يفرض الجهاز المناعي رقابةً دائمة على أنسجة الجسم، متتبعًا حتى أقل التغييرات التي تحدث في شذرات البروتينات القصيرة التي تحملها الخلايا على سطحها، والتي قد تشير إلى أن تلك الخلايا تشكل تهديدًا، وأن الحل الأمثل لنجدتها يكمن في قتلها على الفور.

إلا أن المناعة القوية سلاحٌ ذو حدين، ففرط نشاط الجهاز المناعي يرتبط بالأمراض المناعية الذاتية، إذ قد يهاجم الجهاز المناعي بعض الأجزاء الداخلية للجسم من جَرَّاء فشله في التعرُّف عليها فيعتبرها وكأنها أجسامٌ غازِيَةٌ غريبة عليه. وكذلك فإن الرقابة المناعية الصارمة على أنسجة الجسم بهدف القضاء على الخلايا المتحورة في مهدها، قد تؤدي مع مرور الزمن إلى انتخاب الخلايا السرطانية التي تمكَّنت من تطوير آلية للهروب من رقابة الخلايا المناعية.

تُعرف تلك الظاهرة -التي يُسهم فيها الجهاز المناعي بتشكيل طبيعة الورم- باسم "التعديل المناعي"Immunoediting ، وتتأثر -وفق هانا كارتر، الأستاذ المساعد في كلية الطب بجامعة كالفيورنيا -سان دييجو الأمريكية- بمدى "قوة الاستجابة المناعية"، التي تعتمد بدورها على عدة عوامل من ضمنها الجنس والعمر، وفقًا لتصريحاتها لـ"للعلم".

تمكنت "كارتر" بالتعاون مع فريقها البحثي في الجامعة من إيضاح أنه بسبب تلك الظاهرة تُراكم الإناث أكثر من الذكور، والشباب أكثر من كبار السن أورامًا غير مرئية للجهاز المناعي، وهو ما قد يفسر ضعف استجابة تلك الفئات لبعض أنواع العلاج المناعي للسرطان التي تتطلب بشكل مبدئي تعرُّف الجهاز المناعي على الورم، وفق دراستهم المنشورة في دورية "نيتشر كومينيكيشن" في 17 من شهر أغسطس الماضي.

اكتشف الباحثون أن الخلايا السرطانية لدى المرضى النساء والأصغر سنًّا تُراكِمُ الطفرات المسببة للسرطان، التي بالكاد يتم تقديمها إلى جهاز المناعة، مما يمكّن الأورام من الإفلات من عمليات الكشف عنها والتخلص منها.


هروب بأمر الرقابة 

تعود فكرة ارتباط نشاط الجهاز المناعي بتثبيط نشأة الأورام ونموها إلى أوائل القرن العشرين، إلا أن صدى تلك الفرضية لم يعلُ حتى منتصف القرن العشرين، مع ازدياد الدراسات التي عمَّقت فهمنا لآليات عمل الجهاز المناعي.

على سبيل المثال، تم في خمسينيات القرن الماضي إثبات حدوث استجابة مناعية لدى فئران التجارب عند استقبالها لأورام مزروعة تتطابق جينيًّا معها.

قدمت تلك الدراسات دليلًا واضحًا على أن خلايا الورم تحمل علاماتٍ مميزةً عن غيرها من خلايا الجسد، وهو ما يمكِّن الجهاز المناعي من التعرُّف عليها وقتلها.

بناءً على تلك البيانات، طور كلٌّ من العالِم الأسترالي ماكفرلن بورنت والأمريكي لويس توماس، في أواخر خمسينيات القرن الماضي ما سُمِّيَ بـ"فرضية الرقابة المناعية" Immunological surveillance، التي تنص على ضرورة وجود آلية مناعية لثبيط نمو الخلايا المتطفرة أو الأورام.

اتضحت بعض أبعاد تلك الآلية في سبعينيات القرن الماضي، عندما نشر كلٌّ من رولف زينكرناجيل، وبيتر دوهرتي، سلسلة أوراق بحثية في دورية "نيتشر"، بيَّنا خلالها اشتراط حدوث استجابة مناعية ضد الخلايا المصابة بالفيروسات، بإمكانية تعرُّف الخلايا المناعية على شذرات من البروتين الفيروسي مع بروتين آخر من الخلية يُعرف بـ"معقد التوافق النسيجي الكبير-MHC". كان لذلك الاكتشاف -الذي حاز جائزة نوبل للطب عام 1996- أن يفتح الباب أمام سيل من الدراسات لفهم آلية الاستجابة المناعية الخلوية.

