أدت جائحة كورونا المستجد إلى خسائر مدمرة في الوظائف والدخل في جميع أنحاء العالم، مما أثر على مئات الملايين وهددهم بالجوع وفقدان المدخرات والوظائف، كما أثرت أيضًا على صحة الأطفال الجسدية والنفسية بشكل حاد... لكن، وكالعادة، يدفع الفقراء الثمن الأكبر.

فوفق دراسة جديدة، أفادت استطلاعات أن 70٪ من الأسر في تسع دول في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية بحدوث خسائر مالية جسيمة، بعد أن أجبرت الظروف الاقتصادية السيئة قرابة 50٪ أو أكثر ممن شملهم الاستطلاع في عدة بلدان على تناول وجبات أصغر أو الحرمان من وجبات الطعام تمامًا، وهو الرقم الذي ارتفع ليصل إلى 87٪ بين الأسر الريفية في دولة سيراليون الواقعة في غرب إفريقيا.

في الأشهُر الأولى من الوباء، كان الانكماش الاقتصادي في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل بالتأكيد أسوأ من أي أزمة اقتصادية عالمية أخرى نعرفها، سواء كانت الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينيات، أو الركود الاقتصادي في مطلع الألفية الحالية، أو أزمة إيبولا الأحدث، فبسبب كورونا المستجد كانت التكاليف الاقتصادية باهظةً للغاية.

تشير الدراسة الجديدة -الأولى من نوعها على مستوى العالم، والمنشورة في دورية ساينس أدفنسس- إلى أنه بعد عقدين من النمو في العديد من البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، تسببت الأزمة الاقتصادية الناتجة عن جائحة كورونا المستجد في حدوث تأثير عميق طويل الأجل على تلك البلدان.

أدى ذلك التأثير إلى انخفاض في تغذية الأطفال، ما يعني عواقب صحية جسيمة في المستقبل، بينما ترك بعض الأطفال المدارس بسبب استخدام العائلات مدخراتها في سد احتياجاتها من الطعام، كما أثرت الأزمة ذاتها على الزراعة بسبب نقص تمويل الاستثمار في الأسمدة أو تحسين الأراضي، ما يعني انخفاض غلة المحاصيل.

الخوف من الوباء الحالي وسياسات التباعد الاجتماعي دفع النشاط الاقتصادي إلى التقلص في جميع أنحاء العالم، فاضطر معظم البشر إلى تعديل عاداتهم الاستهلاكية وطُرق عملهم.

تهديدات كبيرة لسبل العيش

بدأت فرضية تلك الدراسة بوضع احتمالية تُفيد بأن المواطنين الضعفاء اقتصاديًّا في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل -حيث يقيم غالبية سكان العالم- يواجهون تهديداتٍ كبيرةً لسبل العيش.

في تلك الدراسة، استخدم الباحثون بيانات المسح التي تم جمعها بشكل منهجي من 16 عينة مكونة من أكثر من 30000 أسرة (تحتوي على أكثر من 100000 شخص) في تسعة بلدان في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية؛ لتقديم وصف كمي ثري للآثار الاقتصادية للوباء على مجموعات سكانية مختلفة في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل.

تشير الدراسة إلى أن هناك سببًا للاعتقاد بأن البلدان الغنية والفقيرة تعاني من الأزمة بشكل مختلف تمامًا، مما يجعل توثيق أثر "كوفيد-19" في أوضاع مختلفة أمرًا بالغ الأهمية، وفق أستاذ اقتصاديات الزراعة والموارد المساعد في جامعة كاليفورنيا ديفيس، أشيش شينوي، وهو المؤلف المشارك في تلك الدراسة.

يُشير "شينوي" في تصريحات خاصة لـ"للعلم" إلى أنه غالبًا ما يتم تخفيف الخسائر الاقتصادية عن طريق برامج الحماية الحكومية، أو تعديلات صاحب العمل لساعات العمل أو تعويض العمال، أو عبر إعادة توظيف مدخرات الأسرة، "غير أن ذلك لم يحدث في كثيرٍ من البلدان".

