في خطوة نحو الحد من استخدام المسكنات الأفيونية، قال باحثون من جامعة تكساس الأمريكية إنهم توصلوا إلى ما وصفوه بأنه "أقوى مسكن لآلام الأعصاب"، يعمل على مسارات جديدة للألم، ويُغني عن المسكنات التقليدية الأفيونية التي يستخدمها مرضى الأعصاب، والتي قد تزيد من خطر الوقوع في فخ الإدمان.

وأضافوا أنهم طوروا مركبًا اصطناعيًّا يُعرف باسم UKH-1114، أثبت فاعلية عالية في تخفيف آلام الأعصاب لدى الفئران المصابة بتلف الأعصاب. وأكدوا أن النتائج التي توصلوا إليها تفتح الباب أمام تطوير علاجات دوائية جديدة مسكنة لألام الأعصاب ليست معتمدة على المادة الأفيونية ذات الآثار الجانبية المتعددة.

قارن الباحثون قدرة UKH-1114 على تخفيف الألم مع عقار "جابابنتين" (Gabapentin)، ولكن بجرعات ضئيلة، مع مدة أطول حتى يُثبت فاعلية، وذلك وفق الدراسة المنشورة في دورية (ACS Chemical Neuroscience)، في 23 يونيو الماضي. وتوصلت الدراسة إلى قدرته على تخفيف الألم لدى الفئران المصابة بتلف الأعصاب، كما استمر مفعوله يومين، مقارنة بـ4 إلى 6 ساعات التي يستغرقها مفعول عقار جابابنتين، رغم أن جرعة المركب كانت جرعة منخفضة ولا تمثل إلا مقدار السدس من إجمالي الجرعة المستخدمة في الجابابنتين.

وكانت هيئة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) قد وافقت في 1994 على استخدام عقار "جابابنتين" كدواء للسيطرة على النوبات الجزئية للصرع. وفي 2002، استُخدم العقار ذاته علاجًا للألم العصبي وغيره من أمراض اعتلال الأعصاب المؤلم.

مستقبِلات سيجما-2

أظهرت الأبحاث التي أُجريت على المركب الجديد قدرته على الارتباط بمستقبِلات "سيجما-2" الموجودة في خلايا الجهاز العصبي المركزي. وعلى الرغم من أن تاريخ اكتشاف هذا النوع من المستقبلات العصبية يعود لأكثر من 20 عامًا، لا يزال العلماء غير مدركين للآلية التي تعمل بها لتخفيف الآلام حتى الآن، وعليه ستصبح سيجما -2 هدفًا محتملًا لعلاج ألم الأعصاب المزمن، وفق باحثي الدراسة.

وفي حديث لـ"للعلم"، قال جيمس ساهن- أستاذ الكيمياء الصيدلية بجامعة تكساس، وقائد فريق البحث -: إن العلاجات الشائعة والفعالة لآلام الأعصاب المزمن هي العقاقير الأفيونية، لكن هذه الفئة تسبب الإدمان. وأضاف أن مرضى الأعصاب قد يلجأون للعقاقير غير الأفيونية مثل "جابابنتين"، لكنها غالبًا ما تكون أقل فاعلية، بالإضافة لآثارها الجانبية؛ إذ يمكن أن تسبب ضعف الإدراك.

من جانبه، قال تيد برايس- مدير برنامج علم الأعصاب بمدرسة العلوم السلوكية والدماغ بجامعة تكساس، وأحد المشاركين في البحث-: إن جرعة قليلة من المركب الجديد استمر مفعولها نحو 48 ساعة لدى الفئران المصابة بآلام الأعصاب، مضيفًا أن هذا المركب له خصائص ممتازة، ويمكن أن يتطور في نهاية المطاف إلى عقار يستخدمه البشر.

وعن آثاره الجانبية، أوضح برايس في تصريحات لـ"للعلم"، أن الفريق لم يلحظ أي آثار جانبية له حتى الآن، لكن إثبات أن هذا المركب آمن وفعال بالنسبة للبشر سيحتاج إلى قدر كبير من العمل.

وأضاف أن ما يُطمْئن الفريق أن هذا المركب لا يربط بالمستقبِلات العصبية التي تعمل عليها العقاقير الأفيونية، وبالتالي لن يسبب الإدمان، والخطوة المقبلة للفريق هي اختبار المركب على مزيد من الفئران بتركيزات متعددة، لتحديد الوقت الذي يستغرقه المسكن بصورة أكثر دقة.

آلية حدوث الآلم

ويحدث ألم الأعصاب المزمن عند تلف الأعصاب في الجهاز العصبي المركزي، كما يمكن أن تنتج آلام الأعصاب عن تناول العلاج الكيميائي ومرض السكري والإصابات في الدماغ أو الحبل الشوكي، وعادة ما يتناول هؤلاء المرضى المسكنات المورفينية للحد من الآلم.

ويشيع إدمان مسكنات الألم الأفيونية أو المورفينية عالميًّا؛ إذ يعاني حوالي مليوني شخص في الولايات المتحدة وحدها من ذلك، وفقًا للمعهد الوطني الأمريكي لتعاطي المخدرات (NIDA)، لكن تلك المسكنات لا تزال هي السبيل الوحيد أمام ما يقرب من ثلث الأمريكيين الذين يعانون من الآلام المزمنة.

وعن الآلية التي تعمل بها مسكنات الآلم، أوضح إيهاب عبد العاطي -أستاذ الكيمياء الصيدلية المساعد بكلية الصيدلة جامعة القاهرة- أنها تنقسم إلى نوعين: الأول هو مضادات الالتهاب غير الستيرويدية (NSAIDs) وهي أدوية ذات مفعول مسكن وخافض للحرارة مع الجرعات العادية، ومضادة للالتهاب مع الجرعات العالية، وتقوم بثلاث وظائف دوائية مهمة، فهي: مضادة للالتهابات، ومسكنة للألم، وخافضة للحرارة، ومن الأمثلة المعروفة عنها الأسبرين والآيبوبروفين والنابروكسين.

