يُعد تدهور الذاكرة علامةً مميزةً على كلٍّ من الشيخوخة الطبيعية والمرضية، ويمثل مصدرَ قلقٍ مُلِحًّا للصحة العامة للمسنين في جميع أنحاء العالم. ووفق تقديرات منظمة الأمم المتحدة، هناك توقعات بارتفاع عدد كبار السن حول العالم إلى أكثر من 1.5 مليار شخص بحلول عام 2050.

ويختلف تعريف الشيخوخة –التي تُعَدُّ حقيقةً بيولوجيةً تحدث خارج نطاق التحكم البشري- من مجتمع إلى آخر؛ إذ تربط بعض المجتمعات حدوث الشيخوخة بتقدم العمر، في حين تربطها مجتمعات أخرى بعدم قدرة الشخص على أداء المهمات المنوطة به، والعجز عن المشاركة الفعالة في الأنشطة المجتمعية.

لكن الطبيب الإغريقي "جالينوس" رأى في رسالة كتبها قبل 1845 عامًا تحت عنوان "علم الصحة" أنه "بالرغم من أن الموت أمرٌ حتمي؛ لأن الجسم يتدهور من تلقاء نفسه، إلا أنه يمكن التخفيف من آثار الشيخوخة -بل وحتى تأخيرها- عبر اتباع إجراءات وقائية"، وهي الرؤية التي تحولت في عصرنا الحديث إلى سلسلة من التوصيات المضادة الشيخوخة، من خلال ممارسة السير بصورة منتظمة، والجري، واتباع أنماط حياة صحية.

في حين تعرِّف منظمة الصحة العالمية التمتع بالصحة في مرحلة الشيخوخة بـ"عملية تطوير القدرة على الأداء التي تمكِّن من التمتُّع بالعافية في الكبر، ويمكن للجميع أن يتمتع بالصحة في مرحلة الشيخوخة، بحيث لا يقتصر ذلك فقط على مَن يتمتعون بحياة خالية من الأمراض".

وتحدد القدرة على الأداء حالة القدرات البدنية والعقلية للشـخص والبيئات التي يعيش فيها الفرد (بمفهومها الأوسـع، بما يشـمل البيئات المادية والاجتماعية والسياسية) والتفاعل بين هذه العوامل كلها. وهناك ثلاثة عناصر يمكن قياسها باستخدام المعايير والمقاييس الموحدة، وهي: القدرة على الأداء، والقدرات البدنية والعقلية، والبيئات المحيطة.

السعادة مفتاح الذاكرة

ووفق دراسة نشرتها دورية سايكولوجيكال ساينس، فقد توصل فريق من الباحثين بجامعة "نورث وسترن" الأمريكية، إلى أن احتمالات الإصابة بتدهور الذاكرة مع التقدم في العمر تتراجع لدى الأشخاص الذين يتمتعون بالشعور بالسعادة ويتمكنون من التأثير الإيجابي فيمَن حولهم.

وذكرت الدراسة، التي حملت عنوان "التأثير الإيجابي مرتبط بانحدار أقل للذاكرة: دليل من دراسة طولية مدتها 9 سنوات"، أن "تدهور الذاكرة يُعد مصدر قلق للسكان المسنين في جميع أنحاء العالم. وأن التأثير الإيجابي يؤدي دورًا مهمًّا في "الشيخوخة الصحية" المتمثلة في "تعزيز فرص المسنين في الحياة بصحة جيدة والمشاركة الفعالة في المجتمع".

فحص الباحثون الارتباطات بين التأثير الإيجابي (أي الشعور بالحماس واليقظة والفخر والنشاط) وعمل الذاكرة (أي الاسترجاع الفوري والمتأخر للأحداث)، بالاعتماد على دراسة طولية مدتها 9 سنوات لعينة من 991 من متوسطي العمر وكبار السن في الولايات المتحدة.

ويوضح الباحثون أن "الدراسات السابقة رأت أن التأثير الإيجابي قد يفيد في أداء الذاكرة من خلال عدة مسارات، فسيولوجية وسلوكية واجتماعية. فعلى صعيد المسارات الفسيولوجية، تم ربط التأثير الإيجابي بوظائف القلب والأوعية الدموية الأكثر تكيفًا (التعافي السريع من التأثيرات القلبية الوعائية المرتبطة بالعاطفة السلبية على سبيل المثال)، وبالنسبة للمسارات السلوكية، ارتبط التأثير الإيجابي بسلوكيات صحية أكثر تكيفًا مثل النشاط البدني، وفيما يتعلق بالمسارات الاجتماعية، تم ربط التأثير الإيجابي بعلاقات اجتماعية أفضل، وكلها عوامل يمكن أن تقلل من خطر الإصابة بالتدهور المعرفي".