وفي ظل غياب شبكات الأمان الاجتماعي الواسعة في الدول النامية والفقيرة، يمكن أن يكون لانخفاض النشاط الاقتصادي عواقب وخيمة على الرفاهية، خصوصًا بالنسبة لأولئك الذين يعملون في الاقتصاد غير الرسمي، "وصلت إلى حد الحرمان من الوجبات الغذائية بالنسبة لمئات الألوف من البشر حول العالم"، وفق ما يقول "شينوي".

وقالت الدراسة إن الأزمة الوبائية الحالية تسببت في انخفاض الدخل على نطاق واسع، في كولومبيا على سبيل المثال، أفاد 87٪ من المشاركين في الاستطلاع على مستوى البلاد بأنهم فقدوا الدخل في مرحلة مبكرة من الوباء، كما ارتفعت نسبة الذين عانوا من الخسائر لتصل إلـى أكثر من 80٪ من الناس في جميع أنحاء البلاد في رواندا وغانا.

وكافح الناس للعثور على الطعام؛ ففي الفلبين قال 77٪ من المشاركين في الاستطلاع على الصعيد الوطني، إنهم واجهوا صعوبةً في شراء الطعام؛ لأن المتاجر كانت مغلقة أو وسائل النقل متوقفة أو الإمدادات الغذائية غير كافية، وجاءت تقارير مماثلة من 68٪ من الكولومبيين و64٪ من المشاركين في سيراليون، كانت المعدلات متشابهةً بالنسبة لبعض المجتمعات داخل البلدان الأخرى.

وارتفع انعدام الأمن الغذائي بشكل حاد، في حين أن التأثير كان أسوأ في ريف سيراليون، فقد تضررت المجتمعات الأخرى بشدة، ففي بنغلاديش أفاد 69٪ من الأسر الزراعية التي لا تملك أرضًا أنهم أُجبروا على تناول كميات أقل، وهذا ما حدث تمامًا بالنسبة لنحو 48٪ من الأسر في ريف كينيا.

واجه الأطفال مخاطر متزايدة؛ فمع إغلاق المدارس ارتفع خطر الانتكاسات التعليمية، كما أفاد العديد من المشاركين بتأخير الرعاية الصحية، متضمنةً رعاية ما قبل الولادة والتطعيمات، كما أبلغت بعض المجتمعات عن نسب مرتفعة من مستويات العنف المنزلي .

إحصاءات الاقتصاد الكلي

إلا أن هناك ميزةً نسبيةً من ناحية أخرى، فالنماذج الوبائية تتنبأ بأن الآثار الصحية للفيروس قد تكون أضعف في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل؛ نظرًا إلى أن طبيعة سكانها من فئة الشباب نسبيًّا، كما أن الدول الأكثر فقرًا بشكل عام أقل ارتباطًا بالاقتصاد العالمي من خلال التجارة والسفر، وبالتالي، فقد تعرضت للوباء في وقت متأخر مقارنةً بأوروبا وأمريكا الشمالية، واكتسبت وقتًا ثمينًا للتعلم من التجارب التي واجهت الدول المتقدمة، إلا أن الدراسة تشير إلى أنه من غير الواضح ما إذا كانت تلك الدول قد اغتنمت تلك الفرصة.

باستخدام إحصاءات الاقتصاد الكلي، التي تشير إلى أن الآثار الاقتصادية الأولية للوباء كانت معتدلةً على نحوٍ غير متوقع في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، وعبر الاطلاع على تقارير المنظمات الدولية التي كشفت عن بيانات مجمعة مماثلة بهدف عمل توقعات رهيبة حول خسائر الناتج المحلي الإجمالي، وانخفاض تدفقات التحويلات، وزيادة الفقر والجوع، أجرى الباحثون تلك الدراسة.

في البداية، أدرك الباحثون أن البيانات الإجمالية تحمل العديد من أوجه القصور المتعلقة بالمسح المباشر لتتبُّع رفاهية الفقراء، فقرروا الاعتماد على استطلاعات أصلية تمثيلية وعينة كبيرة للأسر؛ لتجميع نظرة منهجية ومتعمقة حول كيفية تأثير الوباء على حياة الناس في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل في الأشهر التي أعقبت تفشِّي المرض العالمي.

تقول الدراسة إن المسوح الأسرية ضرورية، إذ إن البيانات الإجمالية يمكن أن تتجاهل شرائح كبيرة من السكان؛ فأكثر من ربع النشاط الاقتصادي ونصف العمال في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية يعملون في القطاع غير الرسمي.

