في منتصف ليلة صيفية منعشة، خرج "دونتا تايلور" -وهو شاب أمريكي من أصل أفريقي- متجهًا إلى محل بقالة قريب من منزل صديقه لشراء علبة سجائر، استوقفه ضابطان ينتميان إلى إدارة شرطة مدينة "كومبتون" الواقعة بولاية كاليفورنيا الأمريكية. بعد دقيقة واحدة من استيقافه، سمع سكان المدينة أصواتًا متتابعة لأعيرة نارية اخترقت جسد الشاب الذي يبلغ من العمر 31 عامًا. توفي الشاب في الحال، وتداول النشطاء ووسائل الإعلام الأمريكية قصته.

زعمت الشرطة التي ارتكبت عدة جرائم في طول الولايات المتحدة الأمريكية وعرضها، خلال العام ذاته -2016- أن الشاب سيئ السمعة، وحاول سحب مُسدس آلي من بنطاله، إلا أن التحقيقات أثبتت غياب الدليل على تلك الادعاءات.

وكَّل أهل الضحية مُحاميًا أمريكيًّا ناشطًا في مجال حقوق الإنسان لرفع دعوى قضائية على شرطة المقاطعة، وفي أثناء جمعه للمعلومات، علم المحامي "جون سويني" أن الضابطين القاتلين كانا قد ضربا شابًّا آخر في المقاطعة بشكل وحشي قبل بضعة أشهر من حادثة مقتل "تايلور"، وزعم أمام المحكمة أن رؤساء الضابطين قررا إخفاء الأمر والتستر على الجريمة.

ليست تلك القضية الوحيدة من نوعها، فقبل سنوات، تورطت الشرطة الأمريكية في ممارسات منهجية عنيفة، وانحرافات وفساد وُصفت بالمهولة، فخلال فترة التسعينيات، هزت المجتمع الأمريكي فضيحة فساد كبيرة، بعد أن أعلن المدعي العام تورُّط 70 ضابطًا من دائرة واحدة في عمليات تهريب مخدرات داخل السجون وخارجها، وإساءة استخدام السلطات، ومحاولة عرقلة العدالة، وممارسة العنف ضد السجناء، وضربهم، وتسهيل عمليات الاعتداء عليهم داخل السجون.

وطيلة عقود، يُحاول علماء النفس فهم العوامل التي تؤدي إلى تفسير انتهاكات الحقوق من قِبَل مَن يفترض أنهم حُراس للعدالة ومنفذون للقانون. في هذا الإطار، جاءت دراسة حديثة، نُشرت في دورية نيتشر هيومن بيهيفير، يُلقي فيها باحثان بريطانيان الضوء على أحد أسباب تلك الانتهاكات، ألا وهو ما وصفوه بـ"وجود التفاح الفاسد وسط صفوف الشرطة".

يقول المثل إن "تفاحة فاسدة واحدة يُمكن أن تُفسد بقية التفاح في الصندوق"، ومن الناحية العلمية، يُعد المثل صحيحًا بنسبة 100%؛ إذ ينبعث من التفاحة الفاسدة غاز الإيثيلين -وهو غاز طبيعي يُنضِج الثمار بشكل سريع- ما يؤدي إلى زيادة تركيز الغاز في الثمار الباقية، وبالتالي الإفراط في النضوج، ما يجعل الفطريات والبكتيريا تُهاجم الثمار من نقاط ضعفها -وهي القطع التي تنضج بصورة مفرطة- لتتسبب في زيادة انبعاث الغاز ذاته، فتنضج الثمار أسرع، وتدخل في حلقة مفرغة، تؤدي في النهاية إلى فسادها بالكلية.

لذا ينصح كل خبراء التغذية بالتخلص من التفاحة الفاسدة على الفور؛ كي لا يتأثر التفاح السليم في الصندوق. وكذلك هو حال خبراء علم النفس الذين ينصحون أيضًا بضرورة التخلص من "أقران السوء في جهاز الشرطة"؛ "فوجودهم يحث الباقين على الفساد".