فك الشفرة

تشير الدراسة إلى أنه "على الرغم من الارتباط الموثق بين هذه المسارات، تظل الارتباطات طويلة المدى بين التأثير الإيجابي والذاكرة غير واضحة".

إذ "تُظهر بعض الدراسات الطولية بالفعل أن التأثير الإيجابي العالي يرتبط بشكاوى أقل من تدهور الذاكرة الذاتية، وبتراجُع أقل في سرعة الإدراك، في حين لم تجد دراسات طولية أخرى أي ارتباط"، وهو التناقض الذي سعى الباحثون في الدراسة الجديدة إلى فك شفرته باستخدام مقاييس متنوعة لرصد التأثير الإيجابي وأخرى موضوعية للتعرُّف على أداء الذاكرة، بالإضافة إلى تلك العينة التى وفرت قوةً إحصائيةً كافيةً لاكتشاف التأثيرات الصغيرة التي تشمل الأفراد.

اعتمد الباحثون على تحليل البيانات المتاحة على مدى أكثر من 18 عامًا ضمن "المسح الوطني لتطور منتصف العمر في الولايات المتحدة" (MIDUS)، خلال ثلاث فترات زمنية منفصلة: (1995-1996)، و(2004-2006)، و(2013-2014).

إذ أبلغ 7120 من المشاركين في الفترة الأولى عن تمتُّعهم بتأثير إيجابي وفق اختبار السلوك التكيفي (ABS)، وهو أحد المقاييس المستخدمة لقياس مدى فاعلية الفرد في التعامل مع المطالب الطبيعية والاجتماعية للمجتمع الذي يعيش فيه، وكذلك مقياس "جدول الرفاه العام" (GWB)، وهو عبارة عن استبانة يتم إجراؤها ذاتيًّا لمعرفة شعور الفرد حيال "حالته الشخصية الداخلية"، ويتكون من 18 عنصرًا تغطي ستة أبعاد، هي: القلق، والاكتئاب، والصحة العامة، والرفاهية الإيجابية، وضبط النفس، والحيوية.

في حين أبلغ 75% من المشاركين في الفترة الثانية (والبالغ إجمالي عددهم 4955 شخصًا) عن تمتُّعهم بتأثير إيجابي، وشهدت هذه الفترة إضافة مقياس ثالث هو "جدول الانفعالات الإيجابية والسلبية" PANAS، وهو مقياسٌ يتكون من كلمات مختلفة تصف المشاعر والعواطف مثل الخوف والحزن والفرح والاضطراب والشعور بالذنب والفزع والفخر والخجل والتوتر واليقظة والنشاط، وأبلغ 77% من المشاركين في الفترة الزمنية الثالثة عن تمتُّعهم بتأثير إيجابي.

واكتفى الباحثون -في الدراسة الحالية- بتحليل بيانات 991 من البالغين الأمريكيين ممن هم في منتصف العمر أو كبار السن ويتمتعون بمستويات أعلى من التأثير الإيجابي، مقارنةً بباقي المشاركين في الفترات الثلاث التي تضمَّنها المسح، إضافةً إلى حرص الباحثين على التحكم في المتغيرات المشتركة الأخرى، مثل الجنس، والتعليم، والاكتئاب، والتأثير السلبي، والانبساط.

وفي أثناء إجراء الاختبارات نظر مؤلفو الدراسة في مجموعة الحالات المزاجية الإيجابية التي شعر بها كل شخص على مدار الثلاثين يومًا التي سبقت إجراء الاختبارات، وأجرى الباحثون مجموعةً كاملةً من اختبارات أداء الذاكرة في أثناء الاختبارين الأخيرين؛ إذ شجعت الاختبارات المشاركين على تذكُّر الكلمات فور رؤيتها ثم مرةً أخرى بعد 15 دقيقة.

وأظهرت النتائج أن الأشخاص المتحمسين والمرحين الذين يتمتعون بـ"التأثير الإيجابي"، يكونون أقل تعرُّضًا للمعاناة من تراجُع حاد في ذاكرتهم مع مرور الوقت.

التأثير الإيجابي والذاكرة

تقول كلوديا هاس، أستاذة التنمية البشرية والسياسة الاجتماعية في جامعة نورث وسترن، والمؤلفة الرئيسية للدراسة: "إن الدراسة الحالية واجهت مجموعةً من الصعوبات والمعوِّقات التي ترتبط بشكل أساسي بالمقاييس الإحصائية المستخدمة في تحليل بيانات عينة البحث".