وبالتالي لم يتم تسجيلهم في معظم الإحصاءات الرسمية، وبالمثل فإن الطابع غير الرسمي يقوِّض الطابع المعلوماتي لتدابير معاملات القطاع الخاص، مثل كشوف المرتبات أو الائتمان أو التحويلات عبر الهاتف الذكي.

ومن ثم فإن المناهج التي استخدمتها الوكالات الإحصائية والباحثون الوطنيون لتوثيق الخسائر الاقتصادية الناجمة في الدول الصناعية لا يمكن تنفيذها بسهولة في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل.

يعتمد العديد من البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل على المسوح الدورية للأسر أو القوى العاملة لقياس النشاط الاقتصادي، ومع ذلك فإن التردد المنخفض لهذه الاستطلاعات يجعلها غير كافية للتتبع في الوقت الفعلي في أثناء الأزمة.

نشر فريق البحث استطلاعات عبر الهاتف تبدأ في أوائل أبريل 2020 لتتبُّع النتائج الاقتصادية خلال الأزمة الوبائية.

فحص الباحثون عيناتٍ عشوائيةً لتوليد معلومات تمثيلية إحصائيًّا حول 16 مجموعة في تسعة بلدان في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، غطت تلك المسوحات عينات غير متجانسة تم إنشاؤها بطرق مختلفة، سبع عينات تعتمد على الاتصال العشوائي بأرقام الهاتف الأرضي والهاتف المحمول، في حين أن التسع الأخرى مأخوذة من دراسات سابقة ممثلة لعينات فرعية محددة تضم العاملين في القطاع الرسمي وغير الرسمي، والعمال الزراعيين، والمؤسسات التجارية الصغيرة، واللاجئين والمهاجرين وعائلاتهم.

كشفت تلك الدراسة عن صورة شاملة للضائقة الاقتصادية المتزايدة التي تمتد على كلٍّ من الطبقات الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية.

توثق مجموعة البيانات المجمعة الانخفاضات الحادة في التوظيف والدخل في العينات التي شملتها المسوحات، والتي تنافس الخسائر الاقتصادية التي تعرضت لها الولايات المتحدة والدول الغنية الأخرى أو تتجاوزها؛ فعلى سبيل المثال، أفادت نسبة 50 إلى 80٪ من عينة السكان في بنغلاديش وبوركينا فاسو وكولومبيا وغانا وكينيا ورواندا وسيراليون عن خسائر في الدخل خلال فترة الوباء الحالي.

 وتقول الدراسة إن استمرار تلك الآثار يعني دفع عشرات الملايين من الأسر الضعيفة بالفعل إلى براثن الفقر.

تمتد هذه الصدمة الاقتصادية التي سبَّبها الوباء العالمي إلى طبقات اجتماعية اقتصادية داخل كل بلد، وتشير نسب مماثلة من الأسر في درجات مختلفة من السلم الاجتماعي والاقتصادي إلى انخفاض العمالة والدخل، بينما تسلط البيانات الضوء على نسبة السكان الذين يعانون من انخفاض الدخل خلال الفترة.

ووفق ما ورد في الدراسة، كان شهر أبريل وبالًا على العديد من الأسر، التي كانت غير قادرة بالفعل على تلبية الاحتياجات الغذائية الأساسية.

على سبيل المثال، أُجبر 48٪ من الأسر الكينية الريفية، و69٪ من الأسر الزراعية التي لا تملك أرضًا في بنغلاديش، و87٪ من الأسر الريفية في سيراليون على تفويت وجبات الطعام.

كارثة صحية عامة ومجتمعية

ترسم البيانات صورة متسقة: يبدو أن الصدمة الاقتصادية والاضطرابات المصاحبة لسبل العيش خلال المراحل الأولى من الجائحة كبيرة عبر مجموعة من السكان في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية قد تتجاوز حجم الاضطراب والآثار التي وثقها الاقتصاديون في الأزمات العالمية الأخيرة الأخرى، التي تتضمن الأزمة المالية الآسيوية عام 1997، والركود الكبير عام 2008، وتفشِّي فيروس إيبولا في عام 2014.

