قبل نحو ألفي عام، وصف أطباء اليونان داءً يُصيب المريض بالعطش الشديد، ويُسبب فقدان الوزن ويتميز بإفراز كمية هائلة من البول، وبعد مئات السنوات، اكتشف الطبيب الإنجليزي "توماس ويليس" وجود طبيعة سُكرية في بول المُصاب بذلك المرض.

ثم مع نهاية الربع الأول من القرن الماضي، وبعد أن عانى ملايين البشر من التداعيات الكارثية لذلك المرض، اكتشف "فريديك بانتينج" و"جون ماكلويد" الأنسولين، ذلك الهرمون الذي يُفرَز في أجسامنا لحرق السكر، وتمكنا من تصنيعه وتنقيته، أحدثَ ذلك الاكتشاف ثورةً حقيقيةً وقلَب الموازين في علاج ذلك المرض.. مرض السكري.

في عام 1921، حقن "بانتينج" ذلك الهرمون في جسد الطفل "ليونارد ثومبسون"، الذي كان على حافة الموت بسبب إصابته بالنوع الأول من السكري، وبعد ساعة واحدة، استيقظ الطفل -الذي كان يبلغ من العمر 14 عامًا فقط- وتداولت وسائل الإعلام خبر ذلك العقار الذي أنهى أسطورة المرض الذي لا يُقهر.

والآن، يعتمد معظم مرضى السكري على الأنسولين للتحكم في مستويات السكر في دمائهم، ورغم نجاح ذلك العلاج في الحفاظ على مستويات الجلوكوز ضمن النِّسَب المسموحة، ورغم كون استعمال الأنسولين الطريقة الأفضل والأكثر موثوقيةً لعلاج مرضى السكري، تبقى هنالك العديد من القيود التي تجعل من استخدامه أمرًا محفوفًا بالمخاطر.

فالأنسولين دواءٌ لمرضٍ مزمن، أيْ أن المريض يحتاج باستمرار إلى الحَقن بذلك الهرمون، ومن دونه ترتفع مستويات سكر الدم، كما يُمكن أن تؤدي جرعاته المفرطة إلى هبوط حاد في سكر الدم، كما يُسبب أيضًا تسارُع ضربات القلب، والخدَر، والشعور بالنعاس، وزيادة الوزن، والصداع، وغيرها من الأعراض الجانبية التي تجعل العلماء يبذلون العديد من الجهود لتطوير علاجات تشفي مريض السكري من ذلك المرض.

برمجة الخلايا!

والآن، وفق دراسة جديدة، تمكَّن فريقٌ بحثي يقوده عالِم أسترالي من أصل مصري من إعادة برمجة الخلايا الشبيهة بالخلايا الجذعية في البنكرياس، وتحويلها إلى خلايا بيتا تُنتج الأنسولين بطريقةٍ تُشابه الخلايا العاملة عند الشخص العادي، ما يجعل ذلك النهج علاجًا جذريًّا لمرض السكري.

ووجد الباحثون أيضًا أن الجينات التي تنظم التعبير عن الأنسولين يمكن إعادة تنشيطها باستخدام دواء تم فحصه مسبقًا لعلاج المرضى الذين يعانون من الأورام اللمفاوية والورم النخاعي المتعدد.

تفتح نتائج البحث الأمل في وجود خيار علاجي جديد محتمَل لمرضى السكري الذين يعتمدون على حقن الأنسولين اليومية، خاصةً المصابين بالنوع الأول من السكري.

ويقول أستاذ علم التخلق في مختبر الصحة البشرية والأمراض في جامعة موناش، "عصام الأسطى" -وهو المؤلف الرئيسي لتلك الدراسة- في تصريحات خاصة لـ"للعلم": إن نقص الأنسولين -المطلق أو النسبي- في الجسم هو الأساس لجميع أشكال مرض السكري، "نلاحظ دائمًا في مرضى السكري وجود انخفاض ملحوظ في كتلة خلايا بيتا الوظيفية، والسبب الرئيسي لفقدان خلايا بيتا هو تدمير المناعة الذاتية لها".