وتضيف "هاس" في تصريحات لـ"للعلم": تستمد تلك الدراسة قوتها من كونها استخدمت عينةً وطنيةً كبيرةً من البالغين، في منتصف العمر ومن كبار السن في الولايات المتحدة، وفحصتهم على مدار عقد تقريبًا، لكنها ترى أنه يجب استخدام تقنيات إحصائية مناسبة في البحوث المستقبلية؛ لفحص مدى ارتباط التغيرات المؤثرة التي يتعرَّض لها الأشخاص بالتدهور الذي قد يصيب ذاكراتهم.

وعن إمكانية تطبيق نتائج الدراسة على المجتمعات الأخرى، تقول "هاس": قد تختبر الدراسات المستقبلية قابلية تعميم النتائج التي توصلنا إليها على فئات عمرية مختلفة وعلى البلدان الأخرى.

وتؤكد أنه من الضروري إجراء تجارب إكلينيكية ومعملية للحصول على نتائج أكثر شمولًا ودقة، قائلةً إنه يمكن أن تُقيِّم الدراسات العشوائية المستقبلية آثارَ التدخلات ذات التأثير الإيجابي على تدهور الذاكرة.

وعلى النقيض تمامًا، يرى وليد هندي -استشاري الصحة النفسية والحاصل على درجة الدكتوراة في العلوم النفسية من جامعة القاهرة- في تصريحات لـ"للعلم" أنه يصعب تمامًا تطبيق نتائج الدراسة الحالية على مجتمعاتنا الشرقية في ظل تبايُن التنشئة الاجتماعية والثقافية والتباين في مستوى الرفاهية؛ فالمجتمع الأمريكي يصنف من مجتمعات الرفاهية، في حين تُعَدُّ مجتمعاتنا الشرقية من "مجتمعات الحاجة".

أما "هاس" فقد رفضت القول بأن الأشخاص الذين يعانون من "التأثير السلبي" أو النظرة المتشائمة قد يضرون بأدمغتهم، مؤكدةً أن "أحد التوجهات المهمة للبحث في المستقبل تتمثل في فحص المسارات التي تربط بين التأثير الإيجابي والذاكرة، ويتضمن ذلك الصحة البدنية والتغيرات الفسيولوجية العصبية والسلوكيات الصحية والعلاقات الاجتماعية"، نافيةً "إمكانية إسهام نتائج تلك الدراسة في إيجاد حلول فعالة في علاج مرض ألزهايمر".

لكن "هندي" يؤكد أن المتشائم لديه طاقة سلبية تنال من صحته النفسية والجسمانية؛ إذ يعاني من مناعة نفسية متدهورة، بل ومناعة جسدية ضعيفة أيضًا، ما يؤثر سلبًا على ذاكرته؛ إذ تصيبه بالوهن والضعف في الإدراك ومن ثم الذاكرة، وفق وصفه.

وكشف "هندي" أن هناك مجموعة من العوامل التي تؤثر في الذاكرة البشرية واستدعائها للحدث، أهمها المدى الزمني والأثر، فكلما كان الأثر قويًّا والخبرة مؤلمةً كان استدعاء الحدث سهلًا، أما الأشخاص الأكثر سعادةً وبهجةً فلا ينطبق عليهم قانون الأثر؛ لأنهم يتمتعون بنفسية مرنة تقفز فوق مستوى الحدث وتنأى عن التفاصيل، ولا يمثل لهم المدى الزمني فرقًا.

الأنشطة المحفزة

وفي السياق، كشفت دراسة أجراها باحثون بالمعاهد الوطنية للصحة والشيخوخة والصحة العقلية بالولايات المتحدة، أن الأنشطة المحفزة للعقل، والانخراط في الأنشطة الاجتماعية، تخفض خطر التعرُّض لـ"ضعف الإدراك المعتدل"، الذي يؤدي إلى مشكلات تتعلق بالذاكرة، مثل نسيان الأحداث الأخيرة، أو تكرار السؤال نفسه.

توصل الباحثون إلى نتيجة الدراسة بعد مراقبة 2000 شخص متوسط أعمارهم 78 عامًا، ولم يكن لديهم أيٌّ من أعراض "ضعف الإدراك المعتدل"، ووجد الباحثون أن استخدام الكمبيوتر –على سبيل المثال- في منتصف العمر يرتبط بانخفاض خطر الإصابة بـ"ضعف الإدراك المعتدل" بنسبة 48%، وأن استخدامه مع تقدم العمر يرتبط بخفض احتمالات التعرض لـ"ضعف الإدرااك المعتدل" بنسبة 30%.

كما ارتبط الانخراط في الأنشطة الاجتماعية، مثل الذهاب إلى السينما في منتصف العمر وما بعده، بانخفاض خطر الإصابة بـ"ضعف الإدراك المتعدل" بنسبة 20%، في حين قللت الحرف اليدوية من ضعف الإدراك بنسبة 42%.