لوقع الكلمات صدى وبريق، ولهمسات الأذن سحر يخلب عقول المتلقين ويخلق حالة تعايش حميمية لسماع حكايات ترويها ألسنة من عهود قديمة لم نشهدها، وأخرى لقصص باتت واقعًا في الحياة اليومية حتى صرنا لا نسأل عن مصدرها.

وفي الثلاثين من سبتمبر الماضي، احتفل العالم باليوم الدولي لـ"البودكاست"، أو ما يُعرف بـ"التدوين الصوتي"، الذي وصفته "سبحان هوج" -التي تُشارك في إنتاج بودكاستات سردية نالت عنها كثيرًا من الجوائز الدولية- بأنه "أعطى أكثر من نفَس جديد للإذاعة. ففي بضع سنوات فقط، غيَّر مفهومها، وفي الوقت نفسه مكَّنها من نسج علاقات وثيقة إلى حدٍّ كبير مع المستمعين".

تقول "هوج" في مقال نشرته منظمة "اليونسكو": تعود نشأة البودكاست إلى سنة ٢٠٠٤، آنذاك، كان الأمر يتمثّل فقط في ابتكار تكنولوجي يُتيح للمحطات الإذاعية بثّ برامجها بشكل غير مباشر. فكان بإمكانها نشر البودكاست على الإنترنت، وبإمكان المستَمعين تحميلها وفق ما يُناسبهم. ومصطلح "بودكاست" هو دمج بين كلمتي "آيبود" (المشغل المحمول الذي اخترعته شركة آبل الأمريكية، والذي يتيح للمستخدمين تنزيل الملفات الصوتية) وبرودكاست (التي تعني "البث" باللغة الإنجليزية). أما عبارة "بودكاست"، فقد اخترعها الصحفي بن هامرسلاي من صحيفة الجارديان كمصطلح يعكس هذه الخصائص.

تعود فكرة "اليوم الدولي للبودكاست" إلى الأمريكي "ستيف لي"، الذي راودته الفكرة في صيف عام 2013 قبل إطلاقها بصورة فعلية في 30 سبتمبر من عام 2014، وقتها استمع "لي" إلى برنامج إذاعي بمناسبة اليوم الوطني لكبار السن.

يقول "لي": هناك يوم وطني للبطاطس المقلية، ويوم وطني للفطائر، فلماذا لا يكون لنا يوم للبودكاست؟ وبدأت المغامرة من خلال تنظيم يوم وطني للبودكاست، التي شارك فيها ستة من مشاهير التدوين الصوتي في الولايات المتحدة في عام 2014.

وفي عام 2015، جرت إعادة تسمية الفعالية لتحمل اسم "اليوم الدولي للبودكاست"، وبين 2015 و2019، انضم إلى "لي" ورفاقه كثير من مشاهير البودكاست من حوالي 70 دولة، من ضمنها أستراليا ونيوزيلندا وتايلاند وبولندا وألمانيا وجنوب إفريقيا وجامايكا وإسبانيا والأرجنتين والمكسيك والإمارات العربية المتحدة ونيجيريا والفلبين والهند وفرنسا وسويسرا وإسكتلندا والمملكة المتحدة وفنلندا وكندا والولايات المتحدة.

وفي ظل تنامي "البودكاست" وانتشاره في عالم الإنترنت، كان لمجلة "للعلم" دور بارز في تطويع تلك المنصة الرقمية الواعدة لتقديم حلقات (صوتية) تقدم المواد العلمية بطريقة تجمع بين "سحر الصوت وبساطة الكلمة".

تشير داليا عبد السلام –رئيس تحرير مجلة "للعلم"- إلى أن فكرة تقديمها لبودكاست "علمي" بدأت قبل ثلاث سنوات من الآن وتحديدًا في 3 أكتوبر من عام 2017، حين قدمت أول بودكاست تحت عنوان "ثلاثة أمريكيين يحصدون جائزة نوبل للطب" لأنهم تمكنوا من تحديد الآليات الجزيئية التي تتحكم في الساعة البيولوجية، ومع بداية عام 2018، بدأت تقديم حلقات تتناول تاريخ علماء لا يُعرف عنهم الكثير.

تقول "عبد السلام": في البداية كنت أقدم الحلقات بلهجة عامية مبسطة ليفهمها عموم الناس، وكنت أركز على زوايا إنسانية في حياة هؤلاء العلماء، وكنت أتجنب التعمق في التفاصيل العلمية، كان هدفي أن أوصل للناس أن هؤلاء العلماء بشر مثلنا، ما يعني أنهم يمكن أن يكونوا مثلًا أعلى بالنسبة لنا، وأن قصص نجاح هؤلاء يمكن أن تكون مصدرًا لإلهام الآخرين.

من هؤلاء المخترع المجري وأستاذ الهندسة المعمارية "إرنو روبيك"، الذي ابتكر لعبة المكعبات الملونة -أو ما يُعرف بـ"مكعب روبيك"- التي بيع منها 350 مليون لعبة حتى يومنا هذا.

وهناك أيضًا العالِم الأمريكي "إيرفينج كولبور"، الذي تمكَّن من إنتاج ألواح زجاجية ذات جودة عالية تسمح لنور الشمس بدخول المباني، والصيدلاني والكيميائي الأمريكي جون بيمبرتون الذي اخترع الكوكاكولا، والأمريكي "جون هارفي كيلوج" -الطبيب وأخصائي التغذية والناشط الصحي- والذي يعود إليه إنتاج رقائق الذرة أو الكورن فليكس، والطبيب والفيزيائي الهولندي "ويليم يوهان كولف"، الذي اكتسب لقب "أبو الأعضاء الصناعية" وكان له الفضل في اختراع "الكلى الصناعية".

تضيف "عبد السلام": بعد ذلك تم استخدام البودكاست في إعداد "نشرة العلوم"، وهي فكرة مشتركة بيني وبين الزميل محمد منصور، وتهتم بالأخبار الطبية الحديثة ونشر الأخبار التي تمنح الأمل للمرضى.

وتتابع: أما النوع الثالث من البودكاست الذي تقدمه "للعلم" فيتعلق بقصص حياة العلماء الحاصلين على جائزة نوبل، وهي فكرة الزميل محمد منصور، وتستهدف التأريخ لقصص حياة هؤلاء العلماء على الصعيدين الشخصي والمهني، وقدمنا العديد من قصص هؤلاء العلماء مثل "أوتو هاينريش واربورغ" و"شارل نيكول" و"يوهانس فيبيجر" وغيرهم من العلماء الذين أثروا العالم باكتشافاتهم العلمية.