خلصت دراسة حديثة إلى أن الأطفال والمراهقين -وليس فئة الشباب فقط- يصابون بالقلق حيال القضايا السياسية، وخاصةً القضايا التي تؤثر على فئتهم العمرية.

وتوصل الباحثون إلى أن القلق المتعلق بالقضايا السياسية يُعَد أمرًا شائعًا بين الصغار، بغض النظر عن صراعاتهم النفسية أو طبيعة الانتماء السياسي لمَن يقدمون الرعاية لهم.

 

وأفاد معظم مقدمي الرعاية بأن الأطفال والمراهقين الذين يتابعونهم أعربوا عن قلقهم إلى حدٍّ ما تجاه القضايا السياسية، وأن القلق السياسي زاد لدى الأطفال والمراهقين الذين يعانون من اضطراب القلق.

شملت الدراسة، التي نشرتها دورية "تشايلد سيكيارتري آند هيومان ديفلوبمنت" أطفالًا ومراهقين من جميع شرائح الطيف السياسي الأمريكي.

واستطلعت الدراسة آراء مقدمي الرعاية للأطفال والمراهقين من جميع أنحاء الولايات المتحدة.

 شارك في الدراسة أكثر من 374 من الأشخاص الذين يقمون الرعاية لأطفال صغار ومراهقين (شباب) تتراوح أعمارهم بين 6 أعوام و17 عامًا. وتم تحديد مقدمي الرعاية كمستقلين أو جمهوريين أو ديمقراطيين. ويُعتقد أن هذه الدراسة هي الأولى من نوعها التي تفحص قلق الأطفال والمراهقين بشأن القضايا السياسية.

مخاوف متنوعة

خضعت عينة البحث لاختبار يقوم على أساس الاختيار من بين عدد من المخاوف التي يعاني منها الأطفال والمراهقون تجاه 15 قضية سياسية، هي: الإرهاب، والاقتصاد، والسياسة الخارجية، والرعاية الصحية، والعنف المسلح، والهجرة، والضمان الاجتماعي، والتعليم، والتعيينات في المحكمة العليا، ومعاملة الأقليات العرقية والإثنية، والسياسة التجارية، والبيئة، والإجهاض، ومعاملة الأقليات الجنسية، وقضايا المرأة.

ثم عمل مقدمو الرعاية على تقييم مدى قلق هؤلاء الأطفال والمراهقين تجاه تلك القضايا، بالنسبة لغالبية قضايا التصويت، أشار أكثر من نصف مقدمي الرعاية إلى معاناة الطفل من قلق واحد على الأقل تجاه القضايا السياسية المطروحة.

وكانت المخاوف بشأن البيئة والعنف المسلح هي الأكثر شيوعًا، يليها القلق المتعلق بالاقتصاد ومعاملة الأقليات العرقية/ الإثنية والسياسة الخارجية والإرهاب.

وأشار حوالي ربع مقدمي الرعاية الذين شملهم الاستطلاع إلى أن الأطفال والمراهقين الذين يتابعونهم لديهم مستويات سريرية من القلق. وبناءً على تحليل الفريق البحثي، فإن هؤلاء الأطفال والمراهقين لديهم قلق أكبر بشكل ملحوظ بشأن القضايا السياسية، وقد يكونون أكثر عرضةً للتأثيرات الضارة على الصحة العقلية من جَرَّاء متابعتهم للأخبار.

يرى الباحثون أن هذا لم يكن مفاجئًا؛ إذ إن القلق المتكرر بشأن العديد من القضايا أو الأحداث يُعَدُّ واحدةً من السمات المميزة لاضطراب القلق العام.

علاوةً على ذلك، أشار الباحثون إلى أن آباء الأطفال والمراهقين الذين يعانون من اضطرابات القلق والذين يقلقون بشأن القضايا السياسية يمكن أن يشكلوا ضغوطًا إضافيةً على أبنائهم.

قليل من الاهتمام

ابتكرت نيكول كابورينو -أستاذة علم النفس وقائدة الفريق البحثي في الجامعة الأمريكية في واشنطن- مقياسًا نفسيًّا لقياس مدى تكرار قلق الأطفال والمراهقين -إن وُجد- والتعرف على القضايا السياسية التي تثير قلقهم أكثر من غيرها. 

وكطبيب نفسي إكلينيكي متخصص في قلق الأطفال واضطراب الوسواس القهري، قادت "كابورينو" عيادة قلق الشباب والاضطرابات ذات الصلة في الجامعة الأمريكية في واشنطن.

