ما يقرب من 30 مليون شخص في الولايات المتحدة وحدها يعانون من اضطرابات الكبد، حوالي 40 ألفًا منهم في طريقهم إلى المرحلة المتأخرة من أمراض الكبد، تلك المسؤولة عن أكثر من 30 ألف حالة وفاة سنويًّا. ووفقًا لأحدث الإحصائيات الأمريكية، يوجد أكثر من 112 ألف شخص على قائمة انتظار المتبرعين بالأعضاء حتى مارس 2020، أكثر من 10% من المُنتظرين بحاجة إلى كبد جديد، ويضاف شخص جديد إلى تلك القائمة كل عشر دقائق.

في الوقت الحالي، لا حل للحالات المتأخرة من مرض الفشل الكبدي سوى عمليات نقل الأعضاء. وإلى جانب صعوبة إيجاد متبرعين فإن تلك العمليات عالية التكلفة، وتتطلب أن يخضع المريض لأدوية كبت المناعة طوال حياته؛ حتى لا يهاجم الجسم الكبد الغريب، مما يضعه أمام مخاطر أخرى بسبب تعطُّل الخط الدفاعي للجسم. لذلك فإن العلماء في سعي دؤوب لإيجاد حلول من أجل مستقبل خالٍ من عمليات نقل الأعضاء.

في دراسة حديثة نشرتها دورية "سيل ريبورتس"، تمكَّن باحثون من إنماء خلايا كبدية مختلفة في بيئة شبيهة بأعضاء الجسم، منتجين كبدًا بشريًّا مُصغَّرًا، وذلك من خلال العمل على تحسين تقنيات خاصة بزراعة الخلايا والأعضاء. ابتكر الباحثون الكبد المصغر عن طريق إعادة برمجة خلايا الجلد البشرية إلى خلايا جذعية، وإقناع تلك الخلايا الجذعية لتصبح أنواعًا مختلفةً من خلايا الكبد، ثم زرع تلك الخلايا الكبدية البشرية في أكباد خمسة فئران، جرت تربيتها لمقاومة رفض الأعضاء. وفق الدراسة، تحقق الباحثون من مدى نجاح الأعضاء المزروعة بعد أربعة أيام من عملية الزرع.

وتحتاج الأعضاء الاصطناعية إلى قالب أو هيكل لكي تنمو فيه، وقد يستخدم العلماء الطابعة ثلاثية الأبعاد لهذا الغرض، وقد يلجأون إلى استخدام كبد منزوع الخلايا من كائن آخر كالقوارض، فيما يُعرف بـ"السقالة الحيوية". يقول أليخاندرو سوتو جوتيريتز، قائد الفريق البحثي -أستاذ مساعد في علم الأمراض، وباحث الطب التجديدي في جامعة بيتسبرج- في حديثه مع مجلة "للعلم": "استخدمنا النسيج البيني الطبيعي للخلايا، والذي يحافظ على التواصل بين الخلايا، نزعنا خلايا الكبد واحتفظنا بالمادة البينية للخلايا؛ من أجل استخدامها كهيكل أساسي للعضو الجديد".

وتوظف سقالات الأنسجة لهندسة وإنماء الخلايا وتكوين النسج البديلة باستخدام مغذيات حيوية مناسبة لتقوم بوظيفة النسيج المهندَس حيويًّا. يستطيع الجسم فيما بعد تكسير هذه السقالات إلى وحدات أصغر أو التخلص منها أو امتصاصها. ويُعد استخدام السقالات المناسبة مفتاحًا مهمًّا لتحقيق الوظائف الضرورية المطلوبة لاستبدال الكبد. في حين يعتقد محمد مصطفى علي -الباحث في قسم الكيمياء الحيوية الطبية وبيولوجيا الخلية بمعهد الطب الحيوي، جامعة جوتنبرج السويدية- أن علينا البحث عن وسائل أخرى لتصنيع قوالب الأعضاء، فاستعمال "السقالات الحيوية" قد يؤثر سلبًا على إمكانية التطبيق، إذ إن السقالات الحيوية يتم تشكيلها خارج جسم المريض بهدف تخليق الأنسجة البشرية البديلة ثم إعادة زرعها، وهو ما ينذر باحتمالات حدوث العدوى بالأمراض الفيروسية والبكتيرية. كما يعيبها أيضًا إطالة فترة التعافي، وقد لا تحقق -في أحيان كثيرة- الفوائد العلاجية المرجوة منها في عمليات زراعة الأنسجة والأعضاء. ويقترح استغلال التطور في تقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد، التي تُعد خيارًا آمنًا للطب التجديدي وتخليق الأعضاء.

