كشفت دراسة أجراها فريق من الباحثين في موزمبيق أن مجتمعات الثدييات الكبيرة يمكنها استعادة عافيتها في مواجهة التدخلات البشرية التي تدفعها إلى حافة الانقراض، وفي مقدمتها الحروب الأهلية.

وتُعَد الدراسة، التي نشرتها دورية "بلوس وان" (PLOS ONE)، أول حساب كمي متعمق للانهيار الذي لحق بأعداد مجموعات متنوعة من الحيوانات العاشبة الكبيرة الناجم من جَرَّاء الحرب في موزمبيق والانتعاش الذي تلا هذا الصراع.

وأوضح الباحثون -الذين اتخذوا من حديقة "جورونجوسا الوطنية" في موزمبيق مركزًا لدراستهم- أن أعدادًا كبيرة من هذه الحيوانات يمكنها أن تتعافى إذا ما توافرت إدارة رشيدة للمناطق المحمية، وأن الوقت الذي تستغرقه عملية استعادة بنية هذه المجتمعات تختلف باختلاف أنواع الحيوانات.

يقول "مارك ستالمانس" -مدير الخدمات العلمية بحديقة جورونجوسا الوطنية- في تصريحات لـ"للعلم": "تساءلنا في دراستنا حول الكيفية التي تتجمع بها مجتمعات الثدييات الكبيرة بعد دفعها إلى حافة الانقراض، ولم تكن الإجابة عن هذا السؤال واضحة بالنسبة لنا؛ إذ كانت البيانات المتوافرة قليلة، ونادرًا ما يكون من الممكن توثيق تدهور مجموعات الأحياء البرية وتعافيها".

وللتوصل إلى هذه النتائج جمع الباحثون بيانات من 15 دراسة إحصائية لرصد أعداد الحيوانات البرية من تسعة أنواع من الحيوانات العاشبة الكبيرة، وهي دراسات أُجريت في الفترة ما بين 1968 وحتى 1972، وأخرى جرت في الفترة ما بين 1994 وحتى 2018.

وقارن الباحثون أعداد الحيوانات قبل وبعد الحرب الأهلية في موزمبيق، التي استمرت لمدة 15 عامًا (1977- 1992)، وما نجم عن هذه الحرب من تداعيات هائلة أثرت بالسلب على الحياة البرية.

يقول "ستالمانس": "أظهرت النتائج أن أعدادًا كبيرة من الحيوانات العاشبة -بصفة خاصة- قد انخفضت بنسبة بلغت أكثر من 90٪ خلال الحرب. لكن الكتلة الحيوية الكلية لهذه الحيوانات تعافت بشكل كبير منذ عام 1994 وزادت معظم مجموعات الحيوانات العاشبة بعد الحرب".

يضيف "ستالمانس" أن "الحيوانات العاشبة الكبيرة التي كانت مهيمنة في السابق -بما في ذلك الفيل، وفرس النهر، والجاموس، والحمار الوحشي، والحيوانات البرية- لم تعد تمثل أغلبية سكان المكان؛ إذ فاقتها في العدد الطيور المائية والظباء والحيوانات الأخرى صغيرة ومتوسطة الحجم، كما زادت أعداد الطيور المائية بشكل كبير لتبلغ في عام 2018 أكثر من 55 ألفًا، تمثل ما يزيد على 74٪ من الكتلة الحيوية للعاشبات الكبيرة".

وتراجعت الكتلة الحيوية بالنسبة لبعض الحيوانات مثل الفيل، وفرس النهر، والجاموس، من 89٪ قبل الحرب إلى 23٪ بعد انتهائها، مقابل زيادة كبيرة في أعداد الطيور المائية.

يوضح "ستالمانس" أن "هذه النتائج تعكس بشكل أساسي النمو الطبيعي للحياة البرية بعد استئناف مشروع حماية حديقة جورونجوسا الوطنية، الذي بدأته الحكومة الموزمبيقية في عام 2004 بهدف استعادة أنواع الحيوانات التي تناقصت أعدادها بشكل كبير من جَرَّاء الحرب الأهلية، وشملت عمليات إعادة الإنتاج 465 حيوانًا من 7 أنواع".

ويضيف أن "النتائج أظهرت إمكانية الانتعاش السريع للكتلة الحيوية الكبيرة للحيوانات العاشبة في مرحلة ما بعد الحرب، لكن مع الأخذ في الاعتبار ضرورة توافر الإدارة السليمة للمناطق المحمية، كما تشير النتائج أيضًا إلى أن استعادة بنية المجتمع ككل قد تستغرق وقتًا أطول، وقد تتطلب تدخلًا نشطًا من قِبَل المهتمين بالحياة البرية"، على حد وصفه.