نتيجةً لذلك، بالنسبة للبلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، قد تصبح الأزمة الاقتصادية التي أحدثها الفيروس المسبب لكوفيد -19 كارثةً صحيةً عامةً ومجتمعيةً مثل الوباء نفسه.

وقد ثبت الارتباط بين الأزمة الاقتصادية الحادة في أثناء الطفولة والتدهور اللاحق في صحة البالغين والتغذية والتعليم والقدرة على الكسب في العديد من السياقات.

قدمت الدراسة نتائج من 16 عينةً في تسعة بلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، يبلغ عدد سكان هذه البلدان -بنغلاديش وبوركينا فاسو وكولومبيا وغانا وكينيا ونيبال والفلبين ورواندا وسيراليون- حوالي 500 مليون نسمة.

درس الباحثون عدة مجموعات سكانية فرعية مختلفة في بنغلاديش وكينيا، ونصف عينات الدراسة مأخوذة من بلدين يبلغ عدد سكانهما مجتمعين 200 مليون نسمة، وفي كل عينة، أجرى الباحثون مسحًا هاتفيًّا واحدًا على الأقل في وقتٍ ما خلال الفترة من إبريل إلى يونيو 2020 بعد اندلاع الوباء.

أجرى الباحثون محاولةً لتوحيد أسئلة المسح في محاولة للوصول إلى بيانات مُتسقة، لكن، ووفق الدراسة، كانت هناك مجموعة من التعديلات الضرورية ليناسب المسح السياق المحلي.

شملت الأسئلة مستويات الدخل قبل كورونا، ومستويات التوظيف، وإمكانية الوصول إلى أسواق السلع الغذائية، وتلقي الدعم الحكومي أو دعم المؤسسات الخاصة، علاوةً على طبيعة الوجبات والتغذية وإجمالي الحصص الغذائية، وجرت مقارنة تلك البيانات بمستوى خط الفقر.

وبسبب إجراء المقابلات عبر الهاتف، راعى الباحثون القيود الموضوعة على جمع البيانات، فتم تصميم الاستطلاعات لتكون قصيرةً لتدوم مدة المكالمة فقط من 15 إلى 30 دقيقة، وعلاوةً على ذلك، كان هناك قيدٌ متمثلٌ في احتمالية أن تكون الأسر الفقيرة للغاية لا تمتلك هواتف أو تعيش في مناطق لا تصل إليها شبكات الاتصالات.

يقول الباحث في العلوم الاجتماعية والاحصاء بمركز ابتكارات من أجل القضاء على الفقر، جيفري موسانيك، لم يشارك في تلك الدراسة: إن هناك أسبابًا أخلاقية وأسبابًا تتعلق بالمصلحة الذاتية على حدٍّ سواء تشير إليها تلك الدراسة.

ويشير "موسانيك" في تصريحات خاصة لـ"للعلم" إلى أنه يجب على الدول الغنية الاهتمام بهذه التأثيرات العالمية، فقد أظهر الوباء بوضوح "كيف يتشابك الاقتصاد مع الصحة العامة عالميًّا"، ومع طرح اللقاحات، لا يزال هناك قلق من أن الطفرات والمتغيرات الجديدة التي تطرأ على الفيروس قد تعرقل التعافي، لذلك ينصح "موسانيك" بأن تحصل الأسر في البلدان الفقيرة -حيث يرجُح أن يكون التطعيم أبطأ- على دعمٍ ماليٍّ كافٍ يُمكِّنهم من اتباع إرشادات الصحة العامة دون تعريض حياتهم الأساسية للخطر.

يقول أستاذ الاقتصاد بجامعة ييل والمؤلف المشارك في تلك الدراسة، أحمد مُشفق مبارك، في تصريحات خاصة لـ"للعلم": إن الخلاصة الرئيسية لتلك الورقة هي أن الوباء أدى إلى تراجُع النشاط الاقتصادي بطريقة تهدد سبل عيش الأسر في جميع أنحاء العالم؛ ففي العديد من البلدان أدى فقدان الدخل إلى انخفاض في الرعاية الصحية وارتفاع حاد في انعدام الأمن الغذائي، وبالتالي "فإننا نرى الحاجة إلى تقديم المساعدة الاقتصادية من الدول الغنية للدول الفقيرة؛ من أجل الحفاظ على المتطلبات الأساسية خلال الانكماش الاقتصادي العالمي الحالي".