"توقفي عن الشكوى طوال الوقت".. عبارة سمعتها "نادين"، البالغة من العمر 36 سنة، مئات المرات، بدأت رحلة "نادين" مع الألم عندما باغتتها الدورة الشهرية لأول مرة وهي في سن الحادية عشرة والنصف؛ إذ عانت وقتها من آلام شديدة في الحوض، تقول: شعرت بألم يشبه الطعن بسكين، لم أكن أعرف سر كل هذه المعاناة التي ظن البعض أني أبالغ في أمرها، تناولت العديد من الأدوية للسيطرة على أعراض مرضٍ ظل فتراتٍ طويلةً مجهولًا بالنسبة لمَن يشرفون على علاجي، تعلمت كيفية التخلص من حساسية جسدي تجاه الألم تدريجيًّا من خلال أداء تمارين اليقظة والعلاج الجسدي والعلاج الطبيعي لمنطقة الحوض، ساعد ذلك –إلى حدٍّ ما- في تغيير حياتي.

وبعد عشرين عامًا، وإجراء كثير من الفحوص لمنطقة الرحم، عرفت "نادين" أن سبب كل هذا الألم إصابتها بالتهاب بطانة الرحم الذي حار الأطباء في تشخصيه، نظرًا لتبايُن أعراضه من سيدةٍ إلى أخرى؛ فبعض النساء قد يعانين من تكاثر الآفات والإصابة بنزيف يتزامن مع وقت الدورة الشهرية، إذ يترك المرض ندباتٍ ليفيةً مع كل دورة شهرية، وهناك نساء يعانين من آلام مصحوبة بإرهاق شديد واضطرابات هضمية شديدة ودوخة، فضلاً عن الشعور بألم في أثناء الجماع.

تضيف "نادين" –التي اكتفت بذكر اسمها الأول فقط- في تصريحات لـ"للعلم": ما زلت أعاني الألم، وانتكاساتٍ صحية، وأيامًا ثقيلةً للغاية.

الانتباذ البطاني الرحمي

وعلى الرغم من أن مرض بطانة الرحم المهاجرة ظل من الصعب تشخيصه فتراتٍ طويلة، لكن الأوساط العلمية بدأت تنتفض كي تلحق ما فاتها وتضع حدًّا لعقود من آلام مرضاه؛ إذ كشفت دراسة نشرتها دورية "ساينس ترانسليشنال ميديسن" (Science Translational Medicine) عن هدف دوائي محتمل لمرض شاع عنه أنه "مرض غير قابل للشفاء".

يُعرف مرض "بطانة الرحم المهاجرة" أيضًا باسم "الانتباذ البطاني الرحمي"، وهو اضطرابٌ يحدث نتيجة نمو نسيج مشابه للنسيج الذي يبطِّن الرحم من الداخل إلى خارج الرحم، ويتضمن "الانتباذ البطاني الرحمي" الأكثر شيوعًا المبيضين، وأُنبوبَي فالوب والأنسجة المبطنة للحوض، ونادرًا ما ينمو النسيج البطاني الرحمي خارج أعضاء الحوض، وعندما يؤثر الانتباذ البطاني الرحمي على المبيضين، قد تتشكل الخراجات المعروفة بورم بطانة الرحم، ويمكن أن تصبح الأنسجة المحيطة متهيجة، مما يؤدي في النهاية إلى ظهور أنسجة ندبية والتصاقات يمكن أن تسبب انسدادًا في أنسجة الحوض والأعضاء، وعلى الرغم من أن هذا المرض وُصف لأول مرة منذ أكثر من 100 عام، إلا أن المعرفة الحالية بمسبباته وتطوره التلقائي وعلاقته بالعقم وآلام الحوض المصاحبة لا تزال غير واضحة، وفق دراسة سابقة نُشرت عام 2009.

هدف علاجي

يقول توماس تابمير، الباحث الأول في قسم أمراض النساء والولادة بجامعة موناش الأسترالية، والمشارك في الدراسة: تقترح الدراسة هدفًا دوائيًّا غير هرموني، يمكن أن يقدم طريقةً لعلاج المرض دون إيقاف الدورة الهرمونية.

