إن معدلات الإصابة بمرض ألزهايمر في تزايد مستمر، ولا سبيل حتى الآن لعلاجه أو الوقاية منه أو حتى إبطاء تطوره التدريجي. ومع كثرة الدراسات المنقبة عن أسباب المرض وتطوره بحثًا عن علاج ناجح، توصل الباحثون إلى البروتين المتورط في المرض، إلا أنهم لم يتمكنوا من الوصول للعلاج بعد، ولكن يبدو أننا على وشك تطوير علاجات محتملة للحد من أعراض المرض في مراحله المبكرة، وفقًا لأحدث الدراسات حول المرض والمنشورة يوم 6 أكتوبر الماضي في دورية Cell Press journal Neuron، توضح هدى الزغبي -العالِمة اللبنانية الأمريكية والباحثة الرئيسية في الدراسة- أن الأمراض الشائعة مثل الشلل الرعاش وألزهايمر والخرف، تحدث جزئيًّا نتيجة تراكم غير طبيعي لبروتينات معينة في الدماغ.

وتشدد أستاذة علم الوراثة الجزيئي والبشري في كلية بايلور للطب بالولايات المتحدة، على أن هناك العديد من الدراسات المنشورة التي تؤكد "ارتفاع مستويات بروتين يدعى «تاو» في المخ، لدى مرضى ألزهايمر، إذ يُظهر الفحص الباثولوجي لأنسجة المخ بعد الوفاة، تراكم هذا البروتين"، مشيرة إلى أن معظم هذه الأبحاث نُشرت في منصة خاصة معنية ببحوث السائل الدماغي النخاعي.

ويرجع اسم ألزهايمر إلى اسم العالِم الألماني ألويسيوس ألْتْسْهَيْمَر Aloysius Alzheimer، والذي اكتشفه عام 1906، إذ لحظ وجود لويحات حول خلايا المخ وداخلها، ناتجة عن تراكم أنواع من البروتينات، ما يؤدي إلى موت الخلايا العصبية تدريجيًّا، مقلصةً حجم المخ.

وتظهر أعراض المرض في عدد من الاضطرابات الدماغية التي تشمل الذاكرة والتفكير والسلوك والقدرة على القيام بالأنشطة اليومية. ويتطور المرض سريعًا، إذ يفقد المرضى القدرة على التعرف على الأماكن، أو الأشخاص المقربين لهم، ولا يستطيعون العناية بأنفسهم.

وقد حاول الباحثون في هذه الدراسة إيجاد سبل لمنع تراكم بروتين «تاو» في الدماغ أو الحد منه في المراحل المبكرة جدًّا من المرض، قبل ظهور الأعراض السريرية التي لا رجعة فيها، وقبل حدوث التغيُّرات "الوخيمة المدمرة" المنتظر حدوثها في وقت لاحق.

وتشرح هدى أن: "الخلايا تتحكم في كمية بروتيناتها من خلال بروتينات أخرى تُعرَف بالإنزيمات. ولتحديد أي الإنزيمات يؤثر على تراكم بروتين تاو، ثبط العلماء بشكل منهجي نوعًا من الإنزيمات يُدعى كينازات".

وتعتمد العمليات البيوكيمائية التي تحدث في جسم الإنسان بشكل أساسي على الإنزيمات؛ إذ تنظم عمليتي النمو والاستقلاب. وتُعَد الكينازات إحدى أكبر مجموعات الإنزيمات المحركة للبروتينات، إذ تعمل على تنظيم وتعديل وتنشيط بروتينات معينة عبر عملية تدعى «الفسفرة».

تقول هدى: "ثبطنا حوالي 600 من هذه الكينازات واحدًا تلو الآخر، ووجدنا أن إنزيمًا يدعى Nuak1 هو المسؤول عن تراكم بروتين تاو، ومع تثبيطه ينخفض مستوى البروتين"، مشيرة إلى أن فحص هذه الإنزيمات جرى في المختبر على الخلايا البشرية المستزرعة وذبابة الفاكهة. 

وتستطرد هدى: "ثم انتقلنا بنتائجنا إلى نموذج الفئران المُمرَضة بألزهايمر، وعملنا على تثبيط Nuak1 فلَحَظنا تحسنًا في سلوك الفئران وكبح تنكس المخ".

وجد الباحثون أن إنزيم 1Nuak يُحدث تغييرًا في بروتين تاو عن طريق إضافة مجموعة فوسفات إلى حمض أميني أساسي في البروتين (الفسفرة)، وهذا بدوره يؤدي إلى تنقية الخلايا من هذا البروتين بكفاءة، وفق هدى.

