تواجه أعداد هائلة من الحيوانات مخاطر كثيرة قد تهدد بقاءها، بسبب ما يشهده كوكب الأرض من تسارُع في وتيرة التغيرات المناخية، وعلى وجه الخصوص في القطب الشمالي حيث تتقلص مساحات الجليد البحري، مما اضطر الدببة القطبية التي تستوطن منطقة بحر "بارنتس" إلى تغيير عاداتها الغذائية وطريقتها في قنص فرائسها.

وبالتزامن مع تغيُّر تلك العادات، أظهرت الدراسات أن الدببة التي تتنقل بين البحيرات الجليدية والحافة البحرية تعاني مستويات من التلوث في أجسامها أعلى من مثيلاتها التي تبقى في البرية، ولكن أسباب ذلك لم تكن معروفة. لكن دراسة نشرتها دورية "إنفيرومنتال ساينس آند تكنولوجي" (Enviromental Science & Technology)، التي تصدرها الجمعية الكيميائية الأمريكية، اليوم "الأربعاء"، 11 ديسمبر، حاولت إلقاء الضوء على الأسباب المحتملة.
تنقسم الدببة القطبية التي تعيش في بحر "بارنتس" إلى نوعين: النوع الأول يهاجر سنويًّا إلى البحر بغرض الصيد، أما النوع الثاني فيفضل البقاء على اليابسة للصيام أو الصيد، ونظرًا لنقص المساحات المتاحة من مسطحات الجليد البحرية، فقد اضطر كلا النوعين من الدببة إلى تغيير طريقتهما في الحصول على الغذاء.
وعلى مدار العقود الأخيرة، بدأت الدببة التى تفضل الذهاب الى البحر (الدببة السطحية) في الاتجاه إلى المناطق الشمالية من بحر "بارنتس"، مع تقلص المسطحات الجليدية في الجنوب، وأصبح عليها، في الآونة الراهنة، أن تهاجر إلى مسافات أبعد، في حين أن الزيادة في فترات اختفاء الغطاء الجليدي قد أجبرت الدببة التي تفضل البقاء على اليابسة (الدببة الساحلية) على صيد فرائسها من البرية، أو الاعتماد على مخزون أجسامها الاحتياطي من الدهون.
وأظهرت دراسات سابقة أن أجسام الدببة السطحية تحتوي على مستويات من التلوث أعلى من نظيرتها الساحلية، منها ملوثات عضوية ثابتة (POPs)، ولكن تلك الدراسات لم تفسر سبب وجود هذا التبايُن.
وفي محاولة لكشف هذا الغموض، تمكن بيير بلفين -من المعهد القطبي النرويجي- من جمع مزيد من البيانات التي يمكن أن ترسم صورة أوضح لطبيعة التأثيرات التي فرضتها التغيرات المناخية على الدببة القطبية.
قام "بلفين" وزملاؤه بجمع بيانات عن عادات الغذاء، وأنماط الهجرة، وطرق استهلاك الطاقة، إضافةً إلى الخصائص الجغرافية؛ لتقييم مدى الاختلاف بين كلا النوعين من الدببة القطبية، كما تم قياس مستويات الملوثات في الفرائس التي عادةً ما تتغذى عليها الدببة القطبية.

وأشارت النتائج إلى وجود عدة عوامل تتسبب في تراكُم الملوثات لدى الدببة التي تهاجر سنويًّا إلى البحر بغرض الصيد أكثر من تلك التي تفضل البقاء على اليابسة.

وأوضح "بلفين" -في تصريحات لـ"للعلم"- أن الدببة التي تعتمد على البحر في غذائها، تحصل على حصة أكبر من الفرائس البحرية، خاصةً من كائنات في مقدمة السلسلة الغذائية، مما يؤدي إلى وجود طبقات متعددة من الأطعمة الملوثة تنتقل من فريسة إلى أخرى، مقارنةً بالدببة الأخرى التي تعتمد على صيد فرائسها من البرية.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن الدببة التي تهاجر سنويًّا إلى البحر عادةً ما تحتاج إلى مستويات أكبر من الطاقة للحصول على غذائها من البحر، حيث تقوم بصيد أكثر من فريسة، كما أن معظم الفرائس التي يتغذى عليها هذا النوع من الدببة، تعيش في مناطق قريبة من مصادر التلوث، أو على مقربة من خطوط شبكات النقل.

ووفق "بلفين"، فإن جميع هذه العوامل يمكنها أن تسلط الضوء على تلك الممارسات والسلوكيات المميزة للدببة القطبية في منطقة بحر "بارنتس"، فتتسبب في تعرُّضها لمستويات متزايدة من التلوث، وكيف يمكن أن يؤدي ارتفاع أعداد فرائسها البحرية إلى زيادة تراكُم الملوثات في أجسادها، في ضوء انحسار المسطحات الجليدية.

وحذر تقرير سابق نشرته مجلة "للعلم"، استنادًا إلى دراسة أمريكية، من أن الدب القطبي يواجه خطر الانقراض؛ بسبب عجزه عن التقاط فرائسه لتوفير احتياجاته من الطاقة، بسبب التغيُّرات المناخية الحالية، التي تؤدي إلى زيادة ذوبان البحيرات الجليدية، التي يعتمد عليها في غذائه.

إلا أن "بلفين" أكد أن دراسته تركز فقط على الدببة القطبية في منطقة بحر "بارنتس"، لتقييم الأسباب التي تؤدي إلى زيادة مستويات الملوثات في أجسادها، مؤكدًا أن "العوامل، التي اعتمدت عليها الدراسة، يمكن اختبارها في مناطق أخرى، وعلى أنواع أخرى من الكائنات"، وفق قوله.