وتقدم العيادة التقييم والعلاج للأطفال والمراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 4 أعوام و17 عامًا. كما أشرفت "كابورينو" على طاقم من طلاب الدكتوراة في علم النفس الإكلينيكي الذين يعملون مع الشباب ويقدمون هذه الخدمات. 

الانتخابات الرئاسية الأمريكية

تقول "كابورينو" في تصريحات لـ"للعلم": طالما كان هناك القليل من الاهتمام -إن وُجد- تجاه دراسة قلق الأطفال والمراهقين بشأن القضايا السياسية. ويمكننا القول بأن قلق الأطفال والمراهقين بشأن القضايا السياسية لم يكن موجودًا –تقريبًا- على رادارات علماء النفس عند تقييم الصحة العقلية، لكن منذ الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي جرت عام 2016، صار قلق الأمريكيين –من كل الأعمار- بشأن القضايا السياسية في بؤرة الاهتمام.

تضيف "كابورينو": منذ ذلك الحين، ازداد عدد البالغين الذين يبلغون معالجيهم ومقدمي الرعاية عن إصابتهم بمشاعر القلق بشأن القضايا السياسية، وحتى قبل انتخابات عام 2016، أجرت جمعية علم النفس الأمريكية استطلاعًا للرأي في أوساط الأمريكيين، ووجدت أن القضايا السياسية تُعد مصدرًا للتوتر لكلٍّ من الجمهوريين والديمقراطيين على حدٍّ سواء.

وبالنسبة للشباب، توضح الدراسة أنهم كانوا قلقين بشأن إمكانية ترحيلهم إلى خارج الولايات المتحدة الأمريكية (بغض النظر عن حصولهم على الجنسية الأمريكية أو لا)، فضلًا عن تزايُد المخاوف من اندلاع "حرب عالمية ثالثة"، إضافةً إلى تنامي مخاوف الشباب (المسلمين) من التعرُّض للإيذاء بسبب عبادتهم الإسلامية، وكذلك تصاعد شكوى الشباب من تعرُّضهم للقلق خوفًا من أن يتم "اختطافهم" من قِبَل حزب سياسي وانفصالهم عن الأسرة. كما أن المناخ السياسي الحالي -الذي شهد كثيرًا من التحولات المتكررة بالنسبة للمسؤولين المنتخبين- قد يساعد على تفاقم حالة عدم اليقين بشأن المستقبل، مما يجعل الشباب يواجهون صعوبات تجعلهم عرضةً للقلق.

تقول "كابورينو": كنت مهتمةً بمعرفة ما إذا كان القلق بشأن القضايا السياسية يمتد إلى الأطفال بخلاف أولئك الذين يعانون من اضطرابات القلق، واتضح أن ذلك يحدث بالفعل؛ فقد كان من الشائع لمقدمي الرعاية الإبلاغ عن شعور الأطفال الذين يتابعونهم بالقلق تجاه القضايا السياسية.

وتابعت: يزداد الأمر سوءًا بالنسبة للمراهقين الذين يصابون بالقلق تجاه تلك القضايا السياسية، وعلى الرغم من أن هذا القلق ليس متكررًا، في المتوسط، لكن يبدو أنه واسع الانتشار، بغض النظر عن الانتماء الحزبي لمقدمي الرعاية.

ويوصي الباحثون بضرورة أن تكون هناك قنوات تواصل، وإقامة حوار مستمر بين مقدمي الرعاية والأطفال والمراهقين الذين يتابعونهم.

تقول "كابورينو": تحدث إلى أطفالك للتأكد من أن المعلومات التي يحصلون عليها دقيقة، وأنهم لا يشعرون بالقلق دون داعٍ؛ لأنهم يضعون افتراضات حول القضايا السياسية التي لا يفهمونها جيدًا بسبب مستوى إدراكهم.

وأوصى باحثو الدراسة المعالجين بأخذ نتائجها في الاعتبار وتقييم القلق بشأن القضايا السياسية من خلال تجارب سريرية تستهدف إعادة تأهيل هؤلاء الأطفال والمراهقين ومساعدتهم على إدارة القلق المفرط الذي قد يتعرضون له؛ حتى لا يؤثر ذلك سلبًا على علاقاتهم بالآخرين أو على حياتهم بشكل عام.

