توصلت دراسة أعدها فريق من الباحثين الدوليين، برئاسة لورين إم فايس- أستاذ الفيزياء الفلكية بجامعة مونتريال الكندية- إلى أن "الكواكب الخارجية" في الأنظمة المتعددة، أي التي تدور حول نفس النجم، تميل إلى أن يكون لها أحجام متماثلة ومدارات منتظمة البُعد عن النجم.

استخدم الباحثون مرصد "دبليو. إم. كيك" W. M. Keck Observatory في هاواي بالولايات المتحدة الأمريكية، لدراسة الأرصاد الطيفية لـ2025 كوكبًا تدور حول 1305 من النجوم المكتشفة سابقًا بواسطة التلسكوب الفضائي "كبلر" التابع لوكالة الفضاء والطيران الأمريكية (ناسا)، بهدف تحديد أحجام تلك النجوم والكواكب التابعة لها بدقة عالية.

وركز فريق العمل جهده على 909 كواكب تنتمي إلى 355 من الأنظمة الكوكبية المتعددة، تقع على أبعادٍ شاسعةٍ جدًّا من الأرض تتراوح بين 1000 و4000 سنة ضوئية (السنة الضوئية هي المسافة التي يقطعها الضوء في عام كامل، وهي تساوي 9.461 تريليونات كيلومتر).

 ومن خلال التحليل الإحصائي لأطياف تلك النجوم، توصل فريق العمل إلى نتيجتين جديدتين، الأولى أن الكواكب الخارجية التي تدور حول النجم نفسه حجمها متماثل، والثانية أن مداراتها على أبعاد منتظمة من النجم الأم، "تمامًا مثل نبات البازلاء في جرابها".

رصد من الأرض والفضاء

تقول فايس في تصريحات لـ"للعلم": "إن التكنولوجيا المتطورة الموجودة في المراصد هي التي جعلت دراسة الكواكب الخارجية ممكنة؛ إذ يتم الرصد من الأرض والفضاء معًا، وقد تم الاعتماد على مرصد كيك الذي يقع على قمة جبل مونكي بجزر هاواي على ارتفاع 4200 متر فوق مستوى سطح الأرض، لذلك يُعَدُّ موقعه مثاليًّا للرصد، فضلًا عن أنه من أكبر المراصد الضوئية في العالم".

ووفق فايس فإن "الدراسة استغرقت أربع سنوات، ثلاث منها لجمع البيانات من تلسكوب كيك، ثم تحليلها ومعرفة الخصائص النجمية الدقيقة لـ355 نجمًا، تضم أنظمة كوكبية متعددة تم اكتشافها مسبقًا بواسطة مرصد كبلر".

ووفقًا لأرشيف ناسا، هناك 3588 كوكبًا تأكَّد وجودها خارج المجموعة الشمسية حتى 25 يناير الماضي، فيما بلغ عدد الكواكب المرصودة بواسطة التليسكوب الفضائي "كبلر" 2341 كوكبًا.

وتختلف الكواكب الخارجية عن بعضها، فمنها كواكب غازية أو صخرية ضخمة أو صغيرة أو تدور حول أكثر من نجم، أو تسبح في الفلك وتدور حول أقزام بنية، ومن الممكن أن يحتوي بعضها على حياة رغم أن ذلك لم يُكتشَف بعد.

مجموعتنا الشمسية استثناء

لكن الأمر يبدو مختلفًا تمامًا في مجموعتنا الشمسية، فالكواكب الداخلية لها أبعاد واسعة وأحجام متباينة، وهو ما تشدد عليه فايس؛ إذ تقول: "إن الأنظمة النجمية لا تشبه كلها البازلاء في جرابها، بدليل أن مجموعتنا الشمسية تُعَدُّ استثناءً من ذلك".

وتذهب فايس إلى أن "المشتري وزحل تسببا في حدوث اضطراب في بنية النظام خلال مراحل تكوُّنه الأولى، ما أدى إلى تشكُّل أربعة كواكب أرضية عملاقة، هي: المشتري وزحل وأورانوس ونبتون".

ولاختبار تلك الفرضية العلمية، تجري فايس دراسةً جديدةً على كوكب المشتري؛ أملًا في معرفة مدى تأثير وجود الكواكب العملاقة على تناسُق باقي الكواكب في مدارها حول النجم الأم، على حد وصفها.

