يؤدي الخبز دورًا أساسيًّا في تغذية الإنسان وفي حياته الاجتماعية والسياسية منذ أقدم العصور، ليس في مصر وحدها، بل في كل المجتمعات البشرية تقريبًا، إلا أن هناك اختلافاتٍ جوهريةً في أنواع الخبز من دولة إلى أخرى، وكذلك فيما يتعلق بالنباتات التي يُصنع منها، إذ يُستخدم القمح والشعير والذرة والشوفان، كما يُستخدم الأرز والبطاطس والموز والكاسافا Cassava، وغيرها من نباتات أخرى في صنع الخبز حول العالم؛ فالقمح ليس المحصول الوحيد الذي يُصنع منه دقيق الخبز، بل يمكن خلطه بمحاصيل أخرى أو الاستغناء عنه تمامًا في صناعة الخبز، وهناك نسبة غير قليلة من البشر لديهم حساسية من مادة الجلوتينGluten  التي توجد في القمح والشعير، لذا فإنهم يستخدمون مصادر أخرى خالية من الجلوتين لصناعة الخبز.

ولقد أدت الحرب القائمة حاليًّا بين روسيا وأوكرانيا إلى حدوث قلق شديد في مصر وفي كل الدول المستوردة للقمح من الدولتين المتحاربتين، مما يتطلب توفير بدائل لاحتياجاتها العاجلة من القمح.

في مصر، تتمثل مشكلة رغيف الخبز في ارتفاع معدلات الاستهلاك، وعدم كفاية الإنتاج المحلي من القمح لسد حاجة المجتمع من رغيف الخبز، والاعتماد على الاستيراد لسد الفجوة بين متطلبات الاستهلاك والإنتاج المحلي.

مشكلة استيراد القمح ورغيف الخبز بالأرقام:

  • استوردت مصر في عام 2021، 50٪ و30٪ من حاجتها من القمح من روسيا وأوكرانيا على التوالي، ونحو 20٪ من دول أخرى مثل رومانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية.[1]
  • أنفقت مصر في عام 2019، 4.67 مليارات دولار على استيراد القمح لتصبح أكبر مستورد للقمح في العالم.[2]
  • حوالي 24٪ من استيراد مصر للغذاء مخصص للقمح والذرة واللحوم.[3]
  • بلغ متوسط سعر الطن من القمح المستورد في عام 2021، 330 دولارًا للطن، في حين تشتريه الدولة من الفلاح المصري بما يعادل 364 دولارًا للطن، ولذلك تكون تكلفة الاستيراد أقل من تكلفة الإنتاج المحلي.[4]
  • يقدر متوسط استهلاك الفرد من الخبز المدعم بين 2.5 إلى 3.8 أرغفة في اليوم لكل مواطن، ويعتبر هذا أعلى معدل استهلاك للخبز في العالم، يُذكر أن للفرد المستحق للدعم خمسة أرغفة في اليوم بحد أقصى 40 رغيفًا للعائلة الواحدة، وزن الرغيف حاليًّا حوالي 90 جرامًا ويباع مدعومًا بمقدار خمسة قروش.
  • يقدر متوسط الفاقد من الخبز 8.4٪[5]، ويشير بعض الدراسات الى أن الفاقد الفعلي يزيد على مليون طن أو ما يعادل 61 قرشًا للفرد الواحد في كل يوم (على تقدير أن سعر كيلو القمح خمسة جنيهات).

إذًا نحن أمام مشكلة تتمثل في عدم كفاية الإنتاج وارتفاع تكاليف الاستيراد والاستهلاك المفرط والفقد الكبير في منظومة رغيف الخبز.

هذا يتطلب أن نبحث عن حلول وبدائل منطقية واقتصادية يمكن استخدامها لحل مشكلة رغيف الخبز بصورة جذرية وليست مؤقتة، قد لا يكون هناك نهج واحد لحل المشكلة، ولكن مجموعة من الإجراءات التي تتضافر وتقدم في النهاية الحل المنشود والمُرضي.

بعض الحلول المقترحة وهي زراعية واجتماعية وإجرائية:

أولًا: رفع إنتاج القمح محليًّا

بلغ إنتاج مصر من القمح 9.1 ملايين طن عام 2019/2020، مقابل 8.6 ملايين طن عام 2018/2019 بنسبة زيادة قدرها 6.2٪، ويرجع ذلك إلى زيادة المساحة المزروعة من القمح بنسبة 5.8% بالإضافة الى زيادة إنتاجية الفدان من القمح خلال هذا العام، والعامل الأخير هو ما نسميه زيادة رأسية في غلة المحصول، ويمكن تحقيق ذلك عن طريق الإرشاد الزراعي الجيد والبحوث العلمية لانتقاء الأصناف الممتازة وتربيتها، ودعم الفلاح بحيث تصبح زراعة القمح مربحة له ومغرية.