من ناحية أخرى، يُعد النوع الثاني من السكري مرضًا غير متجانس، يتضمن خللًا في خلايا بيتا وانخفاض كتلة خلايا بيتا في الآن ذاته، وفق "الأسطى"، الذي يقول: "مع التركيز المتزايد على إيجاد مصادر قابلة للتطبيق لخلايا بيتا، بذلت جهودًا مكثفة مع فريقي لتحديد آليات لاستبدال كتلة خلايا بيتا الوظيفية واستعادتها لدى المرضى".

مرض السكري وأنواعه!

وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، يوجد حوالي 422 مليون شخص مصاب بمرض السكري على مستوى العالم، ويقدر بعض الباحثين أن الرقم سيصل إلى 700 مليون بحلول عام 2045.

وهناك نوعان رئيسيان من مرض السكري، النوع الأول المعروف سابقًا بمرض السكري المعتمد على الأنسولين أو سكري الأحداث، بسببه لا ينتج الجسم هرمون الأنسولين أو ينتج القليل جدًّا منه، هذا النوع من مرض السكري أكثر شيوعًا عند الأطفال والشباب.

أما النوع الثاني، الذي يصيب البالغين في الغالب، ففيه لا ينتج الجسم ما يكفي من الأنسولين أو لا يمكنه استخدام الأنسولين على نحوٍ صحيح، ذلك النوع هو الشكل الأكثر شيوعًا لمرض السكري؛ إذ يُصيب 90-95٪ من جميع الحالات، وغالبًا ما يبدأ في وقتٍ لاحقٍ من الحياة.

عادةً ما تمثل خلايا بيتا المنتجة للأنسولين 50-70٪ من جزر البنكرياس -مجموعات من الخلايا في البنكرياس- وفي كلا النوعين من مرض السكري، هناك انخفاض كبير في خلايا بيتا بسبب تدمير المناعة الذاتية بشكل أساسي.

ويجب على الأفراد المصابين بداء السكري من النوع الأول وبعض الأشخاص المصابين بداء السكري من النوع الثاني أخذ حقن الأنسولين يوميًّا للبقاء على قيد الحياة، أما البديل فهو زرع البنكرياس بالكامل أو زرع جزر لخلايا البنكرياس، وهو أمرٌ غاية في الصعوبة بسبب نقص المتبرعين بالأعضاء والآثار الجانبية المصاحبة لمثبطات المناعة.

غير أن البحث الجديد والمخصص لتجديد خلايا بيتا المنتجة للأنسولين يُمكن أن يسهم في تطوير علاج جديد للأفراد الذين يعتمدون على حقن الأنسولين.

ويقول الباحث المشارك في الدراسة "كيث الحُسيني" في تصريحات خاصة لـ"للعلم": إنه في حين أثبتت عمليات زرع الأعضاء أنها ذات فائدة إكلينيكية وعلى الرغم من التقدم التقني، فإن الواقع يَحدُّ من استخدام تلك العملية على نطاق واسع، "وقد جرى اقتراح إعادة برمجة الخلايا الشبيهة بالخلايا الجذعية قبل أكثر من عقد من الزمان، إلا أن الاقتراح لم يُنفذ بسبب مجموعة من الصعوبات التي تقف حائط صدٍّ أمام إفراز الأنسولين بعد إعادة برمجة الخلايا".

حل جديد لمعضلة قديمة!

لكن الفريق البحثي وجد الحل.. فقد تمكَّن من إعادة برمجة الخلايا وإجبارها أيضًا على إفراز الأنسولين.

يثبط إنزيم يُسمى EZH2 الجينات المسؤولة عن تطوير خلايا بيتا المنتجة للأنسولين، وقد افترض الباحثون أن منع نشاط ذلك الإنزيم قد يُعيد إنتاج الأنسولين.

ومن هنا، بدأ الفريق البحثي في فحص تأثير مثبط لذلك الإنزيم بشكل شديد الانتقائية -أي يُثبط نشاط ذلك الإنزيم ولا يؤثر على غيره.

يُسمى ذلك المثبط GSK-126، ويعمل على جينات معينة مرتبطة بإنتاج الأنسولين.

بدأ الباحثون في استخدام أنسجة بنكرياسية بشرية خارج الجسم الحي من ثلاثة متبرعين، اثنان غير مصابين بالسكري ومتبرع واحد بالسكري من النوع الأول.

