يمثل تعرُّض الأطفال فى وقت مبكر من حياتهم لتجارب الطفولة السلبية بسبب الفقر أو معاناة الوالدين من الأمراض النفسية أوالضغط النفسي الاجتماعي أو الفسيولوجي خطورةً على نموهم العصبي، والنفسي، والعاطفي، والاجتماعي.

ويبلغ معدل الفقر في الولايات المتحدة الأمريكية -وهي أحد أكثر دول العالم تقدمًا-  16%، في حين تعاني أكثر من 14% من الأمهات من الاكتئاب في فترة ما قبل الولادة، وما بين 11 إلى 20% من القلق، ومن المحتمل أن تؤثر كل تلك العوامل على النمو العصبي للأطفال، ما يستوجب تقييم مدى تأثير تلك الضغوط النفسية والبيئية على نمو الدماغ برحم الأم، وتصميم إستراتيجيات وقائية عبر سياسات مبتكرة تشتبك مع تجارب الطفولة السلبية مبكرًا.

من هنا تأتي أهمية دراستين حديثين أجراهما باحثون في كلية الطب بجامعة واشنطن على عينة واحدة من النساء الحوامل وذويهم خلال الأسابيع الأولى من الولادة؛ إذ حذرت الدراستان من أن هناك بعض العوامل البيئية –مثل الفقر أو الجريمة- التي تؤثر على بنية أدمغة الأطفال ووظيفتها، حتى قبل أن يخرجوا إلى عالمنا.  

أدمغة أصغر حجمًا

ووفق الدراسة الأولى التي نشرتها دورية "جاما نتوورك أوبن" (JAMA Network Open)، فإن الأطفال الرضع الذين يولدون لأمهات يعانون من الحرمان الاجتماعي يكون لديهم أحجام أدمغة أصغر مقارنةً بمن يولدون لأمهات لا يعانون حرمانًا اجتماعيًّا، ويضم الحرمان الاجتماعي شبكةً واسعةً من العوامل، مثل انخفاض المستوى الاجتماعي والاقتصادي، والإصابة بالأمراض العقلية، والفقر، وضعف مستوى التعليم.

تقول ريجينا إل تريبليت -زميل ما بعد الدكتوراة في طب أعصاب الأطفال بجامعة واشنطن، والباحث الرئيسي في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": اهتمت الدراسة بالتحقق من صحة الجنين بدايةً من الأشهر الثلاثة الأولى للحمل، واستخدمنا مقاييس شاملة ومتعددة الأبعاد بهدف تقييم الارتباط بين الفقر الذي تعيش فيه الأمهات والضغط النفسي الاجتماعي الذي قد يتعرضن له، وعلاقة ذلك بقياس شكل الدماغ عند الولادة.

تضيف "تريبليت": هذه النتائج مأخوذة من دراسة استباقية مستمرة وطولية، تضمنت متابعة الأمهات طوال فترة الحمل وكذلك أطفالهن الرضع، للتحقق من أن التعرُّض للتجارب السلبية للطفولة (فقر وتوتر ما قبل الولادة) قد يؤثر على نمو دماغ الرضيع وسلوكه في مرحلة الطفولة المبكرة.

وتتابع: أظهرت النتائج أن تعرُّض الأم للحرمان الاجتماعي في أثناء الحمل يرتبط بصغر حجم أدمغة الرضع وقوتها، وفق الفحوص التي أُجريت بواسطة التصوير بالرنين المغناطيسي، وجدنا أن هذه الارتباطات تتضمن الدماغ كله ولا تقتصر على منطقة واحدة، ووجدنا أن فقر الأمهات يمكن أن يؤثر على نمو أدمغة أطفالهن، كما أن هناك عوامل أخرى تؤدي الدور ذاته، مثل تعرُّض الأمهات للإجهاد النفسي والاجتماعي والتوتر والاكتئاب.

وفي الدراسة الثانية التي نشرتها دورية " بيولوجيكال سيكياتري" (Biological Psychiatry)،  توصل الباحثون إلى أن الأطفال المولودين لأمهات يعشن في مناطق تشهد مستويات عالية من الجريمة أظهروا اختلافات في نشاط المخ مقارنةً بأولئك الذين تعيش أمهاتهم في مناطق أكثر أمانًا، وأن الأطفال المولودين لأمهات يعشن في أماكن ترتفع فيها معدلات الجريمة لديهم اتصالات عصبية أضعف بين مناطق الدماغ التي تتحكم في المشاعر وتقوم بمعالجتها.

النمو العصبي

وتؤكد دراسات سابقة اعتمدت على التصوير بالرنين المغناطيسي أن الفقر قد يرتبط بانخفاض حجم المادة البيضاء والقشرة المخية الرمادية بالدماغ، وحجم الحصين، واللوزة في سن المدرسة، وعلى الرغم من الروابط الواضحة والمقنعة بين التجارب السلبية في الطفولة المبكرة والنمو العصبي في هذه المرحلة، إلا أنه لا يُعرف الكثير عن آثاره قبل الولادة مباشرة وما يحدث في أثناء تكوُّن الجهاز العصبي خلال فترة الحمل في رحم الأم.

