طوال العقود الماضية، هيمن "العلاج المناعي" على الدوائر البحثية المعنية بعلاج مرضى السرطان، بصورة كلَّلها تقاسُم العالِمَين الأمريكي "جيمس أليسون" والياباني "تاسكو هونجو" جائزة نوبل للطب والفسيولوجيا في عام 2018؛ لإسهامهما في مجال استخدام العلاج المناعي لعلاج السرطان.

يسمى "العلاج المناعي" أيضًا بـ"المعالجة البيولوجية"، وهو أحد الأساليب العلاجية التي تحفز جهاز المناعة لإنجاز وظائفه بشكلٍ أكثر فاعليّةً للقضاء على السرطان.

وقد نجح "العلاج المناعي" بالفعل في مساعدة ما بين 10% و30% من مرضى السرطان في البقاء على قيد الحياة على المدى الطويل، إلا أنه ما زال غير فعال للنسبة الباقية من المرضى، ما دفع الباحثين لمواصلة جهودهم الرامية إلى تعزيز استخدام "مثبِّطات نقاط التفتيش المناعية"، التي توقظ الخلايا التائية لمهاجمة الورم الخبيث.

في هذا السياق، ربطت دراسة نشرتها دورية "نيتشر" Nature مؤخرًا بين التمثيل الغذائي للكوليسترول من جهة ومكافحة السرطان من جهة أخرى.

ما هو الكوليسترول؟

والكوليسترول هو "مادة شمعية توجد في الدم، ويحتاج إليها الجسم للعمل بصورة سليمة، ولكن ارتفاع معدلاتها يمكن أن يتسبَّب في زيادة خطر الإصابة بالنوبات القلبية، وقد تتكون بسببها ترسُّبات دُهنية في الأوعية الدموية، تؤدي بدورها إلى صعوبة تدفُّق الكمية الكافية من الدم عبر الشرايين. وقد تنفجر تلك الترسُّبات فجأةً لتُشكِّل جلطةً تسبب نوبةً قلبيةً أو سكتةً دماغية".

كما يستخدم الجسم الكوليسترول في تكوين الجدار الخلوي، وصناعة العديد من الهرمونات (مثل هرمونات الذكورة والأنوثة والكورتيزول)، وكذلك في إنتاج فيتامين "د" المسؤول عن تنظيم مستوى الكالسيوم في الجسم، وبالتالي الحفاظ على صحة الأسنان والعظام، وهي المهمات التي من شأنها أن تحظى بمهمة جديدة وفق ما انتهت إليه الدراسة الأخيرة التي أجراها فريقٌ بحثيٌّ مشترك من جامعات صينية وأمريكية.

إبطاء نمو الأورام

تُظهر الدراسة أن "تثبيط جين PCSK9، الذي يرتبط بعملية التمثيل الغذائي للكوليسترول، يسهم في تحسين استجابة الأورام السرطانية للعلاج المناعي، وأن تثبيط هذا الجين -أو حذفه- يمكن أن يبطئ/ أو يمنع نمو الأورام في الفئران من خلال تحسين وظيفة الخلايا التائية القاتلة التي تعمل على التخلص من الخلايا الغريبة داخل الجسم".

وظهر أن هذا التثبيط يزيد أيضًا من فاعلية أنواع العلاجات المناعية التي تستهدف بروتين موت الخلايا المبرمج1 1PD، وهو بروتين يوجد على سطح الخلايا التائية ويمنعها من قتل الخلايا السرطانية، وبالتالي تُستخدم بعض العلاجات المناعية لإغلاقه؛ من أجل السماح للخلايا المناعية بالتخلص من الخلايا السرطانية.

يقول تشوان يوان لي، أستاذ الأمراض الجلدية والصيدلة وبيولوجيا السرطان بالمركز الطبي لجامعة ديوك الأمريكية، والباحث الرئيسي في الدراسة: استخدمنا طريقتين لفهم دور جين وبروتين PCSK9 في تنظيم استجابة الأورام للعلاجات المناعية، استخدمنا في الأولى تقنية التحرير الجيني، كرسبر كاس-9، من أجل حذف جين PCSK9 من الخلايا السرطانية.

يضيف "لي" في تصريحات لـ"للعلم": وفي الطريقة الثانية استخدمنا أجسامًا مضادة للبروتين الناتج من هذا الجين، وهي أجسام توجد بالفعل في عقاري "إيفولوكوماب" و"أليروكوماب" اللذَين يُستخدمان لعلاج أمراض القلب والشرايين؛ إذ تعمل هذه الأجسام المضادة على تثبيط وظيفة PCSK9 في الفئران والبشر على حدٍّ سواء.