وسرعان ما تَبيَّن أن خلايا الجسم كلها تقريبًا تقدِّم عينات من شذرات البروتينات إلى الجهاز المناعي محمولةً على سطحها ضمن جزيئات معقد التوافق النسيجي. وبذلك تفرض الخلايا المناعية التائية رقابتها الصارمة، فإن كانت عينة البروتين التي تحملها الخلية تنتمي إلى أحد الفيروسات أو إلى بروتين خلوي طافر، تصدر أوامرها بقتل الخلية على الفور.

وكان "دوهرتى" -عالِم المناعة الأسترالي- قد اقتسم جائزة نوبل فى الفسيولوجيا أو الطب، لعام 1996، مع عالِم المناعة السويسري "زينكرناجيل"؛ لاكتشافهما كيفية تعرُّف نظام المناعة على الخلايا المصابة بالعدوى الفيروسية.


مبدأ التعديل المناعي

رغم ما قدمته تلك الدراسات من دعم لفرضية "الرقابة المناعية "على السرطان، إلا أنها تركت لغزًا تطلَّب تعديل الفرضية، فإذا كانت المناعة تستطيع تثبيط نمو الأورام، فلماذا يصاب الأفراد ذوو المناعة القوية بالسرطان؟

جاء التعديل عام 2002 عندما اقترح مبدأ "التعديل المناعي"، الذي أشار إلى أنه رغم أهمية الرقابة المناعية في تثبيط الأورام الناشئة وقتلها، إلا أن تلك العملية قد تشكل ضغطًا انتقائيًّا يحفز مع مرور الوقت تشكُّل أورام تخفي شذرات البروتينات الدالة على تحوُّرها، وتتمكن بذلك من الهروب من الهجوم المناعي بأمر "الرقابة".

مع بدايات القرن الجاري طورت عدة اتجاهات لتحفيز المناعة الخلوية لقتل السرطان، وأُطلق على "العلاج المناعي" الركيزة الخامسة لعلاج السرطان. أحد تلك العلاجات يُعرف بـ"مثبطات نقاط التفتيش المناعية"، أظهر نتائج فارقة في علاج أورام سرطانية مختلفة. ليحوز جائزة نوبل للطب عام 2018.

رغم نجاح العلاج الجديد، إلا أن فاعليته كانت محدودةً في أكثر من 50% على الأقل من مرضى السرطان، وتُظهر نتائج التجارب السريرية أن الشباب (كفئة عمرية) والإناث (كفئة جنسية) هم الأقل استجابةً لتلك العقاقير.


الفرق المناعي بين الذكور والإناث

تدعم العديد من الدراسات فكرة تمتُّع الإناث باستجابة مناعية أقوى من الذكور، إذ لدى الإناث عدد أكبر من الخلايا اللميفاوية التائية، وهن أكثر استجابةً للقاحات الأنفلونزا، وأقل عرضةً للإصابة بعدة أمراض معدية.

توضح كاتي فلاناجن، في تصريحاتها لـ"للعلم" بعض أسباب ذلك: "تتشارك عدة عوامل في إحداث الفرق المناعي بين الذكور والإناث، على سبيل المثال تُعد الهرمونات الأنثوية محفزةً للمناعة على عكس الهرمونات الذكورية، ووراثيًّا قد تمتلك الإناث عددًا أكبر من الجينات المناعية". 

وتعمل "فلاناجن" أستاذةً بكلية الطب بجامعة تسمانيا الأسترالية، وتهتم في أبحاثها بدراسة الفروق في مستويات الاستجابة المناعية بين الجنسين.

تضعف وظائف الجهاز المناعي بشكل عام مع التقدم في العمر، وعليه من المتوقع أن تتمتع الإناث الشابات بأقوى استجابة مناعية، بل تُظهر الإحصائيات أن الإناث أقل عُرضةً للإصابة بالسرطان مقارنةً بالذكور، وتؤدي الرقابة المناعية الأقوى لديهن دورًا في ذلك. إذًا لماذا لا يستجبن للعلاج المناعي؟

للوصول إلى نتائج الدراسة، قامت " كارتر" وفريقها بتحليل بيانات جينية لأكثر من 10 آلاف مريض سرطان، تم جمعها من قاعدة بيانات "أطلس جينوم السرطان"، التي تتبع معاهد الصحة الوطنية الأمريكية NIH ، وجرى تقسيم المرضى وفقًا للجنس والعمر.
 