إشارة صغيرة في الفضاء

وعن كيفية رصد الكواكب الخارجية في الدراسة، يقول إيان كروسفيلد -الأستاذ المساعد بقسم الفيزياء بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا- لـ"للعلم": "إن التحليل الطيفي يُستخدم لدراسة الضوء الصادر من الكواكب الأخرى لمعرفة كيف يتشكل غلافها الجوي، وهذا يشبه دراسة ضوءٍ تفرَّق إلى ألوان مختلفة داخل منشور".

يضيف كروسفيلد -وهو باحث غير مشارك في الدراسة- أن "هناك تحديات كثيرة في دراسة الكواكب الخارجية؛ لأن الإشارات الصادرة منها ضعيفة جدًّا، ومع أن العلماء يستخدمون أفضل تلسكوبات ممكنة على الأرض وفي الفضاء، إلا أن أيًّا من تلك المراصد لم يُصمَّم من أجل دراسة الكواكب الخارجية".

ويشدد على صعوبة عمليات الرصد، قائلًا: "نكافح في بعض الأحيان لرؤية إشارة صغيرة في الفضاء"، لافتًا إلى أن إطلاق مرصد جيمس ويب الفضائي JWST "سيوفر قدرة رصد لا مثيل لها، ودقةً غير مسبوقة في دراسة أجواء الكواكب خارج المجموعة الشمسية"، وفق قوله.

صُمم تلسكوب جيمس ويب الفضائي من قِبَل مركز غودارد لرحلات الفضاء التابع لناسا، لرصد الكون باستخدام ضوء الأشعة تحت الحمراء، وهو ما لا تستطيع التلسكوبات العاملة بالضوء المرئي عمله، إذ إن تلك الأشعة تمر خلالها، أو أنها لا تنعكس بشكل فعال.

كبلر وطريقة العبور

"أدى مرصد كبلر الذي أُطلق عام 2009، دورًا مهمًّا في رصد الكواكب الخارجية في الدراسة"، على حد قول سمية سعد، أستاذ الفيزياء الفلكية بالمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، موضحةً أن "المرصد يستخدم تقنية كشف غير مباشرة تُعرَف بطريقة العبور؛ إذ يبحث عن انخفاضات صغيرة ومنتظمة التغيُّر في شدة الضوء المنبعث من نجمٍ ما نتيجة عبور كوكب أو أكثر أمام سطحه".

وحول طرق الرصد التي اتبعتها الدراسة، تقول سعد إنها "تتميز بأنها ليست طرقًا مباشرة؛ لأنها تعتمد على أن الكوكب يؤثر على النجم الأم في مداره، ومن خلال مراقبة التغيُّرات على النجم الأم يمكن اكتشاف أجسام تابعة له، لذلك كان اكتشاف الكواكب ذات الكثافات العالية والشبيهة بالمشتري وزحل أسهل بكثير من اكتشاف تلك الكواكب الشبيهة بكوكب الأرض وما دونها".

 نقلة جديدة

من جهته، يرى عبد الفادي مرقس -أستاذ النسبية وعلم الكون بالمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، ورئيس وحدة الكواكب الخارجية بمرصد القطامية- في تصريحات لـ"للعلم" أن "الدراسة تمثل نقلة جديدة؛ إذ إنها تُرسي فكرتي التماثل والتجانس، وتؤكد نظريات سابقة بُنيت على هذا الفكر".

وبالنسبة للاختلاف الذي اكتشفته الدراسة بين الكواكب الخارجية ومجموعتنا الشمسية يقول مرقس: "إن هناك تفاوتًا كبيرًا بين كتل وأحجام كواكب المجموعة الشمسية، أما مداراتها حول الشمس فمنتظمة"، مضيفًا أن هناك مَن يرى أن المشتري وزحل عرقلا بنية النظم في مجموعتنا، لكن على الجانب الآخر هناك دراسات تمت لإثبات العكس، بل ولتأكيد أنهما كانا سببًا لاستقرار النظام الشمسي، قائلًا: "ربما يكون الجميع على حق؛ فأي نظام مستقر يحول دون تكوُّن نظمٍ أخرى"، وفق وصفه.

ويرى جمال الدين نجيب -الباحث المساعد بقسم الفلك بالمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية- في تصريحات لـ"للعلم" أنه "إذا عرفنا ما الذي يتحكم في حجم الكوكب، سيسهل معه معرفة طبيعة النجوم التي تدور حولها كواكب شبيهة بالأرض، وسبب اختلاف مجموعتنا الشمسية عن هذه المجموعات".