ويستكمل: النتائج التي توصلنا إليها تشير إلى أن تثبيط PCSK9 بأيٍّ من الطريقتين أدى إلى تحسين الفاعلية الدوائية لمضادات بروتين موت الخلايا المبرمج1، الذي يُعَدُّ واحدًا من عائلة العلاجات المناعية المعروفة باسم مثبطات نقاط التفتيش.

لعبة القط والفأر

تعلق إيمان قنديل -الأستاذ المساعد بوحدة زرع النخاع بالمعهد القومي للأورام بجامعة القاهرة، وغير المشاركة في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم" بأن "خلايا السرطان تعمل دائمًا على خداع مناعة الجسم بطرق مختلفة من أجل البقاء والانتشار، ويمكننا القول إن العلاجات المناعية تمثل نوعًا من إعادة تأهيل الجسم لمواجهة السرطان والتغلب على صور الخداع المختلفة؛ من أجل أداء مناعي طبيعي أو شبه طبيعي".

وتمثل مثبِّطات نقاط التفتيش محاولةً للتغلُّب على لعبة القط والفأر المستمرة بين خلايا السرطان وجهاز المناعة، ويُعتبر التمييز بين ما ينتمي إلى الجسم والأجسام الغريبة أو الدخيلة عليه إحدى الوظائف الأساسية لجهاز المناعة، الذي يستخدم مجموعةً من نقاط التفتيش تتمثل في جزيئات توجد على سطح بعض الخلايا المناعية، تمنع تنشيط هذه الخلايا في مواجهة خلايا الجسم.

لكن خلايا السرطان تستغل هذه النقاط بطريقة أو بأخرى لتمنع الخلايا المناعية من مهاجمتها. وتعمل الأدوية المعروفة باسم "مثبطات نقاط التفتيش" على منع هذه المكابح؛ لتُخلي بينها وبين الخلايا السرطانية كي تعمل بكامل قوتها من أجل التخلص منها.

استجابة الخلايا المناعية

يقول "لي": أظهرت نتائجنا أيضًا أن تثبيط PCSK9 يحسِّن أداء مثبِّطات نقاط التفتيش عن طريق زيادة عدد جزيئات معقد التوافق النسيجي الكبير1 MHC class1، التي تعمل على زيادة قدرة الخلايا المناعية في التعرف على خلايا الأورام؛ إذ ترتبط هذه الجزيئات بأجزاء صغيرة من البروتينات الموجودة داخل الخلايا السرطانية، وتقدمها على السطح للخلايا المناعية لتتعرف عليها وتهاجمها.

ويضيف: يؤدي تثبيط PCSK9 إلى منع تكسير جزيئات معقد التوافق النسيجي الكبير1 داخل الخلية، وبالتالي زيادة حضورها على سطح الخلية، وهو ما يحسِّن قدرتها على تقديم أجزاء الخلايا السرطانية للخلايا التائية القاتلة.

وبالرغم من أهمية تلك الدراسة، إلا أنها ليست الأولى من نوعها التي تربط بين تنظيم الكوليسترول والمناعة المرتبطة بالسرطان؛ إذ أوضحت دراسة سابقة نشرتها دورية "نيتشر" في عام 2016 أن استجابة الخلايا المناعية القاتلة المعروفة باسم CD8 للسرطان يمكن تقويتها من خلال إحداث تعديلات في التمثيل الغذائي للكوليسترول داخل هذه الخلايا، وهو الأمر الذي تم في الدراسة من خلال تثبيط إنزيم يسمى ACAT1، يقوم بإضافة مجموعة كيميائية تسمى بمجموعة الإستر إلى الكوليسترول.

وأدى هذا التثبيط إلى زيادة وجود الكوليسترول في الجدار الخلوي للخلايا التائية من النوع CD8، ما ساعد على تحسين التواصل الخلوي لهذه الخلايا مع الخلايا المناعية الأخرى، وأدى إلى منع نمو ورم الميلانوما وانتشاره لدى الفئران.

واستخدم الباحثون أيضًا مركب "أفاسيميب" المثبط لإنزيم ACAT1 في علاج الميلانوما، وتبيَّن أن له تأثيراتٍ مضادةً لنمو الأورام. وبعدها استخدم الباحثون المركب نفسه الذي جرى استخدامه من قبل لعلاج تصلب الشرايين في التجارب السريرية مع المركبات التي تستهدف بروتين موت الخلايا المبرمج1، وأظهرت النتائج أن هذا المزيج يؤدي إلى نتائج أفضل من استخدام أحدهما فقط.