في البداية، لم يعثر الفريق البحثي على فروق ملحوظة في وظائف بروتينات "معقد التوافق النسيجي-MHC"، بين الجنسين أو بين الفئات العمرية المختلفة. لذلك عمل على تحليل مدى قوة الترابط بين معقد MHC، والبروتينات المتطفرة الخاصة بالأورام، وهو ما قد يحدد مدى قابلية عرضها على سطح الخلية، وبالتالي إمكانية تحفيز استجابة مناعية تجاهها.

شمل التحليل أكثر من 10 آلاف طفرة مرتبطة بنمو الأورام، لتبين النتائج أن الطفرات المتراكمة عند كلٍّ من المرضى الإناث والشباب، كانت الأضعف ارتباطًا بالمعقد، وبالتالي أقل قابليةً للعرض على الرقابة المناعية. وسجلت الإناث الشابات المعدل الأكبر من تلك الطفرات الخفية على جهاز المناعة.

ولكون الإناث الشابات هن الأقوى مناعيًّا، تحاول "كارتر" تفسير النتائج "بأن الأورام التي تنشأ تحت رقابة مناعية صارمة، تتعرض لعملية انتقاء شديدة، تُبقي منها فقط الخلايا السرطانية التي تحمل طفرات غير مرئية للجهاز المناعي".

ووفق ما أورده الباحثون في نتائج الدراسة، قد يفسر ذلك سبب ضعف استجابة الإناث والشباب لـ"مثبطات نقاط التفتيش المناعية"، إذ تتطلب فاعلية ذلك العلاج تعرُّف الجهاز المناعي على الورم من خلال معقد MHC. "إن تضمين كلا الجنسين في الدراسات السريرية وما قبل السريرية، هو ضرورة؛ نظرًا للاختلافات البيولوجية الكبيرة بين الجنسين"، على حد تصريح، إيرفينج زوكر، الأستاذ الفخري في قسم علم النفس وعلم الأحياء التكاملي بجامعة كاليفورنيا - بيركلي الأمريكية، في حديثه لـ"للعلم".

وبيَّن "زوكر" في دراسة سابقة نُشرت في شهر يونيو الماضي بدورية "بيولوجي أوف سكس ديفرنسيس" أن الإناث يعانين من أعراض جانبية أشد من الذكور بقرابة الضِّعف عند تناوُلهن لعقاقير مختلفة، غالبًا نتيجة تحيُّز التجارب السريرية ضد الإناث، وفق قوله. كما توثق دراسة أخرى له وجود تحيُّز تاريخي ضد الإناث حتى في الدراسات ما قبل السريرية، التي تُجرى عادةً على حيوانات ثديية مختلفة.

من ناحيتها تضيف "فلاناجن" بوجود حاجة متزايدة إلى إجراء أبحاث وتحليل نتائجها وفقًا لعامل الجنس البيولوجي، إلا أن الكثير من الباحثين ما زالوا يتجاهلون هذا العامل المُربك شديد الأهمية.

رغم ذلك، فإن بعض التحيُّزات قد يصعب تداركها، إذ تنوه "كارتر" بأن قاعدة البيانات التي استقى منها فريقها المعلومات كسائر قواعد البيانات البيولوجية الكبرى تعتمد على بيانات أفراد من أصل "أوروبي - قوقازي"، مشددةً على أن تحليل بيانات أفراد من أصول عرقية متنوعة قد يكون مهمًّا قبل تعميم النتائج.

في الختام، يشدد الباحثون على أهمية التعرُّف على طبيعة التفاعل بين الأورام والجهاز المناعي، من أجل تصميم برنامج العلاج المناعي الأكثر مناسَبةً لطبيعة كل فرد. وتشدد نتائج الدراسة على أهمية دراسة الاختلافات في مدى الاستجابة لعلاجات السرطانات بين الجنسين، وكذلك بين الفئات العمرية المختلفة. ومن جانبها، تأمل "كارتر" أن تكون دراستهم الأخيرة خطوةً نحو تطوير خوارزمية تتنبأ بخطة علاجية مناسبة لمريض السرطان، قبل الشروع في العلاجات المناعية التي قد يكون لها احتمالية عالية بعدم العمل أو العمل بشكل سيئ، وبالتالي عدم تضييع الوقت أو المجهود.