وهناك العديد من العوامل التي تجعل الأشخاص عرضة للتأثر السريع تجاه بروتين تاو، توضح هدى أنه من بين هذه العوامل، "طفرات في الجين الذي يشفر بروتين تاو، ويُدعى MAPT، أو إصابات الدماغ، وكذلك العوامل التي قد تؤثر على تخليص المخ من بروتين تاو، أو تلك التي تؤثر على توافره".

يمكن التعويل على نتائج الدراسة لتطوير علاجات لمرض ألزهايمر، "ولكن لن نؤكد ذلك إلا بعد تطوير مثبطات Nauk1 واختبارها على البشر للتأكد من مأمونيتها"، كما تقول هدى، موضحة أن الخطوة القادمة هي العمل مع خبراء في مجال الصيدلة للبحث عن هذه المثبطات.

ويعد مرض ألزهايمر أحد أهم أسباب خرف الشيخوخة، إذ يسهم في 70% تقريبًا من الحالات، وهناك نحو 47.5 مليونًا من المصابين بالخرف في جميع أنحاء العالم، وفق إحصائيات منظمة الصحة العالمية لعام 2015، ويُتوقع ارتفاع العدد ليصل 75.6 مليون نسمة في عام 2030 وحوالي ثلاثة أضعاف في عام 2050 ليبلغ 135.5 مليونًا. ويمثل التقدم في السن أحد العوامل الرئيسية المؤدية له؛ إذ يشيع المرض فيمن تعدوا سن الخامسة والستين.

تفادي الأعراض المزعجة

عمرو حسن الحسني -أستاذ أمراض المخ والأعصاب بكلية طب قصر العيني في مصر- يثني على ما توصلت له الدراسة، مؤكدًا أن تطوير أدوية تحد من تراكم بروتين تاو في الدماغ، بالتأكيد سيُحدِث فارقًا في علاج مرض ألزهايمر، خاصة في المراحل المبكرة، وتفادي تطور الأعراض المزعجة.

ولكن يرى الحسني أن مسألة وجود علاج محتمل لا تزال في مراحل مبكرة جدًّا، فالأمر يحتاج المزيد من الوقت والجهد، "فعملية تصنيع دواء وإنتاجه تمر بمراحل كثيرة ومعقدة، بدءًا بتحديد المادة الفعالة وإثبات قدرتها على تحقيق هدف معين، يلي ذلك التجارب قبل السريرية بتجريبه على خلايا وأجزاء من حيوانات ثم على حيوانات التجارب، يلي ذلك مرحلة التجارب السريرية بتجريبه على عدد محدود من البشر لإثبات فاعليته ومأمونيته، ثم توسيع نطاق تطبيقه على عدد أكبر من البشر بشكل ممنهج، وبعد مصادقة الجهات المعنية على الدواء".

يشير الحسني إلى أنه "في حال طرح مثل هذه الأدوية في السوق فستكون علاجًا مناسبًا لمرضى ألزهايمر في بداية ظهور المرض، ويمكن أن ننصح بها أيضًا مَن لديهم تاريخ عائلي قوي من الإصابة بهذا المرض؛ بهدف الوقاية منه".

ولحين ظهور هذه العلاجات لا سبيل للتعامل مع المرض إلا علاج أعراضه التي تتطور بسرعة، يقول الحسني: "الأدوية الحالية هي أدوية مساعدة لتحسين الأعراض وليست شافية، فقد تؤخر هذه العلاجات من تدهور المرض".

ويلفت الحسني النظر إلى أن الدعم النفسي والعاطفي لمريض ألزهايمر لا يقل أهمية عن العلاج، "فردود أفعال المحيطين به والمقربين له يجب أن تكون بعيدة تمامًا عن التأفف والضجر من أعراض المرض التي قد تشمل تكرار أسئلة أو معلومات مغلوطة، أو وضع أشياء في غير أماكنها، وصولًا إلى الأعراض الأشد مثل التبول اللاإرادي".

ويؤدي الخرف إلى إجهاد أسر المرضى ومَن يقومون على رعايتهم. ويمكن أن تتسبّب الضغوط الجسدية والعاطفية والاقتصادية في إلحاق كرب عظيم بأفراد أسر المرضى والقائمين على رعايتهم، لذا يجب أن تتولى النُّظم الصحية والاجتماعية والمالية والقانونية توفير الدعم اللازم في هذا الصدد، وفق الصحة العالمية. وهو ما يشدد عليه الحسني: "إن العبء النفسي والجسدي الواقع على أسر مرضى ألزهايمر ومَن يقومون برعايتهم لا يجب إغفاله، ومن الضروري توجيه دعم خاص لهؤلاء أيضًا، وتوجيههم لكيفية التعامل مع المريض".