ويتركز عمل هذا النوع من الأدوية على تثبيط عمل إنزيم "السيكلوأوكسيجناز" (cyclooxygenase)، وهو الإنزيم المسؤول عن إنتاج "البروستاجلاندين" (Prostaglandins)، وهي مركبات ينتجها الجسم وتؤدي وظائف مهمة فيما يتعلق بالإحساس بالألم، لذلك فإن هذه الأدوية تسكن الألم عبر منع إفراز مادة "البروستاجلاندين" المسببة له.

واستطرد أنه برغم أمان هذه الأدوية جزئيًّا وعدم تعرض متعاطيها للإدمان كما يحدث في المسكنات الأفيونية أو المورفينية، إلا أن لها آثارًا جانبية وهي تثبيط إفراز الحمض المَعِدي[SA1] ، وهي المادة الحمضية الموجودة في المعدة، إضافة إلى تحفيز إفرازات الغشاء المخاطي المعوي، وبالتالي فإن الإفراط في استخدامها قد يسبب قرحة في المعدة.

وعن النوع الثاني من مسكنات الألم، أوضح عبد العاطي أن هذا النوع هو المسكنات الأفيونية أو المورفينية، مثل الترامادول. ويعمل المورفين مباشرةً على الجهاز العصبي المركزي لتقليل الشعور بالألم، ويمكن استخدامه لكلٍّ من الألم الحاد والمزمن الذي لا تسيطر عليه مضادات الالتهاب غير الستيرويدية.

لكن الآثار الجانبية الخطيرة التي قد تنجم عن المورفين تشمل انخفاض التنفس وانخفاض ضغط الدم، وارتفاع احتمالية الإدمان عليه وإساءة الاستعمال، وإذا جرى تخفيض الجرعة بعد فترة طويلة من الاستخدام فقد تظهر عوارض الانسحاب من المواد الأفيونية، كما أن الجرعات لا تكفي ويقل أثرها مع مرور الوقت، ويحتاج المريض إلى زيادتها باستمرار لتسكين الآلام.

الاعتماد النهائي

وتعليقًا على نتائج البحث، قال السيد بدوي -أستاذ الكيمياء الصيدلية بكلية الصيدلة في جامعة الإسكندرية-: إن ما توصل إليه الباحثون "يُعَدُّ نتائج جيدة، لكن في إطار التجارب المعملية الأولية".

وفي حديث لـ"للعلم" شبّه بدوي ما توصل إليه العلماء باللاعب "الشبل" في كرة القدم الذي يجيد لعب الكرة في الصغر، ولكن ليس من المؤكد أن يصبح لاعبًا عالميًّا مشهورًا، وهكذا الحال مع المركبات الكيميائية في صناعة الدواء.

وأوضح أن هناك آلاف المركبات الكيميائية التى يعمل عليها صناع العقاقير حول العالم بصفة يومية، ولكن لا يصل جميعها بالطبع إلى أدوية فعالة لا تحمل آثارًا جانبية خطيرة، وقد يحتاج هذا الأمر من 10-15 سنة من التجارب المستمرة لإثبات أنها آمنة وفعالة، وأن فوائدها تتعدى مضارها، حتى يصل الباحثون إلى أدوية تحصل على موافقة الهيئات الدولية المعترف بها

وأشار إلى أن هذا المركب سجل نتائج جيدة في المراحل الأولية، وأمام فريق البحث خطوات عمل كثيرة تحتاج إلى المزيد من الجهد والوقت والمال كي يتحول إلى عقار فعال.

واتفق معه عبد العاطي،  مؤكدًا أنه من الصعب الحكم على مدى فاعلية المركب الجديد ومستقبله كمسكن للآلام؛ لأنه في المراحل الأولى من الاختبار.

ويقول عبد العاطي إن أي دواء جديد لا بد أن يمر بمراحل عدة، قبل أن يأخذ الاعتماد النهائي كعقار يتم تداوله بالأسواق، وهناك حاليًّا اختبارات باستخدام برامج كمبيوتر تساعد على توقع فاعلية الدواء وآثاره الجانبية، قبل أن تبدأ المراحل من المختبر وتحليل التركيب الكيميائي، ومن ثم تمر بالتجارب على الحيوانات، ثم على مجموعة محدودة من البشر، وتنتهي بطرحه للتداول ومتابعة الدواء.

وهو ما اتفق معه القائمون على الدراسة، مشددين على أنه لا يزال هناك الكثير من الجهد والعمل قبل دخول المركب الجديد إلى الأسواق، فهناك حاجة إلى مزيد من الدراسات لإثبات سلامته وفاعليته وإمكانية تناوله عن طريق الفم، وفي الوقت ذاته، يعمل العلماء على فهم الآلية التي تعمل بها سيجما -2 لتخفيف آلام الأعصاب، لكنهم متحمسون بعد النتائج المقنعة التي أثبتوها على الفئران.

وأشاروا إلى أن إثبات سلامة المركب وفاعليته وتحويله إلى دواء معتمد لآلام الأعصاب، عملية تستغرق عادة بضع سنوات، ومع ذلك، فإن اكتشاف هذا المركب "الفعال للغاية" يمكن أن يكون اكتشافًا مفيدًا في معادلة من أكبر التحديات الصحية الناجمة عن تناول المسكنات ذات القاعدة الأفيونية.