يُعد فهم الكيفية التي ينتشر بها سوء السلوك بين الأشخاص الذين يشغلون مناصب تستحوذ على ثقة المواطن خطوةً أولى وأساسية لمعالجة المشكلة، تكشف الدراسة الجديدة -التي نُفِّذت على 35 ألف ضابط ومسؤول في شرطة العاصمة البريطانية لندن- عن نتيجة كارثية، تقول إن عقاب ضباط الشرطة الفاسدين بنقلهم من أماكنهم إلى مجموعات عمل جديدة يُمكن أن يزيد من احتمالية أن يُشارك أقرانهم الجدد في سوء السلوك.

يُثير فهم تأثير سلوك مَن حولنا على سلوكنا الخاص -والمسمى علميًّا بتأثيرات النظراء- اهتمام علماء الاجتماع طيلة العقود الماضية. في الحقيقة يصعب تقدير ذلك التأثير لعوامل عدة؛ إذ إن العلماء الذين يقولون بمحدودية تلك التأثيرات يُظهرون على الدوام أن جزءًا لا يُستهان به من التأثر يرجع إلى شخصية المتأثِّر ذاتها، فالأشخاص يكون لديهم ميل للتأثر بمَن يشبهونهم، بمعنى أن عملية انتقال صفة معينة من شخص إلى آخر يجب أن يكون لها مُحرك نفسي وسلوكي في شخصية المتأثِّر.

إلا أن البحث الجديد يقول إن سلوكيات الأقران لها تأثيرات قوية على تصرفات الأفراد الآخرين في المجموعة وأفكارهم، حتى وإن كان هؤلاء الأشخاص لا يشتركون في الصفات نفسها مع الأقران.

فحصت الدراسة بيانات تُغطي مدة 4 سنوات كاملة من ادعاءات سوء السلوك، من عام 2011 إلى عام 2014، لأكثر من 49403 من الضباط والموظفين في هيئة الشرطة ببريطانيا. طلب باحثا الدراسة سجلات المدراء المباشرين لهؤلاء الضباط، كما جمعا معلومات ديموغرافية كاملة لأماكن توزيع خدماتهم. حصل الباحثان على معظم البيانات المطلوبة، وبتصنيفها وجدا أن البيانات مكتملة بالنسبة لـ35924 حالة فقط، من بينها 14715 حالة قُدمت ضدهم شكوى واحدة على الأقل أو أكثر خلال الفترة ما بين 2011 إلى 2014.

صنف الباحثان مزاعم سوء السلوك إلى عدة فئات، هي حالات الفشل في تأدية الواجب، وسوء التصرف مع المواطنيين، والتمييز بينهم، والسلوك القمعي، والاستخدام غير المسوَّغ للسلطة ذات الصلة، والدخول غير المصرح به للأماكن الخاصة، والفشل في إبلاغ الأشخاص المحتجزين بحقوقهم واستحقاقاتهم القانونية، وعدم الاحتفاظ بسجلات الاحتجاز، وإجراء تحقيقات قمعية في ظروف غير مناسبة.

إشكالية آثار الأقران

وفحص الباحثان نوعية العقوبات المحتملة بعد سوء السلوك، ليجدا انعدام توافر عنصر الردع في معظم الحالات، فعلى الرغم من وجود مجموعة من الإجراءات الرسمية ضد مَن يثبت ضدهم اتهامات سوء السلوك، إلا أن تلك الإجراءات لم تكن كافية؛ إذ تتضمن تحذيرات مكتوبة، أو وضع خطة مستقبلية لتحسين السلوك. علاوة على ذلك، فإن أكثر من 50% من الادعاءات ضد موظفي الهيئات الشرطية لم يُتخذ فيها أي إجراءات، في حين ارتفعت تلك النسبة لتصل إلى حوالي 90% حين تكون تلك الادعاءات ضد ضباط شرطة. وهو أمر قالت عنه الدراسة إنه "النهج المعتاد في أدبيات تعامل الجهات الرسمية مع ضباط الشرطة المخطئين".

