايد مستمر.

لدراسة العوامل التي قد تغذي هذه التباينات، قام فريق من باحثي ييل بتحليل البيانات المتاحة للجمهور التي توثق معدلات وفيات السرطان بكل مقاطعة.

قامت الدراسة المنشورة في دورية "أوبن نتورك جاما" JAMA Network Open  بمقارنة معدلات الإصابة في المقاطعات منخفضة، ومتوسطة، ومرتفعة الدخل. وباستخدام طريقة جديدة تعرف باسم تحليل الوساطة mediation analysis، حدد فريق البحث العوامل التي ارتبطت بهذه الفوارق.

بحثت الدراسة خلال سجلات وفيات المركز الوطني للإحصائيات الصحية منذ عام 2014، التي تناولت كافة المقاطعات بالولايات المتحدة الأمريكية، وعلاقتها بمتوسط دخل كل مقاطعة وتقديرات الفقر، من خلال بيانات مكتب الإحصاء السكاني بالولايات المتحدة.

واستعانت كذلك ببيانات عدد من المراكز، منها مركز السيطرة على الأمراض واتقائها ورابطة أمراض الرئة الأمريكية والمعهد الوطني للسرطان.

وأكد فريق البحث أن هناك تباينات كبيرة على مستوى المقاطعة في الوفيات الناجمة عن السرطان، تتراوح من 186 حالة وفاة لكل 000 100 شخص في المقاطعات ذات الدخل المرتفع إلى 230 حالة وفاة لكل 000 100 شخص في المقاطعات ذات الدخل المنخفض.

سلوكيات محفوفة بالمخاطر

وجد تحليل الوساطة أن معظم التباينات يمكن تفسيرها بعدد صغير من العوامل الرئيسية. ويعزو باحثو الدراسة ذلك إلى مجموعة من العوامل الرئيسية التي تتمثل في السلوكيات المحفوفة بالمخاطر الصحية، مثل التدخين والسمنة وقلة الحركة، إلى جانب العجز عن الحصول على رعاية طبية جيدة، أو سوء جودة الرعاية المقدمة، إلى جانب عوامل تتعلق بالبيئة والسياسات الصحية.

وتؤكد الدراسة أيضا حقيقة أنه في حين أن معدلات الوفاة بالسرطان تتأثر بالتقدم في علاج السرطان، إلا أن كثير من التفاوتات في معدلات الوفاة يمكن أن تعزى إلى أسباب خارج العلاج، مثل التدخين والسمنة.

كما كشفت عنأن الأمن الغذائي كان العامل الأكبر تأثيرًا في تباين معدلات الوفيات، تلاها سوء الرعاية الصحية المقدمة، ثم التدخين.

يفسر الباحثون ذلك بأن سوء الرعاية المقدمة قد تؤدي إلى تأخير التشخيص والعلاج، مثلما قد يؤدي انعدام الأمن الغذائي إلى حدوث بعض الحالات السرطانية بسبب سوء التغذية.

ويرى الباحثون أن نتائج الدراسة تعطي دليلًا قويًا على علاقة التدخين والبدانة وقلة الحركة بالوفاة من السرطان، مثلما تسلط الضوء على ضرورة التدخل المجتمعي لمواجهة المخاطر الصحية المتركزة في المناطق ذات الدخل المتوسط والمنخفض بالأخص.

وتشدد نتائج الدراسة كذلك على أن الاختلافات العرقية قد تتسبب في ازدياد معدلات وفيات السرطان في المناطق منخفضة الدخل، فقد وجدت أن الأمريكيين ذوي البشرة السوداء لديهم أعلى معدل وفاة من السرطان داخل هذه المناطق، لذا أوصت الدراسة بضرورة مواجهة ما يعرف بالعنصرية البنيوية.

والعنصرية البنيوية هي الطريقة التي يتخذ بها المجتمع قرارات بشأن توزيع المال والسلطة على الأشخاص أو المجتمعات على أساس العرق، وفق "جيريمي م. أوكونر"، الأستاذ بكلية طب جامعة ييل والباحث الرئيس بالدراسة ، مضيفًا أنه في الولايات المتحدة، هناك تباينات صارخة وطويلة الأمد في الوصول إلى الرعاية الصحية والنتائج على أساس العرق، حيث يحصل غير البيض على نتائج صحية أسوأ.

وأظهرت أن التفاوت في الوفيات بالسرطان يمكن أن يعزى إلى مزيج من العوامل التي تشمل الدخل والسلوك. يشير "أوكونر" إلى أن "الورقة تقترح أن كل هذه العوامل تتفاعل لتؤدي إلى تفاوتات. ليس فقط السلوكيات الصحية أو جودة الرعاية ؛ ولكن كل هذه العوامل مجتمعة. "

ويفسر "أوكونر" لـ"للعلم" نتائج الدراسة قائلًا: "فوجئنا عندما اكتشفنا أن انعدام الأمن الغذائي هو العامل الأقوى. استمرت العلاقة حتى بعد تعديل النموذج لمراعاة معدلات السمنة. لذا، يبدو أن هناك علاقة بين انعدام الأمن الغذائي ومعدلات الوفاة بالسرطان بشكل مستقل عن العلاقة بين انعدام الأمن الغذائي والسمنة".

