"كلوثو" هي إحدى آلهة الأقدار الثلاث في الأساطير الإغريقية، وهي التي تولت المسؤولية الثقيلة المتمثلة في غزل خيط الحياة البشرية. لذا يبدو مناسبًا أن يُسَمَّى بروتين مرتبط بتقصير الأعمار أو إطالتها باسم هذه الشخصية الخرافية. اكتشف باحثون البروتين "كلوثو" في عام 1997، عندما لاحظوا أن انخفاض مستوياته يتسبب في تسارع وتيرة الشيخوخة لدى الحيوانات. وعلى النقيض من ذلك، فإن الفئران المُعَدَّلَة وراثيًّا بحيث تحافظ على مستويات مرتفعة من البروتين "كلوثو" عاشت مدة أطول من الفئران الطبيعية بنسبة 30%. وتشير أبحاث حديثة إلى أن البروتين نفسه قد يشكل أساسًا لتطوير علاجات مضادة للشيخوخة.

ومنذ ذلك الوقت، أثبتت الكثير من الدراسات دور البروتين "كلوثو" في إطالة العمر لدى البشر أيضًا، إلى جانب ما يحققه من تأثيرات وقائية على الأعضاء في جميع أنحاء الجسم. تنخفض مستويات البروتين مع تقدُّم العمر، بيد أن بعض الناس ممن يحملون نسخة الجين المسؤول عن إنتاج هذا البروتين، وهي التي تُعرف باسم KL-VS، ينتجونه بكميات أكبر وعادة ما يعيشون مدة أطول. وحاليًّا، تشير دراسة بقيادة الطبيبة وعالمة الأعصاب دينا دوبال بجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو إلى أن "كلوثو" لديه القدرة على أن يُستَخدَم كعلاج مضاد لشيخوخة الدماغ وما يصاحبها من أمراض. فقد اكتشف الفريق البحثي أنه حقق تأثيرات مفيدة في الفئران الصغيرة والمُسِنَّة على مستوى الذاكرة والتعلُّم وعلى بعض الإعاقات الحركية المصاحبة لمرض باركينسون.

تشير هذه النتائج إلى علاج محتمل للأمراض المصاحبة لشيخوخة المخ -مثل مرض ألزهايمر- والآخذة في الازدياد بسبب الاتجاهات الديموغرافية. تقول دوبال: "لقد ازدادت أعمارنا بما يعادل الضعف تقريبًا منذ بدايات القرن العشرين. بيد أنه لا علاج طبي فعال لهذه المشكلة الخبيثة المتعلقة بفقدان الدماغ لوظائفه مع تقدم العمر والإصابة بالأمراض".

كان البحث المتعثر عن علاج كهذا هو دافع دوبال للتساؤل حول الدور المحتمل للبروتين "كلوثو" في إبطاء التدهور الإدراكي. وفي عام 2014، أجرت دوبال وزملاؤها دراسة على 700 شخص تتراوح أعمارهم بين 52 و85 عامًا، اختبروا فيها مجموعة من القياسات الإدراكية، وكان بعض المشاركين في الدراسة يحملون نسخة  KL-VS المفيدة من الجين. وجد الباحثون أن مَن يحملون النسخة المذكورة أظهروا معدلًا مماثلًا لغيرهم في التدهور الإدراكي، غير أنهم امتازوا عنهم بإظهار أداء أفضل في الاختبارات الإدراكية بغض النظر عن أعمارهم.

وقد ظهرت تأثيرات مماثلة في فئران معدَّلة وراثيًّا بحيث تنتج كميات عالية من البروتين "كلوثو". وكشف تحليل لنسيج مأخوذ من أدمغة تلك الفئران "الذكية" عن وجود تباينات في أحد أنواع المستقبِلات الكيميائية (NMDA)، صاحب الدور المهم في تنظيم العمليات المسؤولة عن التعلُّم والذاكرة. وتتولى هذه العمليات -التي تُعرف إجمالًا باسم "المرونة الشبكية"- تغيير قوة التوصيلات بين الخلايا العصبية (المشابك العصبية) كرد فعل للخبرة. تمتعت الفئران بعدد مضاعف للمُكَوِّن، أو الوحدة الثانوية، المُسَمَّاة GluN2B من مستقبلات NMDA، وذلك في الحُصَين والقشرة الدماغية الجبهية، وهما منطقتان أساسيتان مسؤولتان عن الذاكرة. وعند تعطيل المكون GluN2B باستخدام الأدوية، تتلاشى الفوائد الإدراكية. وتشير هذه النتائج إلى أن البروتين "كلوثو" يعمل عن طريق زيادة عدد الوحدات الفرعية GluN2B في مستقبلات NMDA.