يضيف "تابمير" في تصريحات لـ"للعلم": استخدمنا الفحص الجيني لتحديد الجين المرتبط بالانتباذ البطاني الرحمي، ووجدنا أنه يرتبط بحدوث تغيراتٍ في جين يُعرف باسم "إن بي إس آر 1" (NPSR1)، وهو الجين المسؤول عن تكوين بروتين يُعرف بالاسم ذاته ويؤدي دورًا بارزًا في نقل الإشارات العصبية وفي عمليات إصابة الجسم بالالتهابات.

ويتابع: اختبرنا تأثيرات تثبيط ذلك الجين في الخلايا في المعمل وفي نماذج فئران تعاني من الانتباذ البطاني الرحمي، ووجدنا أن تثبيطه يؤدي إلى تقليل تسلُّل الخلايا الالتهابية والألم في نماذج الفئران المصابة بالتهاب الغشاء البريتوني وانتباذ بطانة الرحم.

مرض مزمن

تشير أحدث التقديرات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية إلى أن "الانتباذ البطاني الرحمي" يصيب 190 مليونًا من النساء والفتيات في سن الإنجاب، على مستوى العالم، وهو مرضٌ مزمنٌ يكون مصحوبًا بألم شديد في أثناء فترات الدورة الشهرية، والجماع، والتغوط و/أو التبول، ويسبب آلامًا مزمنةً بالحوض، وانتفاخ البطن، والغثيان، والتعب، وأحيانًا الاكتئاب، والقلق، والعقم.

وتحذر المنظمة من أن "العاملين الصحيين قد يجدون صعوبةً في تشخيص هذا المرض، بسبب أعراضه المتغيرة والواسعة، كما أن كثيرًا ممن يعانين منه يفتقرن إلى الوعي اللازم به، وليس له علاجٌ معروفٌ في الوقت الحالي، وعادةً ما يكون الغرض من المعالجة هو السيطرة على الأعراض".

تؤكد دراسة سابقة نُشرت عام 2019 أن "الفشل في تشخيص هذا المرض في الوقت المناسب، والإدارة المناسبة له قد يعزِّزان تطوُّره، إذ يضر بخصوبة الفتيات ويزيد من آلام الحوض المزمنة لديهن".

لذلك تفتح الدراسة الجديدة التي أجرتها كلية بايلور للطب بالتعاون مع آخرين، آفاقًا متفائلةً لوضع حدٍّ لمعاناة شريحةٍ ليست هينةً من النساء، خاصةً أن علاجات المرض المطروحة -سواء العمليات الجراحية لإزالة آفات بطانة الرحم أو استخدام الهرمونات للتحكم في نموها- تكون نتائجها غير كاملة، وقد تؤدي هذه الوسائل العلاجية إلى مخاطر وآثار جانبية.

يقول عمرو نديم -أستاذ طب النساء والتوليد في كلية الطب بجامعة عين شمس، وغير المشارك في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": يتناول البحث المرض في مرحلته الثالثة/ الرابعة، التي تتميز بوجود علاجات محدودة للغاية، وعادةً ما يكون التدخل الجراحي إحدى الخطط المطروحة، وهو حلٌّ ليس يسيرًا؛ إذ إنه يشبه التدخلات الجراحية التي تحدث لإزالة الأورام، كما أن التدخلات الدوائية لمعالجة الالتهاب والألم المصاحب لهذه المرحلة قد لا تكون فعالةً بشكل قاطع، والدراسة الجديدة تطرح حلًّا جينيًّا لعلاج هذا المرض، مما يفتح مسارًا مستقبليًّا جديدًا لعلاج المرض.

