تواجه الشركات الـ500 المُتضَمَّنة في تصنيف مجلة "فورتشن" Fortune –مثل «تشفرون» و«كيندر مورجان»– ضغوطًا متجددة من المستثمرين الناشطين في الموضوعات المتعلقة بالمناخ. وخلال هذا العام يدعم بعض أقوى المساهمين -بما في ذلك صناديق عملاقة للاستثمار المشترك– دفع الشركات التجارية للاستجابة للتغير المناخي. وقد كان لهذا التحرك تأثيرٌ أكبر من ذي قبل.

يطلق خبراء حوكمة الشركات على الأسابيع المقبلة اسم "موسم التفويض"؛ إذ تعقد الشركات ذات التداول العام الأكثر انتشارًا اجتماعات سنوية يعبِّر فيها المساهمون -عبر قرارات غير مُلزِمة- عن مصادقتهم على السياسات المقترَحة من قِبَل هذه الشركات أو معارضتهم لها. وفي العام الحالي كانت المبادرات المتعلقة بالتغير المناخي من ضمن بنود التصويت الأكثر شعبية، فمن بين أكثر من 420 من قرارات المساهمين التي تم اقتراحها بشكل مبدئي، تمحور نحو 20 بالمئة من القرارات حول المناخ، وهو ما يرشح هذه الفئة لأن تكون واحدةً من أكبر فئات الاقتراحات، وذلك وفق تقرير صادر عن مجموعة "بروكسي إمباكت" Proxy Impact. وتطلب بعض القرارات من الشركات تبنِّي أهداف تتعلق بتقليل انبعاثات غازات الدفيئة، في حين تطالب أخرى بتقديم تقارير توضح الطرق التي قد تتأثر من خلالها الشركات التجارية بمستهدفات درجات الحرارة العالمية، وفق اتفاق باريس للمناخ.

وبالفعل، سبق أن رضخت عدة شركات لمطالب المستثمرين قبل بدء التصويت. لماذا؟ يقول آرون زولكوفسكي، المدير بشركة «وولدن آسيت مانيجمينت» الكائنة في بوسطن، والذي ينشط في مبادرات تعمل على رفع مشاركة المساهمين: "بات عدد من أهم شركات إدارة الأصول -مثل «بلاك روك» و«مجموعة فانجارد»- يقفون بثِقَلهم خلف القرارات المتعلقة بالمناخ". ووفق زولكوفسكي فإن هذا يُعَدُّ إشارةً إلى تضاؤل شكوك وول ستريت حيال علوم المناخ. يقول زولكوفسكي: "الآن أصبح هناك اعترافٌ واسعٌ بأنّ التغيُّر المناخي بات خطرًا منطقيًّا". ومع ذلك يحذر بعض المراقبين من أن تقارير الشركات لا تعني بالضرورة حدوث تغيير في سياسات هذه الشركات.

وتُشكِّل مقترحات المساهمين جزءًا من العمليات في شركات التداول العام؛ إذ يناور المستثمرون النشطاء سنويًّا لممارسة الضغط بشأن قضايا متعددة، بدءًا من المسائل المتعلقة بإشراف مجالس الإدارة وحتى السياسات المتعلقة بالأسلحة وأمن الفضاء الحاسوبي والتمييز بين الجنسين. وعلى مدار سنوات، قدم المستثمرون في هذه الاجتماعات اقتراحات حول التغيُّر المناخي، لكن هذه الاقتراحات لم تحظَ بنجاح عند عدّ الأصوات عليها. إلّا أنّ قوة الدفع بدأت تتغير في العام الماضي، وذلك عندما قام المستثمرون في شركة «أوكسيدنتال بتروليوم» وشركة «إكسون موبيل» بتوبيخ مجالس الإدارة وصوتوا على مطالبة هاتين الشركتين بإصدار تقارير توضّح تأثير نشاطهما الاقتصادي على التغير المناخي. وكانت هذه أول مرة يؤيد فيها المساهمون في شركات أمريكية منتجة للنفط والغاز مثلَ هذه الاقتراحات. ويقول خبراء حوكمة الشركات بأنّ هذه التحركات كان من شأنها قلب موازين اللعبة.

