في حي "برونكس" الواقع على أطراف مدينة نيويورك الغنية، نشأت "أورا كاتز أولسون"، الرئيسة السابقة لقسم العلوم السياسية بجامعة ليهاي الأمريكية.

كان حي "برونكس" يلقب بـ"حي الفقراء"، وعُرف بتنوع تركيبته العرقية، ويمثل الأمريكيون من أصل إسباني لاتيني 48.4% من سكانه، بينما تبلغ نسبة الأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية نحو 31.2%، وذوي البشرة البيضاء حوالي 14.5% مقابل 2.9% من الآسيويين.

دفعت تلك التركيبة "أولسون" إلى إصدار تسعة كتب، اهتمت في مجملها بالرعاية الاجتماعية وبالمسنين الضعفاء حول العالم، وتقديم الرعاية طويلة الأجل، كما أصدرت روايةً تحت عنوان "أصوات القلب".

في كتابها الأخير "التحدي الأخلاقي: الأسهم الخاصة تهز الرعاية الصحية بالولايات المتحدة"، تحذر "أولسون" مما سمَّته بـ"افتراس الأسهم الخاصة للرعاية الصحية في الولايات المتحدة"، ما يُلحق العديد من الآثار السلبية بـ"شركات الرعاية الصحية ودافعي الضرائب والمرضى والمجتمع الأمريكي ككل".

يشير الكتاب إلى أن "شركات الأسهم الخاصة هي شركات إدارة استثمار، توفر الدعم المالي للمشروعات الخاصة، وأن تلك الشركات باتت تلتهم الخدمات الأساسية، مثل احتكار عمل الأطباء وممارسات طب الأسنان، ومؤسسات الرعاية المنزلية والتضامن، وخدمات تعاطي المخدرات واضطرابات الأكل والتوحد، ومرافق الرعاية العاجلة والنقل الطبي في حالات الطوارئ، ما يهدد شركات الرعاية الصحية والمرضى ودافعي الضرائب والمجتمع الأمريكي ككل بالتدمير".

تقول "أولسون": على الرغم من ادعاءات شركات الأسهم الخاصة بأنها توفر كفاءةً أكبر وفاعليةً من حيث التكلفة، فقد أدى استحواذها المستمر على الرعاية الصحية إلى خدمات هزيلة وغير كافية، ونتائج أسوأ للمرضى، وشفافية أقل، وخيارات أقل للمستهلكين، واحتكارات للمهن، ورسوم طبية أعلى.

ووفق الكتاب، يزداد الأمر سوءًا في ظل "السرية" التي تشتهر بها صناعة الأسهم الخاصة، ما سمح لشركات الأسهم الخاصة "الأربع الكبار" بتحقيق أرباح "قياسية" في عام 2021، وفق شركة "بيتشبوك" (Pitchbook)، التي تقدم البيانات والأبحاث والتكنولوجيا التي تغطي أسواق رأس المال الخاص، بما في ذلك رأس المال الاستثماري والأسهم الخاصة وعمليات الدمج والاستحواذ، ويقع مقرها في مدينة "سياتل" الأمريكية، ولها مكاتب إقليمية في لندن وسان فرانسيسكو ونيويورك ومومباي وهونج كونج.

يستعرض الكتاب السر وراء الأرباح الفلكية التي حققتها شركات الأسهم الخاصة من حيث الناحية الأخلاقية، موضحًا أن "الأرباح الفلكية التي تحققها شركات الأسهم الخاصة تتم عن طريق شراء شركات مزدهرة وخفض تكاليف تشغيلها، ويكون ذلك في الغالب على حساب رعاية المرضى".

بعد ذلك، تتم إعادة بيع هذه الشركات في وقت قصير، وتمثل الرسوم الباهظة المفروضة على الشركات المستحوذة نفسها جزءًا كبيرًا من أرباح شركات الأسهم الخاصة، وتعتمد تلك الشركات على تكديس الديون الضخمة على أهدافها الاستثمارية ومطالبتهم بسدادها.

تصف مؤلفة الكتاب تلك الوسيلة بـ"السحر المالي"، مضيفةً: جنبًا إلى جنب مع الرسوم المتنوعة والأرباح المفروضة على شركات المحفظة، أنتجت الأسهم الخاصة أكثر مشروعات وول ستريت ربحًا في الولايات المتحدة، وفي العالم، والتي يتم دعمها في الغالب من خلال أصول معاشات التقاعد العامة.

ووفق الكتاب، تمثل صناديق التقاعد العامة -أو الاستثمارات التي تتم بأموال يساهم بها الأفراد وحكومات الولايات والحكومات المحلية لتوفير صناديق التقاعد لموظفي القطاع العام- الجزء المهيمن من حقوق الملكية لعمليات شراء الأسهم الخاصة، وتميل صناديق المعاشات التقاعدية هذه إلى تجاهُل الحقيقة المزعجة المتمثلة في أن أموالها قد تقوض نظام الرعاية الصحية ذاته الذي يعتمد عليه العاملون والمتقاعدون، وتمثل العديد من التخصصات الطبية عاملَ جذب للأسهم الخاصة من أجل ضمان التدفق الثابت للإيرادات، ومن بين التخصصات الطبية التي تحظى باهتمام متزايد تخصصات الأمراض الجلدية وطب العيون وجراحة العظام وأمراض الجهاز الهضمي والمسالك البولية ومرافق غسيل الكلى وعيادات الخصوبة ومراكز الرعاية العاجلة والاستعانة بمصادر خارجية للطاقم الطبي.