خلايا جذعية مُتحولة

حوّل الباحثون من جامعة بيتسبرج الأمريكية خلايا الجلد -التي حصلوا عليها من مُتبرعين- إلى خلايا جذعية تسمى الخلايا الجذعيّة المستحَثَّة متعدّدة القدرات، ومن اسمها يمكننا أن نستدل على أن لديها قدرةً عاليةً على التحوُّل إلى أي نوع من الخلايا. عمل الباحثون على إنمائها في وجود مواد غذائية تعمل على تحفيز نمو ونضج الخلايا الكبدية بعد ولادتها، كذلك استخدم العلماء عوامل مختلفة تساعد على نمو الخلايا وتمايُزها إلى خلايا كبدية، وخلايا أخرى مختلفة مثل تلك التي تنتج العصارة الصفراوية، كما أنتج الباحثون نظامًا صغيرًا من الأوعية الدموية، يُعَد ضروريًّا لتغذية الخلايا واتصالها بباقي الجسم بشكل عام. يتوقع الباحثون أن تحل الأعضاء الاصطناعية الحيوية مشكلة نقل الأعضاء وليس من الضروري أن يتم استبدال العضو بأكمله، إذ يُعَد هذا الكبد الاصطناعي الصغير حلًّا واعدًا في حالة الفشل الكبدي، وقد يُستخدم باعتباره كبدًا مُساعدًا في مرحلة انتظار المتبرعين.

لم تكن تلك المحاولة هي الأولى لهذا الفريق البحثي لإعادة توطين خلايا كبد ناتجة عن خلايا جذعية متحولة باستخدام سقالة كبدية، ولكن هذه المرة كانت النتائج أفضل بكثير. تقول نجوى البدري، مدير مركز التميز لأبحاث الخلايا الجذعية والطب التجديدي بجامعة زويل، في حديثها مع "للعلم": "قدمت تلك الدراسة عضوًا اصطناعيًّا حيويًّا أكثر تعقيدًا وأقرب إلى الكبد البشري، والجديد هو تضمين نظام الأوعية الدموية مع خلايا القنوات الصفراوية إلى جانب خلايا الكبد"، مضيفةً أن العضو المنتج أظهر تحسُّنًا إيجابيًّا في العديد من الوظائف الكبدية، ويتضمن ذلك عمليات التعبير الجيني وإنتاج الإنزيمات والبروتينات الكبدية".

وكانت التجارب قد حققت تغطية الأوعية الدموية الكبدية بنسبة 75٪ وتغطية القناة الصفراوية بنسبة 66٪ من تلك التي لوحظت في الكبد الطبيعي. واستمر الكبد الاصطناعي يعمل محتفظًا بخواصه الهيكلية والوظيفية حتى بعد خمسة أيام من زراعته في فئران سبق أن كُبِحَ جهازها المناعي كي لا يهاجم الكبد الغريب، ووجد الباحثون بروتينات من تصنيع الكبد في دم الفئران عند تشريحها.

كانت التطبيقات العلاجية للخلايا الجذعية محدودة، حتى تمكَّن العالم الياباني، شينيا ياماناكا، من اكتشاف أحدث طفرة في عالم زراعة الخلايا والأعضاء واستحق عليه جائزة نوبل في الطب عام 2012؛ إذ توصل وفريقه البحثي إلى تقنية جديدة يمكن من خلالها تحويل الخلايا المتخصصة إلى ما يُعرف بـ"الخلايا الجذعيّة المستحَثَّة متعدّدة القدرات"، أعاد "ياماناكا" برمجة المادة الوراثية الموجودة في خلية عادية من الجلد عن طريق تنشيط 4 جينات جديدة تحث الخلية على الرجوع إلى صورتها الخام، ثم تمكَّن من تحويل الخلية الجذعية المُستحثة الناتجة إلى مُختلف أنواع الخلايا المتخصصة.

العلاج المُنتظر

ألهم اكتشاف "ياماناكا" العديد من العلماء لإجراء أبحاث عديدة من أجل حل مشكلات طبية مختلفة باستخدام تلك التقنية، ومن بينهم سوتو جوتيريتز وزملاؤه، إذ استخدموا الجينات الأربعة نفسها لبرمجة وتهيئة خلايا الجلد لإنتاج هذا الكبد "المصمم تحت الطلب" فقط في أقل من شهر، في حين يحتاج الكبد الطبيعي إلى ما يصل إلى عامين حتى ينضج.