ويضيف أنه: "من المحتمل أن يكون الأشخاص الذين يعيشون في المناطق التي تعاني من مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي أقل فيما يتعلق بمؤشرات التغذية الصحية؛ لأنه يصعب عليهم العثور على أطعمة صحية".

ويشدد على أنه: "من الممكن أيضا أن يرتبط انعدام الأمن الغذائي بعامل آخر لم نقم بتفسيره في النموذج - مثل الدعم الاجتماعي أو الطرق التي يتم بها تنظيم بيئة المجتمع- وأن قوة العلاقة بين انعدام الأمن الغذائي ومعدلات الوفاة بالسرطان قد تنخفض إذا كنا قادرين على إيجاد مزيد من العوامل".

ويستطرد: "لقد وجدنا معدلات خطر أعلى للإصابة- بما في ذلك ارتفاع معدلات قلة الوصول إلى الرعاية الصحية- في المقاطعات التي يتواجد بها عدد أكبر من السود أو الأمريكيين من أصل أفريقي.

ويوضح أن هذه النتيجة مثال آخر للنمط التاريخي الذي يتم فيه توزيع موارد الرعاية الصحية بشكل غير متكافئ عبر المجتمعات الأمريكية على أساس هياكلها الديموغرافية العنصرية أو العرقية.

وينوه إلى أن "إحدى مناطق القوة في هذه الدراسة هي استكشافها للاختلافات في هذه العوامل على مدى مقاطعات الولايات المتحدة. وهذا النوع من التحليل يمكن أن يساعد المجتمعات المحلية في تحديد أي من هذه العوامل المؤثرة في معدلات الوفيات بالسرطان لديهم، مما يمكنهم من إنشاء برامج صحية عامة وتشريع سياسات للتخفيف من وطأة هذه العوامل".

ويؤكد أوكونر لـ"للعلم" على أنه لا يمكن تعميم النتائج على دول أخرى، على الرغم من أن العديد من البلدان لديها تفاوتات صحية معروفة حسب مستوى الدخل".

ويضيف "كاري ب.جروس"، الأستاذ بكلية طب جامعة ييل، وأحد باحثي الدراسة، لـ"للعلم" أن "الكشف عن العوامل المسببة للوفيات الناجمة من السرطان أمر مهم؛ كما أنه من المهم أيضا العثور على المزيد من العلاجات الجديدة للسرطان، وبذل أقصى جهد بغرض تقليل احتمال الإصابة بالسرطان في المقام الأول، والتأكد من حصول الجميع على فرص متساوية من الرعاية عالية الجودة إذا أصيبوا بالسرطان".

وكجزء من منهجية البحث، ابتكر الباحثون أيضًا خرائط لتوضيح معدلات التفاوت في الوفيات بسبب السرطان. سيسمح هذا النهج لمسؤولي الصحة العامة في مناطق مختلفة من البلاد بتحديد العوامل المحددة التي تؤثر في مقاطعاتهم، والاستجابة وفقًا لذلك. يقول "أوكونور": "بدلاً من تعامل كل مقاطعة مع جميع العوامل، يمكنهم توجيه برامج الصحة العامة الخاصة بهم إلى العوامل الأكثر أهمية لمجتمعهم".

الأكثر فقرًا الأكثر تضررًا

تعزز نتائج هذه الدراسة دراسة علمية أخرى نشرتها  دورية كانسر جورنال أوف كلينشنزناقشت خلالها العلاقة بين حالات الإصابة بالسرطان ومعدلات الوفاة والشفاء وبين عوامل العرق والفقر والثقافة والظلم الإجتماعي.

وجدت الدراسة أن سكان المقاطعات الأكثر فقرًا لديها معدلات وفاة أعلى من المقاطعات الأكثر ثراء، وأن المجموعات العرقية المتواجدة ضمن المناطق الأكثر فقرًا، مثل الأفارقة السود، والأمريكيين الهنود لديها معدلات وفاة أعلى، ومعدلات نجاة أقل تعادل خمس سنوات كفارق من نظرائهم البيض.

وأشارت إلى أن السلوكيات الحياتية، مثل التدخين الكثيف وتناول الكحوليات، واتباع نظام غذائي غني بالدهون الحيوانية يؤدي إلى ارتفاع معدلات الإصابة والوفيات الناجمة عن السرطان.

