في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها العالم خلال الشهور الأخيرة، تثير جائحة كوفيد-19 قلق الجميع، وخاصةً مَن يعانون من مشكلات صحية أو ظروف جسدية تجعلهم أكثر عرضةً للإصابة بالمرض.

من بين هؤلاء نجد النساء الحوامل، اللاتي يشكلن نسبة 9% من مصابي فيروس كورونا. فبالإضافة إلى التخوفات والتساؤلات حول مدى سلامتهن وسلامة الأجنة في بطونهن، يُعَد القلق والتوتر من المشاعر الشائعة التي تتعرض لها الأم في أثناء الحمل، بطبيعة الحال.

وفقًا لدراسة أمريكية حديثة، فإن النساء الحوامل المصابات بفيروس (سارس-كوف 2) يعانين من أعراض أكثر حدةً مقارنةً بالنساء غير الحوامل، مما يجعلهن فى حاجة أكبر إلى تلقي الرعاية الصحية في المستشفيات عوضًا عن المنازل، وتزداد احتمالات احتياجهن إلى دخول وحدات الرعاية المركزة 1.5 مرة عن غير الحوامل، كذلك يحتجن إلى التنفس الصناعي بمعدل أعلى 1.7 مرة، وتتفاوت تلك الاحتمالات وفق عاملَي العمر والعِرق.

الدراسة المنشورة في إحدى الدوريات التابعة لمراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها "CDC" حللت بيانات 326,335 امرأة يعانين من الإصابة بمرض كوفيد-19، ممن هن في سن الإنجاب –ما بين 15 سنة و44 سنة- في الفترة ما بين 22 يناير و17 يونيو الماضي، ووجدوا أن 9% منهن كنّ حوامل.

عانت النساء الحوامل وغير الحوامل من أعراض مثل السعال وضيق التنفس بالدرجة نفسها، ولكن النساء الحوامل عانين من أمراض الرئة المزمنة وأمراض القلب والأوعية الدموية ومرض السكري على نحوٍ أكبر، واحتاج ما يقرب من ثلث النساء الحوامل إلى دخول المستشفى، أما 5.8% فقط من النساء غير الحوامل فقد احتجن إلى تلقِّي الرعاية الصحية في المستشفيات.

الحوامل أكثر حاجةً إلى الرعاية الصحية

وبينما احتاجت النساء الحوامل إلى دخول وحدات العناية المركزة وتلقِّي جلسات التنفس الصناعي بنسبة أكبر من غير الحوامل، جاءت معدلات الوفاة متقاربةً لدى الفئتين.

تقول سوزان جيلبوا، المتخصصة في علم الأوبئة فى مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها، والباحثة الرئيسية في الدراسة: "سبب التشابه فى معدلات الوفاة غير واضح بشكل كامل حتى الآن".

ولكنها تضيف أن تلك النتائج تتفق مع نتائج تقرير سابق، تناول تحليل بيانات النساء المصابات بالإنفلونزا، ووجد أن النساء الحوامل يكنَّ أكثر حاجةً إلى تلقِّي الرعاية الصحية فى المستشفيات سبع مرات أكثر من غير الحوامل، ومع ذلك كانت معدلات الوفاة متشابهةً أيضًا".

كما تتفق النتائج التي توصلت إليها "جيلبوا" وفريقها أيضًا مع نتائج دراسة سويدية نُشرت فى مايو الماضي، وتفيد بأن النساء الحوامل المصابات بكوفيد-19عرضة لدخول العناية المركزة خمس مرات أكثر من غير الحوامل، ويحتجن إلى التنفس الصناعي أربع مرات أكثر من غير الحوامل المصابات بكوفيد-19.

ويصاحب الحمل تغيرات فسيولوجية ومناعية فى الجسم، تجعل النساء الحوامل أكثر عرضةً للأمراض المُعدية بشكل عام، وقد يتعرضن لأعراض أكثر حدةً في حالة عدوى الأمراض التنفسية مثل كوفيد-19.

يقول خالد عيسى -أستاذ مساعد في جامعة تافتس، ورئيس وحدة أمراض الصدر والرعاية الحرجة بمركز جود ساماريتان الطبي بولاية ماساشوستس الأمريكية- في حديثه مع مجلة "للعلم": "قد يكون أحد التفسيرات المحتملة لكون النساء الحوامل يتعرضن لأعراض أكثر حدةً هو أنهن يتعرضن لعوامل خطورة مرتبطة بالحمل تؤثر على المصابات بـ"كوفيد-19"، مثل سكري الحمل وارتفاع ضغط الدم".