كشفت الدراسة أيضًا عن نتيجة صادمة، فزيادة نسبة "أقران السوء" بمعدل 10% من ضباط الشرطة الذين خضعوا لتحقيقات سابقة بخصوص ارتكابهم سوء سلوك تزيد من سوء سلوك زملائهم في العمل على الفور بنسبة تقترب من 8%، وتقول الدراسة إن نقل ضباط الشرطة المخطئين بشكل عشوائي من أماكنهم إلى أماكن أخرى يؤثر بصورة كبيرة على سلوكيات أقرانهم، حتى وإن كان هؤلاء الأقران لم يرتكبوا سلوكيات خطأ في الماضي.

يصف أستاذ علوم الإجرام بجامعة جنوب فلوريدا أوجماره ميتشيل -وهو باحث غير مشارك في الدراسة- في مقال منشور بموقع "نيتشر" تلك الورقة العلمية بـ"البحث الرائع والمحزن واللافت للنظر"، مؤكدًا أن المنهجية المستخدمة من قِبَل هؤلاء المؤلفين تتيح لهذا البحث تقديم إسهامات مهمة في إشكالية آثار الأقران على سلوك جهاز الشرطة. ويقول "ميتشيل" إن النتائج تشير إلى وجود ارتباط إيجابي بين "الاتصال مع الأقران الأشرار والمشاركة في سوء السلوك"، متوقعًا أن قوة منهجية تلك الدراسة ستدفع مزيدًا من الباحثين إلى محاكاتها في دراسات مستقبلية.

ويقول "ميتشيل" إن ما يدعو للأسى أن هذه النتائج تؤكد أن نقل الضابط من مكان إلى آخر للسيطرة على سوء سلوكه أو توبيخه كلها أمور لا تأتي بالتأثير الإيجابي المطلوب، فالضابط لا يُعدل سلوكه، بل "ينشر سوء سلوكه كالعدوى بين الضباط الآخرين"، ما يعني أن الجهود التنظيمية للسيطرة على سوء سلوك الشرطي تأتي بنتائج عكسية ربما تكون غير مقصودة.

ويرى "ميتشيل" أن هذا الاستنتاج مثير للقلق بشكل خاص "عندما يقترن بما هو معروف بالفعل حول سلوك الشرطة". فمن الثابت -والكلام لا يزال للباحث- أن نسبة صغيرة من ضباط الشرطة يتشاركون في نسبة كبيرة من سوء السلوك، وهذا يعني أن سوء السلوك السابق "أحد أقوى أدوات التنبؤ التي يُمكن أن تستخدم ضد الضباط"، ومشيرًا إلى أن إنهاء خدمة رجال الشرطة السيئين هو الأمر الأكثر فاعلية لإنهاء الانحرافات السلوكية. غير أن الرجل يعود ويؤكد أنه خلال فترة 22 عامًا، تم إنهاء خدمة أقل من 2% من الضباط الذين ثبت لديهم سوء سلوك في ولاية نيويورك، أما معظمهم فجرى نقلهم وإعادة توظيفهم كضباط شرطة في ولايات قضائية أخرى.

تسهم الدراسة في الجدل الدائر حول تحسين آلية عمل الشرطة في المجتمع، ويقول "ميتشيل" إن النتائج تشير إلى وجود احتمالية كبيرة لانتشار سوء سلوك الشرطة من ضابط إلى آخر، مؤكدًا أن عمل الشرطة "خطير وحيوي بالنسبة للمجتمع"، وضرورة وجود ضبط دقيق للتوزان بين الأمن الوظيفي للشرطة وسوء سلوكها، فالضابط الملتزم يجب أن يكافأ، والجهاز الشرطي يجب أن يجتذب الأفراد المؤهلين تأهيلًا عاليًا ويحتفظ بهم، لكن، مع موازنة تلك المزايا مع الأضرار المحتملة التي يُمكن أن يتسبب فيها رجال الشرطة السيئون "وإزالتهم من النظام قبل أن ينتشر سوء سلوكهم إلى ضباط آخرين".

