يُعدُّ مركز "تمي الأمديد" بمحافظة الدقهلية في دلتا مصر، والذي يبعد عن العاصمة القاهرة بحوالي 110 كيلومترات، شاهد عيان على محاولات حكومية مصرية "لم تكتمل" للاستفادة من قش الأرز في إنتاج "البيوجاز"؛ إذ أنشأت مصنعًا لإنتاجه بكفر الأمير التابع للمركز، لكنها سرعان ما أغلقته ليتحول حلم أهالي القرية بالحصول على فرص عمل واستهلاك مجاني يومي للغاز إلى كابوس، وفق ما يقوله محمد عوض -أحد فلاحي القرية- لـ"للعلم".

يضيف عوض قائلًا: "تفاءلنا خيرًا بإقامة المصنع، خَاصَّةً أنه كان سيخلصنا من قش الأرز الذي يُعَدُّ همًّا كبيرًا، ولم يكن أمامنا سوى التخلص منه حرقًا في ظل عدم توافر مكابس أو "أجران" كي نشوِّنه فيها، وبالتالي كنا مهددين دائمًا بعقوبات تبدأ بغرامات مالية وتنتهي بالسجن، لكن للأسف توقف المشروع دون أن يخبرنا المسؤولون عن سبب توقفه".

انسدادات متكررة بسبب الشوائب

وتقول آمال عبد الحميد -ربة منزل- لـ"للعلم": "إن أهالي القرية فرحوا جدًّا بالمشروع، وقمنا بتوصيل الغاز الذي تم إنتاجه من قش الأرز إلى بيوتنا، وكان الأمر أكثر من رائع في البداية، لكننا فوجئنا بعد فترة بكثرة توقُّف ضخ الغاز من حينٍ لآخر، وحدوث انسدادات متكررة في التوصيلات بسبب الشوائب، وظهور روائح نفاذة تؤثر على أعيننا وصدورنا وتظهر في الأطعمة التي نطهوها، فضلًا عن أن ضخ الغاز كان ضعيفًا لدرجة أن إعداد كوب من الشاي كان يستغرق أكثر من ساعة، فما بالنا بالطبخ، وفوجئنا بعد ذلك بغلق المصنع تَمامًا، وعلمنا من العمال أن المعدات المستخدمة في المشروع لم تكن على ما يرام".

فريق صيني

يحكي محمد محمود -أحد العمال- تفاصيل غلق المصنع، في تصريحات لـ"للعلم"، قائلًا: بعد مدة قصيرة من بدء المشروع، لاحظنا تعرُّض الماكينات لأعطال كثيرة، وكانت الأعطال تستمر عدة أشهر لعدم وجود قطع غيار، ومنها ماكينة تقطيع القش التي كانت معدومة الكفاءة، وكذلك فرن المصنع لأنه كان مصنوعًا من (الصاج) العادي غير المقاوِم للحرارة والمجهَّز بنظام التبريد بالمياه، مما يجعله عرضةً للتآكل والصدأ، كما أن عملية فلترة الغاز كانت غير متوافرة، ما تسبب في انسداد المحابس، وقدمنا شكاوى كثيرة إلى وزارة البيئة، التي انتدبت فريقًا من الصين لفحصها، وانتهى الصينيون إلى أن العيب يرجع إلى طريقة تعامُل المصريين مع تلك الماكينات، وانتهى الأمر عند ذلك الحد، فبدلًا من إصلاح الماكينات أو تعديل طريقة عملها، أو تدريب العمالة على التعامل مع الماكينات، تم غلق المصنع".

صراع على قطعة أرض

من جهته، يقول فايز شلتوت -سكرتير عام محافظة الدقهلية- لـ"للعلم": "إن فكرة الاستفادة بقش الأرز في المحافظة بدأت بمقترح تقدمت به وزارة البيئة إلى المحافظة؛ للاستفادة من قش الأرز في إطار محاربتها للسحابة السوداء، ولاستخدامه في تخليق الغاز وتوصيله للمنازل على نطاق المحافظة بشرط توفير المساحة المطلوبة لإقامة المصنع، وبالفعل خصصت المحافظة مساحة فدانين بقرية كفر الأمير بمركز تمي الأمديد، وتم تشغيل المصنع تجريبيًّا في عام 2004 بتكلفة بلغت 2.3 مليون جنيه تحملتها وزارة البيئة، ولكننا فوجئنا بتوقُّف المصنع عن العمل في 2006، دون أي تعليق من وزارة البيئة حول قرار التعليق".

ويضيف أنه "تم عقد اجتماع في 17/7/2016 بين مندوبين عن وزارة البيئة والمحافظة لبحث تشغيل المصنع أو استرداد الأرض، وانتهينا إلى إصدار القرار رقم 2860 لسنة 2016، الذي تضمَّن تشكيل لجنة من كلية الهندسة برئاسة محمد غصوب سعفان، وبالفعل عاينت اللجنة الأمر على الطبيعة بتاريخ 8/2/2017، وأفادت بوجود ثقب وتآكُل داخل الخزان الداخلي للغاز، وأن بعض مكوناته تالفة وتحتاج إلى تغيير، وأن الفلاتر الموجودة فيه لا تقوم بعمليات التنقية، كما أجرت اللجنة مقابلات مع بعض أصحاب المنازل المستفيدة من الغاز، الذين أفادوا بأن الغاز كانت تصدر عنه روائح كريهة، وأن تلك الروائح كانت تترك أثرها على الطعام في أثناء الطهي، كما أن عملية الطهي كانت تستغرق مدةً طويلةً جدًّا، وانتهت اللجنة إلى ضرورة إجراء صيانة شاملة لإصلاح الماكينات التالفة أو تغييرها، ومراعاة جودة الغاز الناتج والتأكد من خلوه من الروائح، وتزويد الوحدة بوسائل الأمان التي لم تكن موجودة أصلًا في أثناء تنفيذ المشروع، ومع ذلك لم ترد الوزارة منذ مخاطبتنا لها في 14/2/2017، وحتى الآن لم يتم إعادة تشغيل المصنع، ولا تفكيك آلاته ونقلها إلى خارج الموقع حتى تسترد المحافظة الأرض التي أُقيم عليها المصنع".