وكأن قدرة النبات على صنع الطعام من الضوء لم تكن مذهلةً في حد ذاتها بما يكفي، حتى نكتشف مهارة متطورة أخرى من ذخيرة المهارات النباتية: إنها القدرة على تنفيذ عمليات القسمة الحسابية، على الأقل على المستوى الجزيئي.

توضح النماذج التي صُنعت بواسطة الكمبيوتر -والتي نُشرت في دورية "إي لايف" eLife- كيف تستطيع النباتات استخدام الرياضيات الجزيئية لتنظيم المعدل الذي تستهلك به مخزون النشا لتوفير الطاقة طوال الليل، وذلك عندما لا تتوفر الطاقة الشمسية. ويقول مؤلفو الدراسة إنه إذا كان الأمر كذلك، فهذا يُعَد أول مثال للقدرة على تنفيذ عملية القسمة الحسابية في علم الأحياء.

غير أن هذه الحالة قد لا تكون الوحيدة: فالكثير من الحيوانات يمر بفترات صيام –على سبيل المثال خلال فترات السبات الشتوي أو الهجرة- وفي تلك المرحلة لا بد من تقنين استخدام مخزون الطاقة الداخلية بحرص من أجل البقاء على قيد الحياة. وقد يكون فهم كيفية تنفيذ القسمة الحسابية على المستوى الجزيئي مفيدًا لمجال علم الأحياء التركيبي حديث العهد، وهو العلم الذي يبحث فيه المختصون بالهندسة الوراثية عن طرق قياسية للعمل على المسارات الجزيئية؛ بهدف إنشاء أجهزة بيولوجية جديدة.

يقول رودريجو جوتيريز -وهو عالِم أحياء متخصص في الأنظمة النباتية في الجامعة البابوية الكاثوليكية في سانتياجو بتشيلي، لم يشارك في هذا العمل-: "هذا إطار عمل جديد لفهم التحكم في عمليات الأيض. وأفكر في تطبيقه على مشكلات أخرى على الفور".

القسمة للبقاء على قيد الحياة

تجعل النباتات مخزونها من النشا الذي أنتجته طوال فترة النهار يدوم حتى الفجر تقريبًا. وكان الباحثون في الماضي يظنون أن النباتات تقوم بتحليل النشا بمعدل ثابت في أثناء الليل، لكنهم لَحَظوا بعد ذلك أن العشب الصغير المعروف باسم "أرابيدوبسيس تاليانا" (Arabidopsis thaliana) –وهو نبات يفضل الباحثون استخدامه في التجارب المعملية- يمكن أن يعيد حساب هذا المعدل بسرعة كبيرة عند تعرضه لظلام الليل مبكرًا أو متأخرًا بصورة غير التي اعتاد عليها.

وكان هذا بالنسبة لأليسون سميث ومارتن هاوارد -من مركز جون إينيز في نوريتش بالمملكة المتحدة- وزملائهما يشير إلى وجود حسابات جزيئية أكثر تعقيدًا. افترض الفريق وجود جزيئين: أحدهما يكشف للنبات الكمية المتبقية من النشا (واستخدموا الرمز S للإشارة إليه)؛ والآخر يخبر النبات بالوقت المتبقي حتى طلوع الفجر (واستخدموا الرمز T للإشارة إليه).

وأنشأ الباحثون نماذج رياضية لتوضح، مبدئيًّا، أن تفاعلات هذه الجزيئات يمكنها بالفعل أن تتحكم في معدل تحلُّل النشا، بحيث يعكس عملية حساب متواصلة لحاصل قسمة الكمية المتبقية من النشا على مدة الوقت المتبقي حتى بزوغ الفجر.

على سبيل المثال، توقعت النماذج أن النباتات ستقوم بضبط معدل تحلل النشا إذا ما تخللت الظلامَ فترة من الضوء. وخلال هذه الفترة من الضوء، يمكن للنباتات مرة أخرى إنتاج النشا. وكما توقعت النماذج، فإنه عندما انطفأت الأضواء مجددًا كان معدل تحلل النشا يتكيف مع هذه الزيادة في كمية النشا المخزن؛ وهي النتيجة التي أكدها الباحثون في نبات "أرابيدوبسيس تاليانا".

ثم قام الفريق بعد ذلك بالبحث في الأبحاث المنشورة عن طفرات جينية في نبات "أرابيدوبسيس تاليانا"، لديها إعاقة معروفة في المراحل المختلفة خلال عملية تحلل النشا. وقد كشف هذا عن توافُق هذه النماذج مع سلوكيات تلك الطفرات، وهو ما يؤدي إلى وجود مقدار من النشا في نهاية الليل يفوق الكمية المعتادة.

مبادئ بسيطة

للتوصل إلى البروتينات التي قد تكون تتفاعل مباشرة مع نظام الحساب المبني على فرضية الجزيئين S/T، أخضع الباحثون أيضًا هذه الطفرات الجينية لفترة ظلام مبكر على نحو غير متوقع؛ وهو الوضع الذي من شأنه أن يتسبب عادةً في تباطؤ تحلُّل النشا عند النباتات. عندئذٍ لَحَظ الباحثون وجود طفرة واحدة لم تتمكن من تغيير المعدل الذي تستهلك به النشا استجابةً لهذا الوضع. وهذا يشير إلى أن الجين الطافر -الذي يُطلَق عليه PWD- يعمل عادةً على تنظيم هذه الاستجابة، وربما يكون عنصرًا أساسيًّا في العمليات الحسابية الجزيئية التي يجريها النبات.

يقول جوتيريز إن مفهوم القسمة الحسابية البيولوجية يقدم مبدأ نمذجة بسيطًا، من شأنه أن يحفز طرقًا جديدة في دراسة عملية الأيض؛ وذلك رغم أنه غير مقتنع تمامًا بأن النباتات يمكنها القيام بعملية القسمة بالطريقة التي يقترحها النموذج؛ فيقول: "لا أدري حقًّا ما إذا كانت النباتات تقوم بهذه العملية أم لا، لكن النهج في حد ذاته مبهر".

ويشير هاوارد إلى أن سلسلة التفاعلات التي تقف وراء هذه العمليات ليست غير مألوفة تمامًا، ويمكن للمرء أن يتصور بسهولة سيناريوهات أخرى تساعد فيها التفاعلات الكيميائية الخلايا على تنفيذ عمليات رياضية أبسط، مثل الجمع والطرح والضرب. ولكن يشير هاوارد إلى أن القفزة الفكرية التي نقلتنا إلى تصوُّر أن هذه التفاعلات تقوم بعملية دالة حسابية مثلت خطوة مهمة في صناعة هذا النموذج، وساعدت الفريق على التوصل إلى توقعات قابلة للاختبار.

ويقول هاوارد: "إننا نتعامل مع عملية بيولوجية أساسية في الخلايا تقوم بعمليات حسابية متطورة. ولم يسبق أن فكر أحد حقًّا في أن يسلك هذه السبيل قبل اليوم".