وبينما لا يوجد تفسير واضح لعدم اختلاف معدل الوفيات رغم معاناة النساء الحوامل من أعراض أكثر حدةً وحاجتهن إلى رعاية أكبر، يعتقد "عيسى" أن ذلك قد يرجع إلى اهتمام الأطباء بالنساء الحوامل بشكل أكبر من عامة الناس، وقد تكون حدة الأعراض نتاج التعقيدات الصحية التى تحدث في أثناء الحمل.

 وفي ذلك الشأن، تقول "جيلبوا" في حديثها مع مجلة "للعلم": "قد لا تكون الحاجة إلى دخول المستشفيات هي وحدها ضمن المؤشرات الأكثر حساسيةً لتحديد شدة مرض كوفيد-19 بين الحوامل، ولكننا وجدنا أيضًا أنهن يكنَّ في خطر متزايد لدخول وحدات العناية المركزة وتلقِّي جلسات التنفس الصناعي، مقارنةً بغير الحوامل، وهذه النتائج ترتبط بتداعيات مرض كوفيد-19 أكثر".

كوفيد-19 بين الأم والجنين

يقول وسيم أشرف لطيف -نائب مقيم طب الطوارئ والإصابات بمستشفى سالجرنسكا، جامعة جوتنبرج السويدية- في حديثه مع "للعلم": يعتبر الجسم أن أي كائن غريب هو طفيلي ومصدر للخطر، ويشمل ذلك الجنين فى بطن أمه، ولكي ينجو الجنين من الجهاز المناعي في أثناء الحمل يحدث تثبيط وكبح للجهاز المناعي، مما يجعل الأم عرضةً أكثر للإصابة بما يُعرف بـ"العدوى الانتهازية"، وهي العدوى الناتجة عن مسببات الأمراض التي لا تكون في العادة قادرةً على إحداث أي عدوى في حالة كان الجهاز المناعي يعمل بكفاءة. كذلك تكون الأم أكثر عرضةً للأمراض المعدية بشكل عام، ويشمل ذلك مرض كوفيد-19.

تعاني النساء الحوامل من زيادة حجم الدم نتيجةً لزيادة سائل البلازما بنسبة كبيرة تصل إلى 50% فى الأسبوع 34 من الحمل، وذلك استجابةً لحالة الحمل التي تتطلب تزويد الرحم والجنين والمشيمة بالدم، ويعتقد "لطيف" أن الحالة التي تُعرف باسم "الوذمة" والتي تنتج عن زيادة نسبة المياه فى دم الأم وجسمها بشكل عام تجعلها أكثر عرضةً لالتقاط العدوى، إذ إن زيادة السوائل في أنسجة الجسم يزيد فرص حدوث الالتهابات والأمراض المعدية، ويضيف "لطيف":- "يسبب الحمل زيادةً فى معدل تجلُّط الدم، مما يجعل المرأة الحامل اكثر عرضة لجلطات الرئة، كما أن الحالات الصعبة من عدوى كوفيد-19عادة ما يصاحبها زيادة في جلطات الرئة، لذا فإن المرأة الحامل قد تكون معرضة لخطر مضاعف من حدوث جلطات في الرئة".

نشرت مجلة "للعلم" تقريرًا سابقًا بعنوان "هل تنتقل عدوى «كورونا» من الأم إلى الجنين في أثناء الحمل؟"، وتضمَّن التقرير نتائج دراسة صينية أفادت عدم رصد أية أدلة على إمكانية انتقال عدوى "كوفيد 19" عموديًّا، أي من الأم إلى جنينها عبر المشيمة خلال الثلث الأخير من الحمل.

 وفى السياق ذاته، أفادت دراسة حديثة أجرتها جامعة نوتنغهام الإنجليزية أن انتقال فيروس كورونا الجديد من الأم إلى الجنين في أثناء الحمل هو أمر غير شائع، ولا يزداد معدل الإصابة إذا ما تمت الولادة بشكل طبيعي، أو في أثناء الرضاعة الطبيعية.

ويقول "عيسى": "يؤثر الحمل على طريقة عمل الجهاز المناعي للأم، ويعتبر علاج النساء الحوامل أيضًا أكثر تحديًا؛ إذ قد يكون للعديد من الأدوية آثارٌ جانبية على الجنين، وقد تكون هناك حاجة أكبر إلى مراقبة الجنين ومتابعته".