من جهتها، تشير هالة حماد -استشاري الطب النفسي للأطفال والمراهقين- إلى أن فترة ما قبل الولادة تُعد مرحلةً حساسةً في نمو الدماغ؛ إذ تشهد تكوين الخلايا العصبية وهجرتها أيضًا، مع استمرار التشابُك العصبي، والتقليم، وتكوين الميالين خلال الثلث الثاني والثالث من الحمل.

تقول "حماد" في تصريحات لـ"للعلم": خلال مرحلة متقدمة من تكوين الجهاز العصبي في رحم الأم، تهاجر الخلايا العصبية المتكوّنة حديثًا إلى أجزاء مختلفة من الدماغ النامي لتترتّب في هياكل دماغية جديدة، وبمجرد أن تصل الخلايا العصبية إلى مواقعها الجديدة، تنشأ منها محاور عصبية وتغصنات (ألياف قصيرة تجري نحو جسم الخلية العصبية) تتيح لها التواصل مع الخلايا العصبية الأخرى عبر المشابك، ويؤدي التواصل المتشابك بين الخلايا العصبية إلى إنشاء دوائر عصبية وظيفية، تتوسّط معالجة المعلومات الحسية والحركية، وتحديد السلوك.

تضيف "حماد": قد يرتبط الفقر بسوء تغذية الأم، ويكون لذلك تداعيات على الجهاز العصبي للجنين وهو في طور التكوين، لكن لم يكن لدينا دليل علمي على ذلك؛ فبالرغم من كل هذه المعلومات المتوافرة عن تطور الجهاز العصبي داخل الرحم، إلا أن دراسات قليلة هي التي تناولت تأثير تعرُّض الأم للفقر على أدمغة الأطفال.

الدراسة الأولى

في الدراسة الأولى، التي أُجريت على 280 من الأمهات من أعراق مختلفة -إضافةً إلى أطفالهن الرضع- انتهت النتائج إلى أن تعرُّض الأم لضرر اجتماعي كبير قبل الولادة يرتبط بانخفاض ذي دلالة إحصائية في المادة البيضاء (تُعد بمنزلة الكابلات التي تعمل على ربط كل شيء معًا وإرسال الإشارات بسرعة فائقة بين الخلايا العصبية، بالإضافة إلى أنها تمكِّن خلايا المخ من إرسال الرسائل واستقبالها بسرعة كبيرة)، والمادة الرمادية القشرية، وأحجام المادة الرمادية تحت القشرية والطي القشري عند الولادة بعد التحقق من صحة الأم ونظامها الغذائي، وأن التعرُّض للحرمان الاجتماعي –قبل الولادة- يرتبط بانخفاض في أحجام الدماغ والطي في الأسابيع الأولى من حياة الطفل.

تتبَّع الباحثون الأمهات والأطفال الذين وُلدوا في الفترة من سبتمبر 2017 حتى فبراير 2020 عبر جمع البيانات من الأمهات وأطفالهن عن خلال الاستبانات ومراجعة السجلات الطبية، ثم أجرى الباحثون مجموعةً من التحاليل الإحصائية لرصد مدى تعرُّض الأمهات للحرمان الاجتماعي والضغط النفسي والاجتماعي؛ إذ تم تضمين معايير خاصة تتعلق بمفهوم الحرمان الاجتماعي وهي الفقر، والخضوع للتأمين الصحي (مجمعة وفق التأمين الخاص أو العام أو دون تأمين)، ومستوى التعليم، ونسبة الدخل إلى الاحتياجات في كل مرحلة من مراحل الحمل، والنسبة المئوية الوطنية لمؤشر الفقر في المنطقة، ومؤشر الأكل الصحي.

أما بالنسبة لمستويات الإجهاد النفسي والاجتماعي، فقد استخدم الباحثون مقياس أدنبرة لاكتئاب ما بعد الولادة (EPDS)، وهو عبارة عن استبانة مكونة من 10 عناصر يمكن أن تحدد مدى معاناة الشخص من الاكتئاب، ومن بين هذه العناصر التفكير في الانتحار واضطرابات النوم والشعور بالذنب، واستخدم الباحثون أيضًا استبانة الإجهاد والشدائد Stress and Adversity Inventory، وهي أداة تقيِّم بكفاءة وموثوقية تعرُّض الشخص التراكمي للضغوط الرئيسية على مدار حياته، و"مقياس التمييز اليومي" (Everyday Discrimination Scale)، لرصد مستوى التمييز الذي قد تواجهه الأمهات على مدار الحياة اليومية.

أظهرت النتائج أن التعرُّض للحرمان الاجتماعي السابق على الولادة تكون له ارتباطات عكسية مع جميع أنواع أنسجة المخ، بما في ذلك انخفاض المادة البيضاء والقشرة المخية الرمادية وما تحت القشرة المخية الرمادية وانخفاض الطيات بالقشرة المخية بالدماغ  خلال الأسابيع الأولى من الحياة، وأن الطيات الأقل عددًا والأقل عمقًا تدل على عدم نضج الدماغ؛ إذ ينثني دماغ الإنسان السليم في أثناء نموه وتطوره، مما يوفر للقشرة الدماغية مساحة سطح وظيفية أكبر.