يوضح أحد مسئولي المعهد الوطني للسرطان بالولايات المتحدة الأمريكية لـ"للعلم" أنه "بجانب وجود العوامل الصحية والسلوكية الخاطئة وانخفاض معدلات الرضاعة الطبيعية، قد يعاني الأشخاص الذين يعيشون في المناطق الأكثر فقرًا من معدلات أعلى من التعرض لعوامل الخطر البيئية والتي يسبب بعضها السرطان، مثل عوادم السيارات في المناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة".

ويضيف أنه "لوحظ كذلك انخفاض مشاركة الأقليات العرقية غالبًا في التجارب الإكلينيكية، ما يشير إلى أن احتمال أن النتائج قد لا تنطبق على هذه الأقليات بشكل كامل".

الصدمات عامل مساعد

تقول "فاتن محمد عبد الغفار"، الأستاذ المتفرغ بعلم الاجتماع في كلية الآداب جامعة المنصورة، والتى تصف نفسها أيضًا بأنها إحدى الناجيات من السرطان، "إن العوامل الاجتماعية عوامل مساعدة وليست مسببة للمرض".

تختلف "عبد الغفار" مع بعض ما انتهت إليه نتائج الدراسة، حيث تقول إن الفقر ليس له علاقة بالإصابة بمرض السرطان؛ حيث يشاهد فئات من مستويات اجتماعية مختلفة مصابة بالمرض، لكن قد يؤدي الاختلاف في المستوى الاجتماعي إلى اختلاف جودة العلاج المتاح والإمكانيات المتوفرة للمريض، وفقًا لقدراته المادية".

وتضيف: "قد تساعد الصدمات الاجتماعية والعاطفية أو الأحداث الجارية أو وفاة شخص عزيز أو وقوع حدث كبير مزلزل للشخص، كذلك كثرة المشكلات وأسلوب الحياة نفسه سواء كان في نوعية التغذية والسمنة والتدخين في حدوث السرطان".

فيما يقول "سليم سلامة"، المستشار الإقليمي للوقاية من الأمراض غير السارية ومكافحتها بمنظمة الصحة العالمية، لـ"للعلم": "لقد زادت أعمار الأشخاص بفضل التقدم الطبي وارتفاع متوسط العمر؛ إلا إن ذلك يعرضهم للعوامل المؤدية للسرطان لفترات أطول من غيرهم، الأمر الذي يشهد ارتفاعًا في مختلف دول العالم".

ويضيف: "كذلك يسهم اكتشاف الإصابة ببعض السرطانات مبكرًا؛ في علاجها مبكرًا والشفاء منها، إلا إنه في الواقع يتم اكتشاف معظم حالات الإصابة بسرطان متأخرًا للغاية، حيث يكون المرض قد تفشى في مناطق أخرى بالجسم، كما هو حال المصابات مع سرطان الثدي"، مفسرًا ذلك بأنه يعود أحيانًا إلى خوف بعض النساء من الاستشارة، حتى أن بعضهن قد لا يستطيع التحدث مع أزواجهن أو عائلاتهن، فيبقونه سرًا لمدة طويلة؛ فهناك وصمة اجتماعية مرتبطة بالسرطان.

لكن سلامة يستدرك قائلًا إنه: إذا تم توعية الناس فذهبوا إلى المراكز الصحية فتفاجئوا بعدم وجود الأطباء المتخصصين والأجهزة التشخيصية والعلاج فلا معنى لتوعية الأفراد، لذا من المهم أن يتم التشخيص أولًا، حيث يمكن للطبيب أن يوجههم للمركز المتخصص، ومن ثم يحصل المصاب على العلاج الملائم.

 ويشير إلى أنه يجب أن تتوفر أساليب علاجية مختلفة وهو ما نفتقده في بلادنا العربية، فلا يوجد توجه منهجي واضح، فبعض الجمعيات الأهلية تقوم بعمل حملات توعية لكن لا يوجد نظام معتمد، وعندما يحصل الأشخاص على تشخيص يصدمهم ارتفاع ثمن العلاج وقد يتوقفوا عن استكماله، لذلك يجب أن نهتم بتأسيس البنية التحتية اللازمة وتوفير الكفاءات والموارد البشرية المتخصصة من أطباء وجراحين وغيرهم.

ويضيف: "يجب على المشرعين إدراك أولوياتهم فيما يتعلق بمكافحة السرطان، ففي مصر على سبيل المثال، يجب أن نولي العناية للسرطانات الأكثر انتشارًا، مثل سرطان الثدي وسرطان عنق الرحم وسرطان القولون والمستقيم، حيث يمكن اكتشافهم مبكرًا وبالتالي يمكن أن تصل نسب الشفاء إلى 80%، أما سرطانات، مثل سرطان الثدي، فلا يمكن علاجها بسهولة لسوء الحظ، لذا يجب أن نركز على الوقاية منها، فيجب أن نوجه الجهود بشكل منهجي منظم نحو الكشف المبكر عن السرطانات التي يمكن علاجها".