يُعرف توليد الخلايا السليمة لتحل محل الخلايا المريضة باستخدام الخلايا الجذعية باسم "الطب التجديدي"، وقد يُحدِث مع تطوره تغييرًا جذريًّا في أساليب علاج الأمراض، ويعمل الباحثون من خلاله على إيجاد آلية تمكِّنهم من استخدام الخلايا الجذعية بديلًا للخلايا المعطوبة، وكذلك لإصلاح أو تجديد خلايا القلب والدم والأعصاب وأجزاء أخرى من الجسم. ومنذ أن أدرك العلماء القدرات الخارقة للخلايا الجذعية على تكوين الأنسجة والأعضاء الكاملة، راودتهم الأحلام لجعل هذه التقنية بديلًا لزراعة الأعضاء، أو حتى تعويض الأعضاء المفقودة أو المبتورة.

تقول "البدري": "تُعد الأعضاء الاصطناعية المُصغرة مفيدة جدًّا في عمل نماذج لدراسة الأمراض داخل المعمل، وكذلك في اختبارات الأدوية الجديدة، ويمكن أن تكون هذه التقنية مفيدةً في استبدال الأنسجة أو العمل كأعضاء مُساعدة، ولكن من المبكر أن نتوقع استبدالها لعمليات نقل الأعضاء قريبًا، ويجب أن تُجرى الدراسات السريرية للتأكد من سلامة الأعضاء الاصطناعية على المدى البعيد".

وأشارت "البدري" إلى وجود العديد من المشكلات المرتبطة باستخدام الخلايا الجذعية المُستحثة من خلايا عادية لإنتاج خلايا متخصصة، وذلك مقارنةً باستخدام الخلايا الجذعية الجنينية، من ضمنها حدوث الطفرات وفقدان الخصائص الوظيفية، كما أضافت: "لم يكتمل نضج الكبد في هذه الدراسة، نستدل على ذلك من خلال عدم حدوث التعبير الوراثي للجين Cx-32، كما أن الدراسة كانت قصيرة الأمد، ولم توضح قدرة الكبد على أداء وظائفه لمدة طويلة".

يُعد الجين Cx-32 مسؤولًا عن إنتاج أحد البروتينات الضرورية لنقل الإشارات عبر الغشاء الحيوي في الكبد والجهاز العصبي. وقد استخدمه باحثو الدراسة في الحث على تمايُز الخلايا الجذعية متعددة القدرات تجاه خلايا الكبد.

يستكمل محمد مصطفى علي، في تصريحاته: "إن نقطة الضعف الرئيسية في الدراسة هي إصابة الفئران بضعف تدفق الدم، كما أن الموت المبكر للفئران يشير إلى بعض العوامل التي قد تُسهم في الإصابة بتجلط الدم وإقفار الأمعاء -حالة تنتج عن انسداد وعاء دموي في الأمعاء الدقيقة- بعد عمليات نقل الأعضاء.

وبينما وصف العلماء العضو الذي أنتجوه بالكبد المصغر، تعتقد "البدري" أنه من الأدق أن يطلق عليه وصف "نسيج كبدي بشري مصغر"، في حين تختلف معها هالة جبر-أستاذ الباثولوجيا الإكلينيكية بكلية الطب جامعة القاهرة، وسكرتير الجمعية المصرية للخلايا جذعية المنشأ- التي وصفت الدراسة بأنها ”تُحفة فنية“، إذ تقول: "إنه كبد صغير بالفعل، ويمكن استخدامه لاختبار الأدوية ولعلاج نقص الإنزيمات والبروتينات الوراثي"، ولكن "جبر" تضيف أنه: "لكي تصبح تلك التقنية بديلًا لنقل الأعضاء، يجب أن يكون الكبد كبير الحجم"، وتعتقد أن التحدي الرئيسي سيكون في كيفية تطوير نظام الأوعية الدموية ليتناسب مع كبد كبير لإنسان بالغ.

وعن خطواتهم القادمة يقول سوتو جوتيريتز: "نعمل على تطوير كبد يعمل كمانح عالمي، بمعنى أن تتقبله أجسام جميع الأشخاص دون أي مشكلات مع الجهاز المناعي، كذلك نحاول تمديد مدة بقاء الفئران إلى أسابيع وشهور بدلًا من أيام قليلة، كما أننا بحاجة إلى التأكد تمامًا من معايير السلامة".