في انتظار اللقاح

بينما لا نزال في انتظار وجود لقاح مصرح به للوقاية من فيروس كورونا الجديد، قدمت الدراسة بعض التوصيات التي يجب على النساء الحوامل وعائلاتهن اتباعها، من ضمنها اتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان صحتهن ومنع انتشار عدوى كوفيد-19، والحد من التفاعل مع الآخرين قدر الإمكان، كما يجب التأكيد على الالتزام بالتدابير العامة للوقاية من كوفيد-19، ومحاولة التخلص من العوائق المحتملة التي تحول دون القدرة على الالتزام بهذه التدابير.

وكانت دورية "ساينس" قد نشرت تقريرًا حديثًا، يناقش مَن له الأولوية فى تلقِّي لقاح كوفيد-19 حال توافره، مُسترشدةً بالدراسة التي أجرتها "جيلبوا" وفريقها؛ إذ يرجِّح التقرير أن تكون هناك أولوية للنساء الحوامل فى الوقاية من الإصابة بـ"كوفيد19"، وأن يكن فى مقدمة الصف.

يقول "لطيف": "هناك العديد من الدراسات تفيد بأن الرجال يتعرضون لأعراض شديدة أيضًا عند الإصابة بكوفيد-19، وذلك لأن لديهم نسبة أكبر من مُستقبِل ACE2 -وهو المستقبِل الذي يتمكن فيروس كورونا من غزو الخلايا من خلال الارتباط به- مما يضعهم فى خطر قد يكون مساويًا للخطر الذي تتعرض له النساء الحوامل، ولكن المُعْضِلة هنا تكمُن فى إمكانية تعرُّض الجنين أيضًا للخطر، إذ إننا لا نعلم بعدُ ما تأثير هذا اللقاح على الجنين، فبعض اللقاحات يمكن أن يسبب تشوهات خلقية للأجنة، وسيكون هناك حاجة إلى إجراء تجارب على الحيوانات أولًا فور ظهور اللقاح".

يتفق "عيسى" مع "لطيف" فيما يتعلق بالحاجة إلى التأكد من سلامة اللقاح على الأجنة، مضيفًا أن بعض الفئات من المرضى رُبما تكون فى خطر أكبر للوفاة من جَراء الإصابة بمرض كوفيد-19، وبالتالي تكون لها الأولوية في الحصول على اللقاح أولًا.

تقول "جيلبوا": "إن الـ"CDC" يتلقى التوصيات الخاصة بسياسة إدارة تلقِّي اللقاحات -سواء للأطفال أو للبالغين- من اللجنة الاستشارية لممارسات التحصين (ACIP)، وتعمل هذه اللجنة على تقييم بيانات السلامة والتحصين المناعي للمرشحين لتلقي اللقاح حينما يتوافر، لتحديد مَن له الأولوية فى الحصول عليه أولًا في الولايات المتحدة".

ماذا بعد؟

يخطط الفريق البحثي لتوسيع دائرة مصادر البيانات الخاصة بهم، وتضيف "جيلبوا": "تعمل مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) على دراسة انتقال عدوى كوفيد-19 في أثناء الحمل والرضاعة في مناطق جغرافية متنوعة، وذلك من أجل تقييم عوامل الخطر المصاحبة لكوفيد-19 في أثناء الحمل، وتقييم احتمالية نقل العدوى من الأم إلى الجنين، وتحديد الأثر غير المباشر للجائحة على صحة الأم والرضيع، وذلك للمساعدة في توجيه عملنا في مجال الصحة العامة إلى النساء الحوامل والرضع".

يعتقد "لطيف" أن نتائج الدراسة ذات أهمية إحصائية، خاصةً أن عدد المرضى الذين تم فحص بياناتهم "ضخم"، ويرى أن بناء الدراسة كان منطقيًّا والنتائج شبه متوقعة، ولكن كانت هناك بعض البيانات الناقصة؛ إذ لم تشمل الدراسة المجموعات العرقية المختلفة.

ويقول "عيسى": "على الرغم من أن الحمل يبدو مصحوبًا بخطر أعلى للإصابة بأعراض أكثر حدة، إلا أن النسب المئوية مُطَمئنة للغاية؛ إذ إن نسبة الوفيات عند الحوامل لا تزال منخفضة جدًّا، ولا تختلف كثيرًا عن عامة الناس، فلا داعي للذعر، ولكن يجب أن نكون أكثر حذرًا ونتذكر دائمًا أن الوقاية خير من العلاج".