علاقة سببية قوية

على الرغم من صدمة النتائج، لم تجد الباحثة في جامعة أوكسفورد "إيديكا كويزبي توريبلانكا" -وهي المؤلفة الأولى لتلك الدراسة- أي مفاجأة؛ إذ تقول في تصريحات خاصة لـ"للعلم" إنها أخذت على عاتقها إثبات -بشكل علمي وإحصائي محض- ما يتفق عليه معظم الناس بخصوص تأثير الأقران على سلوكيات زملائهم.

وتقول "توريبلانكا" إن ما أثار انتباهها في تلك الدراسة وجود علاقة "سببية" قوية أمكن إثباتها علميًّا؛ ففحص السجلات يقول بشكل مباشر إن هناك علاقةً مباشرة بين وجود ضابط سيء السلوك مع ممارسات سوء سلوك للنظير؛ "ففي كل مجموعة مؤلفة من مئة ضابط، تزيد حالة سوء السلوك لدي النظراء بنسبة 8% إذا كان هناك 10 ضباط تم التحقيق معهم بسبب مزاعم سوء السلوك في الماضي".

يُثني "روبرت واردن" -الباحث في مجال العدالة الجنائية بجامعة نيويورك- على نتائج الدراسة، إلا أنه يعود ويؤكد في تصريحات نقلها موقع الدورية العلمية الشهيرة "ساينس" شكوكه بخصوص نقطة جوهرية، فمن غير الممكن أن ينتقل تأثير ضباط السوء إلى الضباط ذوي الخبرة الطويلة، في الوقت الذي تزيد فيه احتمالات انتقال سوء السلوك إلى الضباط الذين قضوا عامًا واحدًا في العمل، على حد قوله. تقول "توريبلانكا" إن تلك المسألة لم تُناقَش في الدراسة، وربما ستكون محل دراسة أخرى.

يتفق أستاذ دراسات الجريمة والعدالة في جامعة دريكسل "روبرت كين" -غير مشارك في تلك الدراسة- مع نتائجها بشكل كبير، إذ يقول في تصريحات خاصة لـ"للعلم": إن الممارسات غير الأخلاقية في جهاز الشرطة، كتلقي الرشاوى وتزييف الأدلة وتلفيق التهم والقوة غير المسوغة، يُمكن أن تنتقل -من الناحية السلوكية- من ضابط إلى آخر، خصوصًا أن إدارات الشرطة "تحمي سمعتها على الدوام" وتحاول "إخفاء أدلة تورُّط ضباطها"، وهو ما يُعطي نوعًا من أنواع الحماية المسبغة سلفًا على تصرفات الفاسدين، "وبالتالي ينتقل السلوك نتيجة غياب العقاب".

ووفق ما تقوله "توريبلانكا"، فإن تلك الدراسة تُكمل أدبيات الدراسات السابقة الهادفة إلى البحث في أسباب سوء سلوك بعض ضباط الشرطة، إلا أنها تختلف عنها اختلافًا جوهريًّا، فمعظم الدراسات السابقة تُركز على ارتباط سوء السلوك بالمستويات التعليمية للضباط، أو بالعرق، أو بالجنس، أو حتى سنوات خبرتهم، أما تلك الدراسة فتُركز على أمر جوهري جديد، وهو ما وصفه بـ"تأثير التفاح الفاسد على التفاح السليم".

وتأمل "توريبلانكا" أن يُحفز ذلك البحث "مَلَكة التفكير لدى القائمين على تنظيم العمل الشُّرطي لعمل مجموعة من الآليات التي تمنع سوء السلوك"، فمن الضروري أن تكون المؤسسات التي تُشكل جزءًا من نظام العدالة "نزيهة؛ للحفاظ على شرعيتها في المجتمع.. فمن دون تلك النزاهة لن تحصل المؤسسة الشرطية على تعاوُن الجمهور.. ولا حتى ثقتهم ومحبتهم".