إن وجود جنين ينمو داخل الأحشاء ليس بالأمر الهين على الإطلاق؛ فقط اسأل أي امرأة حديثة العهد بالحمل. فالهرمونات تتدفق في الوقت الذي يتعرض فيه جسد المرأة لتحوُّلات هائلة، ولا تنتهي التغيُّرات عند هذا الحد؛ إذ كشفت دراسة نُشرت في ديسمبر الماضي في دورية "نيتشر نيوروساينس" Nature Neuroscience أن أدمغة النساء تتعرض في أثناء فترة الحمل لتغيُّرات ملحوظة تستمر عامين على الأقل بعد الولادة. كما تقدم الدراسة أيضًا أدلة أولية على أن هذه التغيّرات ربما تؤدي دورًا في مساعدة النساء على الانتقال إلى مرحلة الأمومة.

أجرى فريق بحثي بجامعة برشلونة المستقلة -بقيادة عالِمة الأعصاب إلسيلاين هوكزيما، من جامعة لايدن- مسحًا على أدمغة النساء اللاتي أصبحن أمهات للمرة الأولى قبل وبعد الحمل، واكتشف الفريق حدوث تغيرات ملحوظة في المادة الرمادية في المناطق الدماغية المرتبطة بالإدراك الاجتماعي ونظرية العقل –وهي نفس المناطق التي نشطت عندما نظرت النساء لصور أطفالهن الرُضَّع. وهذه التغيُّرات -التي استمرت  عامين بعد الولادة- أعطت توقعات للنقاط التي ستحرزها النساء في اختبار للارتباط الأمومي، وكانت التغيُّرات واضحة جدًّا، حتى إن خوارزمية كمبيوتر تمكنت من استخدامها لتحديد أيٍّ من هذه النساء كانت في مرحلة الحمل.

ومن السمات المميِّزة للحمل الزيادة الكبيرة في الهرمونات الستيرويدية التناسلية مثل البروجيسترون والإستروجين، التي تساعد جسم المرأة على الاستعداد لحمل الجنين. ولا يفرز الجسم هذه الكمية الهائلة من هذه الهرمونات إلا مرة واحدة أخرى في العمر وهي عند فترة البلوغ. أظهرت الأبحاث السابقة أنه في أثناء فترة البلوغ تتسبب هذه الهرمونات في حدوث تغيُّرات بنيوية وتنظيمية هائلة في الدماغ. وطوال فترة المراهقة، يفقد الفتيان والفتيات أجزاءً من المادة الرمادية في أثناء التخلص من الوصلات الدماغية التي لم يعودوا في حاجة إليها، وتُنحت أدمغتهم لتتحول إلى شكل دماغ الشخص البالغ. غير أنه لم يهتم سوى عدد قليل جدًّا من الأبحاث بالتغيرات التشريحية التي تحدث للدماغ في أثناء فترة الحمل، فتقول هوكزيما: "تمر أغلب النساء بتجربة الحمل في مرحلة ما من حياتهن، ولكن ليس لدينا فكرة عما يحدث داخل الدماغ".

أجرت هوكزيما وزملاؤها مسحًا تشريحيًّا مفصلًا على أدمغة مجموعة من النساء يحاولن الحمل للمرة الأولى. وقد نجحت خمس وعشرون سيدة في الحمل، وخضعن للمسح الدماغي مرة أخرى بعد الوضع بفترة قصيرة؛ ثم أُجري مسحٌ دماغي لإحدى عشرة سيدة منهن بعد ذلك بعامين. (كما أجرى الباحثون كذلك مسحًا دماغيًّا لرجال ونساء لم يكونوا يحاولون الإنجاب، وأيضًا لرجال أصبحوا آباءً للمرة الأولى، وذلك لمقارنتها بالمسح الدماغي على النساء محل الدراسة). وفي أثناء فترة ما بعد الوضع، أجرى الباحثون كذلك مسحًا دماغيًّا على الأمهات الجديدات في أثناء نظرهن إلى صور أطفالهن الرُّضَّع. واستخدم العلماء مقياسًا معياريًّا لتصنيف درجة الارتباط بين الأم والرضيع.