ضمت هذه الدراسة أشخاصًا وفئرانًا تمتعوا بمستويات مرتفعة من البروتين "كلوثو" على مدار حياتهم، مما أثار تساؤلًا آخر، وهو: هل يمكن إعطاء بروتين "كلوثو" كدواء على نحو متقطع لتحقيق تأثيرات مفيدة مماثلة؟ استخدم الفريق البحثي في الدراسة الحالية جزءًا صناعيًّا من بروتين "كلوثو"، مشابهًا لما تفرزه الخلايا ويدور في الدم بوصفه هرمونًا ينظم الكثير من الوظائف البيولوجية. اختبر الباحثون الفئران الصغيرة عن طريق إخضاعها لمجموعة من المهام المرهقة لمقياسي الذاكرة المكانية والتعلُّم، وكذلك الذاكرة العاملة (القدرة على حفظ المعلومات في الذاكرة قصيرة المدى في أثناء التعرض للارتباك والتشتت)، وذلك داخل متاهات. تحسن كلا المقياسين في الفئران المُعالَجَة، كما حَسَّن الجزيء من الذاكرة العاملة بعد أربع ساعات فقط من الحقن.

وعندما أضاف الباحثون مهمات تدريبية إلى العلاج لتحسين الأداء الإدراكي، استمرت التأثيرات أسبوعين على الأقل، أي بعد تخلُّص الجسم من الهرمون بوقت طويل، مما يشير إلى حدوث إعادة تنظيم عصبي ممتد. تقول دوبال: "في غضون ساعات، تحسَّن الأداء الإدراكي لدماغ الفأر البالغ صغير السن، وهذه نتيجة مهمة للغاية، ولها آثارها على التفكير في تحسين الإدراك". وتضيف قائلة: "ولكن ينصب تركيزنا الأساسي على تسخير هذه النتائج لخدمة الدماغ الذي يعاني اضطرابات وظيفية، آملين في أن تساعد الأشخاص المصابين بالأمراض، وفي تحسين جودة الحياة".

ومن أجل تحقيق هذا الهدف، أجرى الباحثون اختبارًا على فئران مسنة (تبلغ من العمر 18 شهرًا، وهو ما يعادل 65 عامًا في البشر)، ورصدوا حدوث تحسُّن في مهمة تقيس الذاكرتين المكانية والعاملة بعد حقن الفئران بحقنة واحدة فقط. تقول دوبال: "لقد أحدثت بالفعل تحسنًا في قدرة الفأر المسن على التجول في أرض جديدة واستكشافها".

اتجه الباحثون بعد ذلك إلى فئران مُعدَّلة وراثيًّا لتحاكي مرض باركينسون، وتنتج كميات مرتفعة من البروتين البشري ألفا ساينوكلين. وقد أدت الفئران المُعالَجَة أداءً أفضل إلى حد كبير في اختبارات الوظائف الحركية والإدراكية، وأظهر تحليل لنسيج الدماغ أن العلاج لم يغير مستويات البروتين ألفا ساينوكلين. تظن دوبال أن البروتين "كلوثو" يحسِّن من قدرة الدماغ على التعافي من البروتينات السامة بدلًا من استهدافها مباشرةً مثلما تفعل الأساليب الأخرى. كذلك قاس الفريق الزيادات المستمرة في قوة الاتصال العصبي التابعة لتحفيز الحُصين. تقول دوبال: "أفضل تصور توصلنا إليه، مع الوضع في الاعتبار التحسن الذي شاهدناه في وظائف نقاط التشابك العصبي، هو أنه بطريقة ما، عند تقوية التشابك العصبي يمكن مواجهة آثار الشيخوخة والأمراض المرتبطة بالبروتين ألفا ساينوكلين".

ولمعرفة كيف ينتج البروتين "كلوثو" آثاره، حلل الفريق مستويات GluN2B في حُصين الفئران المعالجة، متوقعين حدوث زيادة في أعداد الوحدات الفرعية للمستقبلات، مثلما اكتشفوا في الدراسة السابقة. تقول دوبال: "قسنا مستويات GluN2B بعناية، ولم تكن مختلفة، ولم تتفق مع فرضيتنا". ثم تفتق ذهن أحد الباحثين، جوليو ليون، عن فكرة مفادها أن البروتين لم يكن يزيد أعداد الوحدة الفرعية GluN2B ولكنه بدلًا من ذلك ينشط مكونات المستقبِل الموجودة بالفعل. قام الفريق بعد ذلك بتعطيل GluN2B بدواء، وللمرة الثانية، رُصِدَ اختفاء الآثار النافعة التي ينتجها البروتين "كلوثو". وفي النهاية، حلل الفريق التغيرات في ما يقرب من 4000 بروتين بعد العلاج، وتوصلوا إلى أن استثارة إشارات الجلوتاميت - التي تتضمن الناقل العصبي الذي تستخدمه مستقبلات  - NMDAهي العملية الأساسية التي تتأثر بالبروتين "كلوثو".