ويرى الباحثون ضرورة قيام الدراسات المستقبلية بمسح عينات متنوعة من الأطفال والمراهقين حول قلقهم بشأن القضايا السياسية، واقتراح الإستراتيجيات المطلوب تطبيقها لتخفيف التأثير السلبي للأخبار السياسية على الشباب الذين يعانون من اضطرابات القلق.

العولمة و السوشيال ميديا

من جهته، يرى هشام عبد الحميد -أستاذ علم النفس السياسي بجامعة جنوب الوادي- أن الدراسة قيِّمة، مؤكدًا اتفاقه مع كل النتائج التي توصلت إليها.

يقول "عبد الحميد" في تصريحات لـ"للعلم": تغيرت اهتمامات تلك الشريحة العمرية تغيُّرًا جذريًّا خلال العقدين الأخيرين؛ بسبب العديد من الأزمات العالمية التي أصبحت تؤثر بشكل مباشر وغير مباشر أحيانًا على احتياجاتهم وأحلامهم وتفاصيل حياتهم.

ويضيف: صارت السياسة ظاهرةً معولمةً على نحوٍ لا فكاك منه، بحيث لا يمكن القول إن ثمة شأنًا محليًّا في هذا العالم، لذلك فإن التقسيم الكلاسيكي للسياسة إلى سياسة خارجية وداخلية صار لا يصلح للتفكير في معطيات هذا العالم.

ويتابع: في ظل الصراعات الجيوسياسية الدولية القائمة طوال الوقت بين القوى الدولية، وتحول تلك الصراعات السياسية والإيديولوجيات إلى معطيات اقتصادية تؤثر تأثيرًا مباشرًا على حياة البشر جميعًا، من الطبيعي أن يتأثر الأطفال والمراهقون بالأحداث السياسية، وخاصةً في ظل سيطرة وتنامي ظاهرة "التواصل الاجتماعي" على الإنترنت، والتي يُعَد الأطفال والمراهقون من أكثر مستخدميها نشاطًا وتفاعلًا، وصار من المستحيل عمليًّا فلترة ما يقدم لتلك الشريحة عبر منصات التواصل الاجتماعي، ما يضعهم في بؤرة الأحداث على نحوٍ مستمر.

ساعد التقدم التكنولوجي -ويتضمن ذلك انتشار الهواتف المحمولة ووسائل التواصل الاجتماعي- على زيادة تتبُّع الأخبار واستهلاكها؛ إذ يشاهد الشباب التلفاز لنحو 4.5 ساعات يوميًّا، ويقضي المراهقون وقتًا متقاربًا بين متابعة الإنترنت ومشاهدة التلفاز.

وارتبط تزايُد استخدام الوسائل الإعلامية المختلفة بـ"تنامي التصورات الذهنية المرتفعة حول أنها تمثل تهديدًا، من منطلق أن التعرُّض المتكرر للقصص الإخبارية التي تنطوي على العنف قد يؤدي إلى تزايُد أعراض توتر تتراوح بين اضطراب ما بعد الصدمة والقلق والاكتئاب، خاصةً بين الشباب الذين يعانون من نقاط ضعف موجودة مسبقًا، كأن يكون لهم تاريخٌ سابقٌ من الإصابة باضطرابات نفسية.

العامل الوراثي والبيئة الاجتماعية 

بدوره، يرى علي إسماعيل -أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر- في تصريحات لـ"للعلم" أن نتائج الدراسة تنطبق بشكل أكبر على المجتمع الأمريكي، وأن المراهقين في العالم العربي لا يُبدون اهتمامًا بالقضايا السياسية والحزبية إلا في مرحلة الجامعة إن وجد هذا الاهتمام.

ويستدرك "إسماعيل" قائلًا: لكننا لا نستطيع استبعاد وجود تأثير -غير مباشر- على الأطفال والمراهقين في العالم العربي تجاه بعض القضايا السياسية، وتحديدًا تلك التي تؤثر على حياتهم اليومية، فضلًا عن اهتمامات أسرهم.

ويضيف: لكي يحدث اضطراب نفسي، هناك عاملان مؤثران، هما التأثير الجيني والبيئة الاجتماعية؛ إذ إن هناك أطفالًا ومراهقين لديهم استعداد جيني لتكوين اضطرابات نفسية في حالة وجودهم في بيئة اجتماعية تشعر بالقلق حيال القضايا السياسية، ما يزيد من احتمالات تعرُّضهم لمرض نفسي حتى لو كان هؤلاء الأطفال والمراهقون -أنفسهم- غير مهتمين بشكل مباشر بالقضايا السياسية.