التفكير في إنتاج القمح اللازم لمصر في الأرض الصحراوية مجرد حلم لا يمكن تحقيقه، فندرة الماء والتربة الصالحة للزراعة وارتفاع تكاليف الإنتاج تقف حائلًا دون التوسُّع في زراعة المحاصيل الحقلية مثل القمح في الصحراء، من خلال تجربتي الشخصية مع زراعة القمح في المملكة العربية السعودية لأكثر من ثلاثين عامًا، لا يمكن الاعتماد على المياه الجوفية في الزراعة التقليدية؛ لأسباب عديدة، أهمها ارتفاع التكلفة وانتشار الآفات بسرعة وتملُّح التربة بحيث تصبح غير قابلة للزراعة بعد 10-15 عامًا.

ثانيًا: إحلال البطاطس بديلًا للخبز في الوجبات

معظم شعوب العالم لا يعتمدون على دقيق القمح كمصدر أساسي لصناعة الخبز كما في مصر، والعديد منها يستخدم خبز البطاطس الذي يُصنع بطرق متعددة وشهية ويمكن صناعته في المنزل بسهولة، ومن ثم يمكن أن نستخدم البطاطس في وجباتنا بديلًا لنصف استهلاكنا من الخبز، على أقل تقدير.

التركيب الغذائي لدرنة بطاطس وزنها 150 جرامًا يفوق ما يوفره رغيف خبز بلدي بالوزن نفسه من الكربوهيدرات والفيتامينات والمعادن.

القيمة الغذائية للبطاطس

البطاطس مليئة بالفيتامينات والمعادن، على الرغم من أن طريقة التحضير يمكن أن تؤثر على المحتوى الغذائي، والقيمة الغذائية لحبة بطاطس واحدة هي التالي[6]:

  • السعرات الحرارية 134 (560 كيلوجول)
  • مجموع الدهون 0.2 جم 0٪
  • الدهون المشبعة <0.1 جم 0٪
  • الدهون المتعددة غير المشبعة <0.1 جم
  • الدهون الأحادية غير المشبعة <0.1 جم
  • كوليسترول 0 مجم 0٪
  • صوديوم 11 مجم 0٪
  • إجمالي الكربوهيدرات 29.6 جم 10٪
  • الألياف الغذائية 3.2 جم 13٪
  • السكريات 1.5 جم
  • بروتين 3.6 جم
  • كالسيوم 25 مجم
  • بوتاسيوم 759 مجم
  • الحديد 1 ملغ
  • فيتامين أ 14 ملغ
  • فيتامين ج 18 ملغ

ولكن إحلال البطاطس مكان الخبز جزئيًّا يحتاج إلى نشر ثقافة استخدام البطاطس كغذاء ليحل محل الخبز لدى المصريين.

وفيما يلي عدة اقتراحات لتشجيع المواطنين على استخدام البطاطس لصناعة الخبز أو تناولها مباشرة أو مخلوطة مع دقيق القمح والذرة في صناعة الخبز والشطائر:

  • دعم البحوث في مراكز البحوث والجامعات المصرية لإجراء دراسات على استخدام البطاطس كغذاء وفي تصنيع الخبز.
  • نشر ثقافة استخدام البطاطس في صناعة الخبز في المنازل من خلال برامج الطهي التلفزيونية وعلى وسائل الاتصال الاجتماعي.
  • جعل خبز البطاطس ودرنة البطاطس المشوية أو المسلوقة أو المهروسة جزءًا من وجبة الأطفال في المدارس بدلًا من الخبز.
  • التوعية المستمرة بأهمية البطاطس كغذاء مهم ومفيد مكمل للخبز أو بديل له.

تكشف المؤشرات الاقتصادية عن أنه يمكن زيادة الاستهلاك الداخلي دون ضرر اقتصادي كبير، كما يمكن دعم مزارعي البطاطس لرفع الإنتاج أو مضاعفة مساحة البطاطس من أجل تغطية حصة التصدير بالكامل وتوفير مثلها للاستهلاك المحلي، بإدخال البطاطس بديلًا للخبز في وجباتنا نستطيع أن نوفر نصف الاستهلاك من القمح تقريبًا مع الوقت، وبهذه الطريقة يمكن القضاء تمامًا على عملية الاستيراد وخفض الاستهلاك غير العادي للخبز ورفع القيمة الغذائية لطعام المواطن المصري.

إذًا من الممكن جدًّا استخدام البطاطس بديلًا جزئيًّا للقمح في صناعة الخبز، وفي استخدامها كغذاء أكثر قيمة من الخبز لو استطعنا أن نرغِّب المواطن في استخدامها بأساليب مختلفة، وبخفض أسعارها، ودعم الفلاح المنتج للبطاطس ليشارك في زيادة الإنتاج، نستطيع أن نخفض الاعتماد على استيراد القمح تدريجيًّا حتى نكتفي ذاتيًّا برفع إنتاجية القمح المحلي وإدخال البطاطس في منظومة رغيف الخبز.