ينتج الهرمون المضاد للشيخوخة هذه التأثيرات دون دخول الدماغ؛ لأن حجمه كبير ولا يستطيع عبور الحاجز الدموي الدماغي الدفاعي. ولم يكتشف الباحثون أدلة حول دخول جزء البروتين إلى الدماغ أو تغييره لمستويات البروتين "كلوثو" الذي ينتجه الدماغ نفسه. يقول ديفيد هولتزمان -من جامعة واشنطن في سان لويس، والذي لم يشارك في الدراسة-: "بما أن الجزء البروتيني لا يعبر الحاجز الدموي الدماغي، فلا بد أنه يتفاعل مع عامل آخر يستطيع أن يلج إلى الدماغ". ويضيف قائلًا: "سواء كان عاملًا مرتبطًا بالجهاز المناعي أو شيئًا آخر، فمن المهم فهمه في دراسات مستقبلية؛ لأنه قد يتضح في النهاية أن التأثيرات مفيدة من الناحية الإكلينيكية".

تخفق أغلب الدراسات المجراة على الفئران في نقل نجاحاتها إلى التجارب البشرية، غير أنه يوجد سببان يدعوان للتفاؤل، هما: أن "كلوثو" تنتجه الكليتان والدماغ على نحو طبيعي في البشر، وأنه يُنتَج بمستويات متباينة على نطاق واسع على مدار حياتنا، لذا ليس هناك ما يدعو للقلق بشأن القدرة على تحمله ومدى أمانه، كما أنه مرتبط بالفعل بتحسن الإدراك لدى البشر. تقول دوبال: "من المهم بالفعل بالنسبة لي، كطبيبة وعالمة، أن يكون ما ندرسه في الفئران مفيدًا للبشر". وتضيف قائلة: "لكن لدينا أدلة قوية على أن "كلوثو" مرتبط بتحسين الصحة الذهنية للبشر، ولو بالتبعية".

تدرس عالِمة الأعصاب كارميلا أبراهام -من جامعة بوسطن- طرقًا لزيادة إمداد الدماغ بالبروتين "كلوثو". وتقول: "المدهش هنا هو أن شيئًا تحقنه في البطن يكون له هذه التأثيرات على الإدراك دون رفع مستويات "كلوثو" في الدماغ". تعاونت أبراهام مع دوبال ولينارت ميوك من "معهد جلادستون للأمراض العصبية" في جهود عام 2014، وكذا في دراسة أجريت في عام 2015، وأظهر العلماء أن إضافة الجين الذي يزيد من مستويات البروتين "كلوثو" في فئران مهندسة وراثيًّا بحيث تحاكي مرض الزهايمر، تقيها الإصابة بالاضطرابات الإدراكية التي عادة ما تُرصَد في فئران كهذه. وعلى الرغم من تحمس أبراهام لقدرات "كلوثو"، فإن لديها تحفظين: الأول هو أن تأثيرات البروتين ربما تلقي بظلالها على خطوات كثيرة في سلسلة الأحداث الجزيئية التي تنتهي بالتأثير على المُكَوِّن GluN2B، وتقول: "نحن لا نعرف الآلية، ومن المهم أن نكتشف جميع الجزيئات المشاركة في المسار قبل أن نستخدم أي شيء مع البشر". أما التحفظ الثاني فهو أن مجموعات بحثية كثيرة تعاني في إنتاج "كلوثو" بصورة منتظمة بسبب حجم البروتين وتعقيده. يحاول فريقها التعرف على الجزيئات التي تتفاعل مع بروتين "كلوثو". وتقول: "بمجرد أن نعثر على هذا المُستَقبِل، يمكننا أن نصمم جزيئات صغيرة تنشطه، وسيكون إنتاج هذه الجزيئات أسهل بكثير من إنتاج بروتين ضخم مثل "كلوثو"".

من جانبها، تُعرب دوبال عن اهتمامها بإقامة شراكة مع شركات في مجالي التكنولوجيا الحيوية والأدوية؛ بهدف التحول نحو إجراء تجارب على "كلوثو" نفسه في البشر. وتقول: "سواء قاد اكتشافنا إلى التعرف على مسارات تتضمن جزيئات فعالة صغيرة الحجم أو أدوية حيوية قائمة على "كلوثو" لتحسين وظائف الدماغ وقدرته على التعافي، فإن ذلك سيكون تقدمًا كبيرًا نحو تحسين محتمل لجودة الحياة".