32 عائلة

بدأت قصة البحث الجديد عندما أجرى فريقٌ بحثيٌّ من جامعة أكسفورد دراسةً في عام 2015 على 32 عائلةً تضم ثلاثًا أو أكثر من مريضات بطانة الرحم المهاجرة، ومن خلال تحليل الحمض النووي لتلك العائلات، توصل الباحثون إلى وجود ارتباط جيني بين الانتباذ البطاني الرحمي للمرحلة الثالثة/الرابعة والكروموسوم المعروف باسم 7p13-15.

واستغرق الأمر عدة سنوات أخرى من الدراسة أجراها الفريق البحثي –الحالي- في "كلية بايلور للطب" لتحديد مكان هذا الجين، وتحقق الباحثون من هذا الارتباط الجيني من خلال دراسة الحمض النووي في 489 من قردة "المكاك الريسوسي"، مصابة بـ"الانتباذ البطاني الرحمي"، بهدف التوصل إلى أهداف علاجية.

بعد ذلك، قام الباحثون بتثبيط تعبير الجين NPSR1 لدى مجموعة من فئران التجارب كانت تحتوي على قطع صغيرة من بطانة الرحم المزروعة في بطونها لمحاكاة الانتباذ البطاني الرحمي عند البشر، وأظهرت النتائج انخفاض علامات الالتهاب وآلام البطن لدى تلك الفئران.

يقول "تابمير": النتائج التي توصلنا إليها لا تزيل فقط بعض الغموض عن هذا المرض، ولكنها قد تساعد أيضًا على تقليل التشخيصات غير الدقيقة للأعراض التي تتقاطع مع أعراضٍ لأمراض أخرى؛ ففي الماضي، تم ربط الاختلافات في جين NPSR1 بالعديد من الحالات الالتهابية الأخرى مثل الربو والحساسية والتهاب الأمعاء والتهاب المفاصل الروماتويدي وآلام البطن المتكررة.

وتتفق نتائج الدراسة الحديثة مع أطروحة أجراها باحثون من معهد "كوينزلاند للبحوث الطبية" لدراسة الارتباط على مستوى الجينوم (GWAS) لدى 3194 سيدة مصابة بـ"الانتباذ البطاني الرحمي" و7060 سيدة أخرى مثلن مجموعةً ضابطة، وأظهرت النتائج أن المراحل المختلفة من هذا المرض متمايزة وراثيًّا.

بعض التحفظات

من جهته، يُبدي "نديم" بعض التحفظات على الدراسة، قائلًا: تمت دراسة عدد قليل نسبيًّا من المرضى في البداية في جامعة أكسفورد، ولم يكن بالإمكان التحقيق في التأثيرات الوظيفية للمتغير الجيني NPSR1، ولم تقدم لنا الدراسة توضيحًا لما إذا كان تثبيط هذا الجين يمتد من تخفيف الآلام الحادة إلى تخفيف الآلام المزمنة، وهي الشكوى الرئيسية بين مرضى الانتباذ البطاني الرحمي، كما أن الدراسة لم تختبر كيف يمكن أن يؤدي تثبيط الجين في نموذج الفئران المختبرة إلى اختراق أنسجة بطانة الرحم وغزوها، فضلًا عن أن استهداف تثبيط المتغير NPSR1 قد تم تجريبه على الجرذان، ويحتاج إلى دراسة آثاره على البشر. 

تتفق كرينا زوندرفان -عالِمة الأوبئة الجينية من جامعة أكسفورد، والمشاركة في الدراسة- مع تلك التحفظات، مضيفةً: "يجب إجراء مزيد من الأبحاث حول متغيرات الجين NPSR1 وتأثيراتها الوظيفية بين قرود المكاك، وإذا تمكن الباحثون من استهداف الجين في القرود بطريقةٍ مماثلةٍ للفئران، يمكنهم البدء في اختبار علاجات دوائية معينة، وإجراء التجارب السريرية على البشر، لكن يمكننا القول –في الوقت ذاته- بأن لدينا هدفًا واعدًا يمكن البناء عليه لتطوير أدوية تستهدف NPSR1، بما قد يُسهم في علاج الانتباذ البطاني الرحمي.