طوَّرَ فريق من علماء البيانات بكلية "كيلوج للإدارة" في جامعة "نورث وسترن" الأمريكية نموذجًا للإنذار المبكر، يمكنه التنبؤ بمدى العنف الذي يمكن أن يصل إليه أي تنظيم إرهابي في المستقبل، استنادًا إلى الهجمات العشر الأولى التي نفذتها عناصر ذلك التنظيم.

ووفق الدراسة التي نشرتها مجلة "بروسيدينجز أوف ذا ناشيونال أكاديمي أوف ساينسس" (PNAS)، والتي تصدرها الأكاديمية الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة الأمريكية، فإن "النموذج المطور يتيح لقوات الأمن تحديد التنظيمات الأكثر تدميرًا، واستهدافها قبل أن تصبح قوية جدًّا".

يقول "برايان عوزي"، أستاذ القيادة والتغيير التنظيمي في جامعة كيلوج، والمشارك في الدراسة: "إن هذا الإنذار المبكر لا يمكنه فقط مساعدة الحكومة في استهداف التنظيمات الإرهابية، بل يمكنه أن يساعد الحكومة أيضًا في وضع خطط لمواجهتها بشكل إستراتيجي، وتجنُّب إنفاق مليارات الدولارات في قتال تنظيمات من المحتمل أن تحترق بمرور الوقت".

الدراسة، التي نُشرت اليوم "الإثنين"، 7 أكتوبر، اعتمدت على البيانات المتاحة للجمهور العادي، والتي تتضمنها قاعدة بيانات الإرهاب العالمي (GTD) و" قاعدة بيانات راند العالمية للحوادث الإرهابية"؛ إذ تتبَّع الباحثون عمليات نفذتها العديد من التنظيمات الإرهابية بين عامي 1970 و2014.

تشير الدراسة إلى أن "أكثر التنبؤات التي توصل إليها هذا النموذج "دقةً" كانت من نصيب التنظيمات التي نفذت هجمات قليلة للغاية في البداية، مثل "الجبهة المتحدة لتحرير أسوم" في الهند، وحركة الشباب الصومالية، و"جبهة تحرير مورو الإسلامية" في الفلبين.

يقول "يانج يانج"، الباحث المشارك في الدراسة، وفق البيان الصحفي المُصاحب للدارسة الذي حصلت مجلة "للعلم" على نسخة منه: "هذا النموذج يمكنه التنبؤ بالتأثير المستقبلي لبعض الخلايا النائمة التي تمارس نشاطها بعيدًا عن شاشات الرادارات".

تنفق الحكومة الأمريكية -على سبيل المثال- نصف تريليون دولار سنويًّا على مكافحة الإرهاب، إلا أن هذا لم يمنع ظهور حوالي 61 منظمة إرهابية سنويًّا حول العالم في الفترة من 2000 وحتى 2015، ما أدى إلى زيادة بلغت 800% في عدد الهجمات الإرهابية العالمية، وفقًا لقاعدة بيانات الإرهاب العالمي (GTD).

استلهم الباحثون فكرة النموذج المُطوَّر من نموذج اقتصادي؛ إذ يلجأ أصحاب رؤوس الأموال والمستثمرون بشكل روتيني إلى جمع المعلومات المتعلقة بالتدفقات النقدية والمهارات التكنولوجية التي تملكها الشركة للتنبؤ بمدى قدرتها على النجاح، وهو النموذج الذي طوره الباحثون بصورة تساعد على تتبُّع عوامل عدة مثل: تنوُّع الأسلحة المستخدمة، وتطوُّر تلك الأسلحة، وتنامي قدراتها الهجومية، وتحديد مدى نجاح التنظيم الإرهابي في تنفيذ مهمات هجومية مستقبلية أم لا.

طبق الباحثون النموذج المُطوَّر على تنظيم "داعش"، وانتهوا إلى أنه يتمتع بقدرات هجومية قوية للغاية تقدر بأكثر من 90% من إجمالي قدرات التنظيمات الإرهابية التي ظهرت معه، مؤكدين أن "النموذج الجديد تنبأ بأن هذا التنظيم سيكون من التنظيمات الإرهابية التي لديها القدرة على ارتكاب هجمات فتاكة بشكل استثنائي".

من جهته، يقول "آدم روبرت"، الباحث المشارك في الدراسة، في تصريحات لـ"للعلم": "إن فريق البحث درس جميع التنظيمات الإرهابية التي اشتملت عليها قاعدة بيانات الإرهاب العالمي (GTD)، والتي ارتكبت 10 هجمات إرهابية، وكانت هناك فترة لا تقل عن 12 شهرًا بين أول هجوم نفذه التنظيم وآخر عملية إرهابية تم تسجيلها باسمه في قاعدة البيانات، وبالتالي درسنا 342 جماعة إرهابية ارتكبت 157 هجومًا إرهابيًّا".

يضيف "روبرت" أن "التنظيمات التي تمت دراستها لم تكن جميعها ذات توجهات إسلامية؛ إذ غطت الدراسة التنظيمات الممتدة من 1970 وحتى 2017، ما أدى إلى دراسة مجموعة كبيرة من التنظيمات ذات المعتقدات والانتماءات المختلفة".

واجه الباحثون معضلةً كبيرة، تمثلت في تعمُّد التنظيمات الإرهابية إخفاء مواردها وقدراتها التنظيمية، وهو الأمر الذي تم التغلُّب عليه من خلال الاعتماد على حصر عدد القتلى الذين راحوا ضحية كل هجوم من الهجمات الخمس الأولى التي نفذها التنظيم، وكذلك تقدير الموارد التي اعتمد عليها الإرهابيون في تنفيذ كل عملية على حِدَة، وهي الموارد التي مالت إلى التذبذب بمرور الوقت، مثل التمويل، أو وجود قادة متميزين فيها، أو امتلاك التنظيم القدرة على الوصول إلى المعلومات الاستخباراتية.

يقول "روبرت": "نحن ننظر بفاعلية إلى عدد الهجمات التي ينفذها التنظيم في فترة مبكرة، ونحدد مدى العشوائية التي تشوب تلك الهجمات، ومنها توقيتات تنفيذ العمليات الإرهابية، ثم نقارن بعضها ببعض؛ بهدف توقُّع العمليات التي يمكن أن ينفذها التنظيم مستقبلًا".

يشير "روبرت" إلى أن "الدراسة استغرقت ثلاث سنوات كاملة"، موضحًا أن فريق البحث تلقَّى دعمًا من جامعة نورث وسترن ومعهد نورث وسترن للأنظمة المعقدة، ومنحةً من وكالة الدفاع ومشروعات البحوث المتقدمة التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية، ومشددًا على أنه "بالرغم من هذه المنح، إلا أنه لا يمكن تفسير نتائج الدراسة على أنها تمثل السياسات الاجتماعية لوزارة الدفاع الأمريكية أو لحكومة الولايات المتحدة"، وفق قوله.