هذا العام لا تنتظر الكثير من الشركات عمليات عدِّ أصوات الاقتراع، فحتى الآن جرى سحب أكثر من 20 قرارًا متعلقًا بالتغير المناخي قبل إجراء التصويت لأنّه قد تم التوصل لاتفاقات بشأن هذه القرارات بالفعل، وذلك وفقًا لقاعدة بيانات جمَّعتها «سيرز» Ceres، وهي منظمة غير ربحية تعمل على تتبُّع أنشطة إشراك المساهمين وتعمل مع المستثمرين على قضايا تتعلق بالاستدامة. وقد وافقت نحو عشر شركات، من بينها شركة «دومينيون إنيرجي» وشركة «ديفون إنيرجي»، على تقديم تقارير عن المخاطر المالية المتعلقة بالمناخ. وفي العام الماضي، أقدمت شركة واحدة فقط، وهي «إكسل إنيرجي»، على مثل هذه الخطوة. يقول أندرو لوجان، المدير العام لأعمال النفط والغاز في «سيرز»: "تُدلل حقيقة أن هناك عددًا أقل من الاقتراحات التي تُطرح للتصويت عليها وعددًا أكبر من الاتفاقات على أهمية وثقل الزخم الذي يُحدثه المستثمرون".

مع ذلك، قد لا تقدِّم التقارير في حد ذاتها الشيء الكثير. ففي العام الماضي، وبعد شهور من تصويت المساهمين في شركة «إكسون»، أصدرت الشركة التقرير المطلوب، وبعدها انتقد بعض المساهمين في «إكسون» شركتهم العملاقة في مجال النفط والغاز بشكل علني لتصريحها في خلاصة التقرير بأنّها لم تواجه أية مخاطر مالية من جَرَّاء اتفاق باريس. وقال آخرون إن التقرير كان عامًّا بشكل مُبالَغ فيه، وأنه اعتمد على فرضيات متفائلة ولم يقدم تفاصيل بشأن الانبعاثات.

يقول لوجان: "لكن الضغط المستمر من جانب المساهمين قد يُفضي إلى تغييرات فعلية في طريقة أداء الشركات لأعمالها". ويشير لوجان إلى شركة «شِل» عملاقة النفط والغاز البريطانية الهولندية، ففي السنوات الأخيرة أدى تزايُد تحذيرات المستثمرين من مخاطر التغير المناخي إلى بيع الشركة لأصولها من الرمال النفطية ذات المحتوى العالي من الكربون. وفي العام الماضي، صوّت المساهمون -ووافقت الشركة- على ربط 10 بالمئة من علاوات المدراء التنفيذيين بتقليل انبعاثات غازات الدفيئة.

ووفق لوجان، يدفع المساهمون في الولايات المتحدة في معظم الأحيان باتجاه الحصول على إجراءات إفصاح، لكن هذا النوع من الدفع لا يزال مؤثرًا. وتخلق التقارير منافسةً داخل القطاع الصناعي الواحد، فمثلًا تتنافس الشركات للحصول على دولارات المستثمرين، وهؤلاء يضعون أموالهم مع الخطط الأكثر صرامةً فيما يتعلق بالمناخ. يقول لوجان: "الإفصاح له تبعات حقيقية؛ إذ سوف يتعيَّن على هذه الشركات متابعة جهودها لتخفيف المخاطر بشكل فعلي". على سبيل المثال، يحاول المساهمون في «تشيفرون» دفع الشركة إلى التركيز على تغييرات مستقبلية في محفظتها الاستثمارية، بما في ذلك توسيع ملكيتها المتعلقة بأعمال الطاقة المتجددة. وفي حين أن هذا المقترح فشل في السنة الماضية، فسيُطرح للتصويت مرةً أخرى نهاية مايو.

من ناحية أخرى، يرى ديفيد ويبر -خبير حوكمة الشركات وأستاذ القانون بجامعة بوسطن- أن عملية المتابعة قد تستغرق وقتًا أطول مما يتصوره لوجان؛ فقد تستغرق المتابعة سنوات، ولذا فإنها سوف تتطلب الإبقاء على جهود مستمرة من جانب المساهمين. ويضيف ويبر: "في أحسن الأحوال سترى الشركات الكتابات على الجدران وستبادر إلى العمل بنفسها، لكن يجب على المساهمين أن يبقوا على استعداد لمواصلة الضغط. هذه أهداف طويلة الأمد، وقد تبدو بعيدةً، وما من ضمان لتحقيقها. لكن الناس قالوا ذلك قبل عدة سنوات عن خطوات تم إنجازها بالفعل مؤخرًا فيما يتعلق بمقترحات ترتبط بقضية المناخ. من المهم تقييم التقدم الذي أُحرِزَ حتى الآن".