عندما عمل الباحثون على تحليل البنكرياس من المتبرع بالسكري من النوع الأول، وكما هو متوقع، لاحظوا أن خلايا بيتا مُدمرة بشكل كامل؛ إذ تم "إسكات" الجينات التي تنظم نمو خلايا بيتا وإنتاج الأنسولين في خلايا البنكرياس.

وجد الباحثون أن تحفيز خلايا البنكرياس باستخدام المثبط GSK-126 يمكن أن يعيد الجينات المميزة المسؤولة عن تحويل الخلايا السلفية البنكرياسية إلى خلايا بيتا منتجة للأنسولين.

والخلايا السلفية البنكرياسية هي خلايا شبيهة بالخلايا الجذعية، ولديها قدرة على التمايُز إلى أي نوع من الخلايا.

لاحظ الباحثون أن استخدام المثبط أعاد أيضًا التعبير عن جين الأنسولين في الخلايا المأخوذة من المتبرع المصاب بالسكري من النوع الأول، على الرغم من أن خلايا بيتا المنتجة للأنسولين عند ذلك المتبرع كانت مُدمرةً بالكامل.

نسخ جينات الأنسولين!

وتُعد تلك الدراسة هي أول مثال تم الإبلاغ عنه لاستعادة نسخ جينات الأنسولين، وتقدم دليلًا قويًّا على تجديد خلايا بيتا.

ويصف "الأسطى" هذه الطريقة لاستعادة إنتاج الأنسولين بكونها "سريعةً وفعالةً من حيث التكلفة"؛ إذ تُظهر الدراسة الأولية تعبيرًا حيويًّا عن الأنسولين في وقت مبكر من يومين من العلاج الدوائي، مقارنةً بـ3 إلى 4 أشهر مع الأساليب البديلة باستخدام الخلايا الجذعية الجنينية البشرية.

ومن خلال تجنُّب استخدام الخلايا الجذعية الجنينية، تجنَّب مؤلفو الدراسة أيضًا المخاوف الأخلاقية التي ترتبط عادةً بمثل هذه التقنيات، ويقول "الأسطى": إن هناك ميزةً أخرى لهذا العلاج المحتمل لمرض السكري، وهي كونه "أقل تعرضًا للمخاطر المرتبطة بزراعة الأعضاء أو الجزر".

لكن، وفق الأسطى، هناك حاجة إلى دراسات لاحقة في مجموعة أكبر من المرضى.

ويقول أستاذ علوم المناعة في معهد "لا جولا" الأمريكي "فون هيراث"، الذي لم يُشارك في الدراسة: إن هناك عقبةً أمام تطوير ذلك العلاج الذي لن يصلح لكل الحالات بطبيعة الحال.

ففي بعض الحالات، تُمثل هجمات المناعة الذاتية على خلايا بيتا المنتجة للأنسولين سببًا للمرض، "وبالتالي فإنتاج المزيد من الخلايا لن يفعل شيئًا أمام الهجمات المناعية المتتالية".

ويقول "هيراث": إن الحل في تلك الحالات هو كبت المناعة بشكل منهجي قبل البدء في ذلك العلاج، "وهو أمرٌ ليس سهلًا على الإطلاق".

كما أن العلاج يستهدف بشكل أساسي مرضى السكري من النوع الأول؛ "فمعظم حالات النوع الثاني تتميز بأن الجسم يفرز الأنسولين لكنه لا يستطيع التعامل معه".

يعقِّب "الحسيني" على تلك التصريحات بقوله: إن تلك الطريقة تصلح لعلاج مرضى النوع الأول و30٪ من مرضى النوع الثاني الذين تنطبق عليهم حالة الدراسة.

لكن، متى سيكون خيار العلاج هذا متاحًا للجمهور؟

يقول "الأسطى" في تصريحاته لـ"للعلم": إن ذلك الاكتشاف يُعَدُّ مَعلمًا مهمًّا وخطوةً في الاتجاه الصحيح نحو مسار العلاج، إلا أن هناك حاجةً إلى مزيدٍ من الدراسات لتطبيق ما توصلت إليه تلك الدراسة على البشر.