تقول "تريبليت": أثر الفقر على الدماغ عبر العديد من هياكله، ولكن لم تكن هناك آثار مهمة مرتبطة بالضغط النفسي والاجتماعي، لكن ما يبدو لنا مقلقًا هو أنه عندما يبدأ الأطفال الحياة بهذه الهياكل الدماغية الأصغر، قد لا تتطور أدمغتهم بطريقة صحية مثل أدمغة الأطفال الذين تعيش أمهاتهم في أسر ذات دخل أعلى.

وتتفق تلك النتائج مع ما انتهت إليه دراسة سابقة، أجراها باحثون من جامعة كولومبيا، وانتهت إلى أن التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية تؤثر على نمو الدماغ، وتؤدي إلى انخفاض حجم المادة الرمادية والمادة البيضاء لدى الرضع عند عمر 5 أسابيع و5 أشهر.

الدراسة الثانية

أما الدراسة الثانية -والتي ضمت بعض أعضاء الفريق البحثي الذي أجرى الدراسة الأولى- فشملت 399 سيدة، وتم تقليص العدد إلى 395 من الأمهات اللاتي أكملن التقييمات التي كانت تُجرى كل ثلاثة أشهر من الحمل وعند الولادة، كما تم فحص 319 رضيعًا بصحة جيدة للتصوير باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي في حالة الراحة.

وتشير النتائج إلى أن "التعرُّض للجريمة قبل الولادة يرتبط بضعف الوصلات الدماغية الوظيفية للأطفال حديثي الولادة، مما يوفر مسوغًا آخر لضرورة إجراء تدخُّلات تستهدف الحد من الجريمة بما يضمن سلامة حجم أدمغة حديثي الولادة".

يوضح كريستوفر سميسر -أستاذ أعصاب الأطفال والأشعة، والمشارك في الدراسة- أنه "تم فحص حديثي الولادة بنجاح خلال الأسابيع القليلة الأولى من الحياة، وكان يتم إرضاعهم بمجرد وصولهم لإجراء فحوص؛ لأنهم يميلون إلى النوم بعد الرضاعة مباشرة، وتم وضعهم في بطانيات وتوصيلهم بأجهزة تساعد على إبقائهم في راحة وثبات بحيث يتم إجراء الأشعة بالرنين المغناطيسي على أدمغتهم في أثناء نومهم".

الجريمة والوصلات العصبية

سعى الباحثون في الدراسة الثانية إلى التعرُّف على تأثير الضغوط النفسية المجتمعية على أدمغة الرضع، وحصل فريق البحث على البيانات الخاصة بتفشِّي الجريمة على مستوى المجموعة من قاعدة البيانات المعروفة باسم "أبلايد جيوغرافيك سوليوشن" (Applied Geographic Solutions).

يقول "سميسر": تحكمنا في أنواع أخرى من المتغيرات مثل الفقر، ونعتقد أن الحياة في منطقة تشهد مستوى عاليًا من الجريمة في أثناء الحمل يؤثر على مناطق معالجة المشاعر في أدمغة الأطفال.

وتشير دراسة سابقة نشرتها دورية "نيتشر" إلى أن تعرُّض الأمهات الحوامل لمستويات من التوتر قد يكون له تأثيرٌ فوري وطويل الأمد على الاتصالات العصبية داخل أدمغة الأطفال.

وتتفق ولاء صبري -أستاذ الطب النفسي وعلاج الإدمان بكلية الطب في جامعة عين شمس- مع هذا الرأي، مضيفةً في تصريحات لـ"للعلم" أن "تعرُّض الأمهات للتوتر قد يؤثر على بعض النواقل العصبية مثل "الإبينفرين" و"نورإبينفرين"، وهي نواقل عصبية تساعد على تدفُّق الدم إلى الطفل في المشيمة، مما ينتج عنه تأخر فى النمو، وخاصةً بالنسبة لخلايا الجهاز العصبي التي تنمو في الأسبوع الثالث من الحمل".

بدورها، توصي "تريبليت" بضرورة أن "تكون هذه النتائج بمنزلة دعوة للعمل على حماية أدمغة الأطفال في طور النمو من خلال استهداف العوامل الاجتماعية والاقتصادية وعوامل الجوار، بما يضمن دعم نمو دماغ الرضيع، وأن يقدم الدعم النفسي والمعنوي والاجتماعي والاقتصادي لأمهات الأطفال في فترة مبكرة من الحمل، وتحديدًا في أثناء نمو الدماغ".

تقول "تريبليت": نواصل دراسة هؤلاء الأطفال مع تقدُّمهم في السن، ونسعى لمعرفة ما إذا كانت الاختلافات الملحوظة عند الولادة تؤثر على سلوكياتهم في مرحلة الطفولة المبكرة (بين عام إلى ثلاثة أعوام)، ويمكن تكرار الدراسة في أماكن أخرى مع مراعاة الاختلافات الإقليمية والثقافية بين مكانٍ وآخر.