سواءٌ كنت تقود سيارتك متجهًا إلى عملك أو عائدًا من أداء مهمةٍ ما، أو حتى لو كنت تمارس رياضة "السير" في الأماكن المفتوحة، فإنك تعتمد في كل تحركاتك على "خرائط خاصة بالمواقع المهمة"، وفق ما انتهت إليه دراسةٌ أعدها فريق من الباحثين في جامعة "كولومبيا" الأمريكية.

وتشير الدراسة، التي نشرتها دورية "نيورون "(Neuron)، اليوم "الخميس"، 31 يناير، إلى أن "جميع البشر يحملون في رؤوسهم خرائط خاصة بالمواقع المهمة، فسائق التاكسي والمسافر الراغب في العودة إلى منزله يستدعي دماغه الذكريات الخاصة بالطريق للوصول إلى هدفه عبر رسم خريطة في خياله".

وتؤدي "مرونة الدماغ" دورًا بارزًا في عملية التذكُّر تلك، وهو الأمر الذي سيوفر نظرةً ثاقبةً على مجموعة من الاضطرابات النفسية التي تنجم عن تعطُّل تلك المرونة، مثل التوحد والفصام.

ومن المعروف أن هناك مجموعة صغيرة من الخلايا العصبية الموجودة في منطقة "الحصين" تعمل كجهاز توجيه داخلي، تساعد الشخص على توجيه نفسه في المكان، وهي الخلايا التي اكتشفها "جون أوكيف وماي بريت موزر وإدوارد إي موزر"، وحصلوا من خلالها على جائزة نوبل للطب عام 2014.

ولطالما توقع العلماء أن تلك الخلايا يتغير نشاطها مع تشكل الذكريات أو استدعائها، إلا أن تلك الدراسة -التي استغرقت 3 سنوات- هي الأولى من نوعها التي تُثبت أن سلوك الدماغ الخاص بتحديد المواقع يتشكل عبر تغيُّر نشاط العصبونات الدماغية.

من جهته، يقول "آتيلا لوسونزي"، أستاذ علوم الأعصاب بجامعة كولومبيا، والباحث الرئيسي في الدراسة: "إن الذكريات تشبه السوائل؛ إذ تتدفق في الدماغ عبر عصبونات مرنة توجد في منطقة الحصين، ويرتفع نشاطها أو ينخفض وفق التغيرات البيئية المحيطة".

بدأ "آتيلا" دراسة أثر البيئة المحيطة على خلايا GPS الدماغ في عام 2016، ووجد أن النشاط العصبي لفئران التجارب التي تبحث عن المياه في المعمل يرتفع كلما اقترب الحيوان من مصدر المياه.

وحين وصل العلماء إلى ذلك الاكتشاف، بدأوا في البحث عن السبب المؤدي إلى ارتفاع ذلك النشاط، ليجدوا أن الأمر –عند فئران التجارب- يتعلق بتذكُّر مكان المياه، فكلما اقترب الفأر من المياه، لاحظ العلامات التي وضعها العلماء في طريقه، وحين يتذكر رؤيته للعلامة في وقت سابق، تتدفق الذكريات فترفع من نشاط العصبونات".

وهناك نوعان من الخلايا العصبية، أحدهما مثير والآخر مثبط، وتقود الخلايا العصبية المُثيرة نشاط العصبونات، وعلى النقيض، تتسبب الخلايا العصبية المثبطة في قمع النشاط العصبي.

وفحص العلماء في تلك الدراسة نوعًا من الخلايا العصبية المُثبطة الموجودة في منطقة الحصين، والتي تُسمى بـCA1، وراقبوا نشاط الخلايا العصبية في فئران تجارب عُرض عليها مشاهد وأصوات بعضها مألوف وبعضها جديد، ليجدوا أن نوعًا من الخلايا العصبية تُسمى VIP تنشط فور عرض المشاهد المألوفة.

وحين قام العلماء بإيقاف مهمة خلايا CA1 المثبطة –والتي تعمل بمنزلة مكابح لخلايا VIP- وجد الباحثون أن الفئران تعلمت بشكل أسرع، وتزايدت مرونة دماغها، وتدفقت ذكرياتها بصورة أفضل، حسبما يقول "لوسونزي" في تصريحات خاصة لـ"للعلم".

يضيف "لوسونزي" أن "إيقاف عمل الخلايا المُثبطة يُمكن أن يحسِّن من عملية تشكيل الذكريات واسترجاعها، وهو ما يساعد في علاج الاضطرابات العصبية النفسية المتعلقة بعدم التوازن بين نشاط الخلايا المثيرة والخلايا المُثبطة"، على حد وصفه.