وجد الباحثون أن الأمهات الجديدات تضاءلت لديهن المادة الرمادية، واستمر هذا الأمر لمدة عامين بعد الولادة. وهذا الفقد في المادة الرمادية ليس بالضرورة أمرًا سيئًا (فوفقًا لما تقوله هوكزيما فإن "هذا التموضع كان لافتًا للنظر للغاية")؛ فقد حدث في مناطق بالدماغ تسهم في الإدراك الاجتماعي، وبالتحديد في الشبكة المخصصة لنظرية العقل التي تساعدنا على التفكير فيما يجول بخاطر الآخرين، وهي المناطق التي أبدت أقوى الاستجابات عندما نظرت الأمهات إلى صور أطفالهن الرضع. ويمكن استخدام هذه التغيُّرات الدماغية أيضًا لتوقُّع النقاط التي ستحرزها الأمهات على مقياس الارتباط الأمومي. في الواقع، تمكن الباحثون من استخدام خوارزمية كمبيوتر لتحديد أيٍّ من النساء محل الدراسة أصبحت أمًّا حديثًا، بناءً على أنماط فَقْد المادة الرمادية فقط. ولم يُلحَظ حدوث فَقْد في المادة الرمادية لدى الآباء الجدد أو مَن ليس لديهم أبناء.

من غير الواضح تمامًا سبب فقدان النساء لجزء من المادة الرمادية في أثناء فترة الحمل، ولكن هوكزيما تظن أن السبب وراء ذلك قد يكون أن أدمغتهن تصير أكثر تخصصًا بحيث تساعدهن على التأقلم مع الأمومة والاستجابة لاحتياجات أطفالهن. وتقدم هذه الدراسة بعض الأدلة الأولية التي تدعم هذه الفكرة. وفي حين تركز الدراسة مبدئيًّا على توثيق التغيُّرات التي تحل بالدماغ في أثناء فترة الحمل، فإن هوكزيما تتوقع أن تتناول الدراسات اللاحقة الإجابة عن الأسئلة الأخرى المطروحة، مثل كيفية ارتباط التغيرات التي تحدث بالدماغ باكتئاب ما بعد الولادة، أو صعوبات الارتباط بين الأم والطفل.

يقول رونالد دال، عالِم الأعصاب بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، والذي لم يشارك في الدراسة، إنه شعر بالسعادة والإثارة عند رؤيته لهذه الدراسة، وكتب في رسالة إلكترونية يقول: "هذا إسهام رائد لا يقتصر فقط على توثيق التغيُّرات البنيوية بالدماغ المرتبطة بالحمل، ولكنه أيضًا يقدم بشكل مثير للاهتمام أدلة تشير إلى أن هذه التغيرات تمثل تغيُّرات تكيُّفية".

كما أعرب ميل راذرفورد -العالِم المتخصص في علم النفس التطوري في جامعة ماكماستر في أونتاريو- عن تحمسه هو الآخر لهذه الدراسة، التي تُعَد -على حد علمه- أول دراسة تستخدم التصوير العصبي لتتبُّع التغيرات التي تطرأ على الدماغ في أثناء الحمل. ويقول: "الأمر الأكثر إثارة للاهتمام على الأرجح هو قدرتهم على متابعة الأمهات لمدة عامين بعد الولادة، ومن ثَم يتوافر لديهم الدليل الأطول أمدًا حتى الآن حول التغيُّرات التي تطرأ على الدماغ بعد الحمل". تتفق النتائج مع الأبحاث الذي أجراها راذرفورد حول التغيُّرات الإدراكية في أثناء الحمل، إذ تناولها من الجانب التطوري؛ فيقول: "عندما تصبح الأنثى أمًّا، ستتعرض لحل مشكلات تكيفية من نوع مختلف إلى حدٍّ ما، ومشكلات إدراكية مختلفة إلى حدٍّ ما مقارنة بما قبل أن يصبح لديها أطفال. كما ستختلف الأولويات، وستختلف المهام التي عليها تأديتها، ومن ثَم يتغير الدماغ".