لسنوات طويلة، اعتمد الباحثون على رصد مواضع تكتُّل بروتين "الأميلويد" باعتباره أساسًا للأبحاث المتعلقة بمرض ألزهايمر وعمليات تطوير العقاقير الخاصة به.

لكن دراسة أجراها باحثون في "مركز الذاكرة والشيخوخة" بجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو وجدت أن التركيز على تتبُّع بروتين "الأميلويد" (الذي تتكون كتل مجمعة منه، تتركز على نطاق واسع في جميع أنحاء الدماغ) ليس مفيدًا -إلا بنسبة ضئيلة- في التنبؤ بمدى تطوُّر المرض مع تقدم العمر وحجم التلف الذي يُحدثه المرض في أثناء تطوره.

ووفق الدراسة، التي نشرتها دورية "ساينس ترانسليشونال ميديسين" (Science Translational Medicine)، وجد الباحثون (في المقابل) أن تتبُّع بروتين "تاو" يمكِّن من التنبؤ بموضع حدوث أي ضمور بالمخ قبل عام أو أكثر من الإصابة بمرض ألزهايمر.

تكشف الدراسة قدرة تكنولوجيا "التصوير المقطعي بإصدار البوزيترون" -والمعروف باسم (PET)- على تعجيل التجارب السريرية الخاصة بمرضى ألزهايمر، مشددةً على أن "استخدام هذه التكنولوجيا في تتبُّع بروتين "تاو" يعمل على تحسين الرعاية الصحية المحددة لكل مريض من خلال الاستفادة بـ"الطب الدقيق"، الذي تقوم فكرته على أساس وصف العلاج لكل مريض على حِدَةٍ وفق حالته الصحية وتركيبته الجينية".

والتصوير المقطعي بإصدار البوزيترون هو نوع من أنواع التصوير في الطب النووي. وتُستخدم فيه كميات صغيرة من المواد المشعة -وتُدعى بالدلائل المشعة- وكاميرا خاصة، وجهاز كمبيوتر للمساعدة في تقييم خاصية وظائف الأعضاء والأنسجة. وعن طريق تحديد التغييرات على مستوى الجسم الخلوي، يمكنه الكشف عن الإصابة المبكرة للمرض قبل أن يكون واضحًا في اختبارات التصوير الأخرى، ويعتمد على مسح وظائف الجسم المهمة، مثل تدفق الدم، واستخدام الأوكسجين، والتمثيل الغذائي للسكر (الجلوكوز)؛ ليساعد الأطباء على تقييم كيفية عمل أعضاء الجسم والأنسجة.

يقول "جيل رابينوفيتشي" -أستاذ الأعصاب بمركز الذاكرة والشيخوخة بجامعة كاليفورنيا، والباحث الرئيسي في الدراسة- وفق البيان الصحفي المُصاحب للدراسة: التوافق بين انتشار بروتين "تاو" وما يحدث فى المخ خلال السنة التالية يُعَد أمرًا مذهلًا. فهذه الأشعة المقطعية لا تتنبأ فقط بحجم الضمور المتوقع، بل أيضًا بمكان حدوثه. وقد ثبت أن هذه التنبؤات أقوى من أي أساليب تصوير أخرى، وأن "تاو" يُعَدُّ مسببًا رئيسيًّا للمرض. ويعتبر هذا البروتين مسؤولًا عن ثبات الهيكل الداخلي للخلايا العصبية في المخ، فإذا تعرَّض "تاو" للتشابك، انهار هذا الهيكل.

من جهته، يوضح "رينو لاجوا" -باحث ما بعد الدكتوراة في معمل "رابينوفيتشي" للتصوير الجزيئي الحي للأعصاب- في تصريحات لـ"للعلم" أنه "تَبيَّن من تشريح مرضى ألزهايمر أن بروتين "تاو" يتركز تحديدًا حيث يكون ضمور المخ شديدًا، وذلك على النقيض من بروتين الأميلويد، الذي قد يتراكم في جميع أنحاء الدماغ حتى بالنسبة للأشخاص الذين لا تظهر عليهم أعراض الإصابة بمرض ألزهايمر".

يضيف "لاجوا" أنه بفحص أنسجة مخ المتوفى، يصعب تحديد ما إذا كانت تشابكات بروتين "تاو" تسبب ضمور المخ أم العكس هو الصحيح. وأحد أهدافنا الرئيسية  كان تطوير آلية غير جراحية لتصوير المخ، تتيح لنا رؤية ما إذا كان موضع تراكُم "تاو" في بداية المرض يتنبأ بتدهوُر حالة المخ مستقبلًا".

يأتي هذا في الوقت الذي نجح فيه العلماء مؤخرًا في إنتاج جزيء قابل للحقن يُسمى "فلورتوسيبير" (Flortaucipir)، يجري تقييمه حاليًّا من قِبَل "إدارة الغذاء والدواء الأمريكية"؛ إذ يرتبط هذا الجزيء ببروتين "تاو" المتشابك في المخ، ويبث وميضًا مشعًّا بسيطًا يمكن لأشعة (PET) التقاطه.

وكان "رابينوفيتشي" و"ويليام جاجوست" -الباحث في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، والمشارك في الدراسة الحديثة- أول مَن استخدم هذه الأشعة لدراسة توزيع تشابكات "تاو" في المخ الطبيعي لكبار السن، وتمثل دراستهما الجديدة أول محاولة لاختبار ما إذا كانت معدلات "تاو" لدى مرضى ألزهايمر يمكنها التنبؤ بحدوث ضمور المخ في المستقبل.

وأظهرت الدراسة أن تراكُم "تاو" كان مؤشرًا على حدوث ضمور في الأماكن نفسها بنسبة دقة تزيد على 40%، في حين تنبأ رصد تراكُم بروتين الأميلويد بحدوث ضمور مستقبلي بنسبة 3% فقط.

يضيف "لاجوا" "أن رصد تراكمات بروتين "تاو" باستخدام التصوير المقطعي بإصدار البوزيترون لا يزال حتى الآن أداةً بحثية ولم يُستخدم إكلينيكيًّا بعد، ويحتاج الأطباء والباحثون لجمع مزيد من المعلومات عن قيمته. ولكن ثبت علميًّا في الدراسة الحالية أن استخدام جزيء "فلورتاوسيبير" يمكنه التفرقة بين ألزهايمر والأمراض العصبية التنكسية الأخرى"، مشيرًا إلى أن "أعراضًا مثل فقدان الذاكرة ونقص القدرات المعرفية ليست بالضرورة مؤشرًا للإصابة بمرض ألزهايمر، ولكن بسبب عوامل أخرى".

وتمثل نتائج الدراسة أملًا في أن العقاقير التي تستهدف بروتين "تاو"، والتي يجري تطويرها حاليًّا فى مركز الذاكرة والشيخوخة بجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو وفي أماكن أخرى، ستكون مفيدةً طبيًّا للمرضى من خلال وقف نشاط هذا البروتين، وخاصةً في ظل الاستعانة بالتصوير المقطعي بإصدار البوزيترون، الذي يُعد من الأدوات الحيوية في الطب الدقيق فيما يتعلق بالتجارب السريرية في المستقبل، ما يتيح إمكانية اكتشاف مراحل ما قبل ظهور أعراض ألزهايمر، أي عندما يتطور المرض في المخ دون ظهور أعراض واضحة، أو في مراحله المبكرة جدًّا (تدهور ذهني بسيط)، وهذه الحالات يمكن أن تستفيد من العلاجات الجديدة عند طرحها في الأسواق، وفق "لاجوا".