نوعان من العلاجات

يقول محمد العرابي، مدرس طب الأورام بكلية الطب بجامعة عين شمس: "إن هناك نوعين رئيسيين من العلاجات المناعية التي أثبتت نجاحًا واضحًا في علاج الأورام السرطانية. الأول هو مثبطات نقاط التفتيش، والثاني هو المستقبلات الخيمرية للخلايا التائية (CAR)، وهو نوع من العلاج معروف أيضًا بعلاج الخلايا التائية المناعي، ويعتمد على إحداث تعديل جيني في الخلايا التائية؛ بهدف تنشيط الجهاز المناعي للتعرف على سرطانات معينة وتدميرها.

يضيف "العرابي" في تصريحات لـ"للعلم": لكن بعض المرضى لا يستجيبون بشكلٍ كافٍ لهذا النوع من العلاج، وهو ما يُعرف بمقاومة العلاج المناعي. وهذه المقاومة قد تكون أولية (إذ لا يستجيب الورم للعلاج منذ البداية)، أو مكتسبة (إذ يستجيب الورم في البداية لكنه يتطور أو يعود للظهور مرةً أخرى بعد فترة من العلاج). وهذا البحث يطرح لنا رؤيةً جديدةً لمعرفة وظيفة الكوليسترول والجينات المرتبطة به في الجسم، وهي الوظيفة المتعلقة بمقاومة العلاج المناعي للسرطان.

يعمل البروتين الناتج من جين PCSK9 على تقليل عدد مستقبلات البروتين الدهني منخفض الكثافة LDL، خاصةً تلك الموجودة في الكبد. ويمثل هذا البروتين النوع الضار من الكوليسترول في الجسم، وكلما زاد عدد هذه المستقبلات أمكن نقل هذا البروتين الدهني منخفض الكثافة من الدم إلى الكبد بشكل أسرع، والعكس صحيح.

ونظرًا لقيامه بتكسير هذه المستقبلات، يؤدي بروتين PCSK9 إلى ارتفاع مستوى الكوليسترول الضار في الدم، وبالتالي إلى حدوث المشكلات المرتبطة بارتفاع مستوى الكوليسترول في الدم.

لذا، عمل العلماء على تكوين أجسام مضادة لهذا البروتين؛ من أجل علاج ارتفاع مستوى الدهون في الجسم، وفق دراسة نشرتها مجلة "نيو إنجلاند جورنال أوف ميديسن" في عام 2014؛ إذ ذكر الباحثون أن استخدام دواء "إيفولوكوماب" -وحده أو بالتزامن مع تنظيم الغذاء أو مع تناول أدوية تنظيم الكوليسترول الأخرى- لمدة 52 أسبوعًا أدى إلى انخفاض واضح في مستويات البروتين الدهني منخفض الكثافة LDL وكذلك الدهون الثلاثية لدى عدد من المرضى.

ارتفاع التكلفة

يقول العرابي: هناك العديد من المشكلات التي تتعلق باستخدام العلاجات الموجهة والمناعية، خاصةً في الدول النامية مثل مصر، وأولى هذه المشكلات هي التكلفة الكبيرة لهذه العلاجات، موضحًا أن بعض هذه العلاجات يتم توفيرها من خلال المؤسسات الصحية الرسمية والخيرية، لكن هذا يتم على نطاق محدود ولأنواع محددة. وهناك مشكلة أخرى تتعلق بفاعلية هذه العلاجات، إذ قد لا يصنع بعضها فارقًا كبيرًا في مدة بقاء المرضى على قيد الحياة.

تقول قنديل: البحث الجديد قد يقدم حلًّا لواحدة من المشكلات المتعلقة بالعلاج المناعي للسرطان. لكننا ما زلنا بحاجة إلى دراسة تأثير استخدام مثبطات PCSK9 مع العلاج المناعي على البشر، وهو ما قد يُظهر أيضًا بعض الأعراض أو التأثيرات الجانبية لهذا المزيج.

من جهته، يعقب "لي": حتى الآن لا أعتقد أن هناك أي تجارب سريرية بدأت لاستخدام هذا المزيج على البشر، مشددًا على أن زملاءه في المركز الطبي بجامعة "ديوك" يخططون لبدء تجربة من هذا النوع في القريب العاجل.