اتفق أو اختلف مع مقولة الروائي المصري الراحل إحسان عبد القدوس بأن "الحب الأول وهم كبير"، لكن يبقى أنه يترك وراءه فراغًا ومشاعر عاطفية وذكريات تحتاج إلى أساليب علمية وإستراتيجيات نفسية محددة للتخلص من تداعيات فشله، وفق ما ذهبت إليه دراسة نشرتها دورية Journal of Experimental Psychology "جورنال أوف إكسبيرمينتال سيكولوجي".

تقول الدراسة إن البعض قد يظن أن الوقت وحده كفيل بالتغلب على المشاعر السلبية التي تحدث بعد أي انفصال عاطفي أو طلاق، وأن مَن ينخرطون في تلك التجربة لا يملكون الكثير ليفعلونه في مواجهة ما يشعرون به من حزن وألم وضياع، لكن العلم يرى أن القدرة على التعامل مع المشاعر العاطفية السلبية بعد الانفصال هي مهارة يمكن تعلُّمها، وأن هناك إستراتيجيات فعالة في مواجهة مشاعر الحب المتبقية لشركاء الحياة العاطفية والأزواج السابقين.

قامت الدراسة التي أجراها "ميشيل إيه سانشيز" و"ساندرا جي لانجسلاج"، من جامعة ميسوري بولاية سانت لويس الأمريكية، بتقييم ثلاث من إستراتيجيات التنظيم السلوكية أو المعرفية، التي عادةً ما يستخدمها البشر عقب المرور بتجربة الانفصال العاطفي أو انتهاء العلاقات الرومانسية أو الطلاق للتغلب على مشاعر الحب الباقية تجاه شريك سابق، والتحكم في الألم الناتج عن انتهاء تلك العلاقات.

أُولى تلك الإستراتيجيات تتمثل في "إعادة التقييم السلبي للشريك السابق" من خلال التركيز على الصفات السلبية له (عصبي/ عصبية للغاية، ذو مطالب لا تقف عند سقف محدد، وغيرها من الصفات السلبية الأخرى).

ووجدت الدراسة أن هذه الإستراتيجية تعمل بفاعلية على تقليل الحب والشعور بالتحسُّن بعد الانفصال في كثير من الأحيان، لكن تأثيرها يستمر على المدى القصير فقط، كما أنها تنطوي في الوقت ذاته على التفكير في الأفكار السلبية التي يمكن أن تجعل الفرد يشعر على المدى الطويل بأنه "أسوأ وغير سعيد" من جرّاء الانفصال.

وتمثلت الإستراتيجية الثانية في "إعادة تقييم مشاعر الحب بعد الانفصال"، وهي إستراتيجية تدرب الشخص على تقبُّل العواطف التي يثيرها الانفصال. ويمكن أن تشمل هذه الإستراتيجية السلوكية الاعتراف بأن "الكآبة التي تصيب الفرد في مرحلة ما بعد الانفصال هي جزء لا مفر منه من التجربة، كما يمكن أن تغني الفرد عن الاعتراف بأنه لا تزال لديه مشاعر تجاه شريكه السابق، وتساعده على قبول هذه المشاعر دون إصدار أحكام مسبقة على نفسه".

أما الإستراتيجية الثالثة فتتمثل في "الإلهاء"، وهي أبسط وأسهل طريقة للتعامل مع الانفصال بالنسبة لكثيرين، وتعتمد على تغلُّب الشخص على مشاعره بعد الانفصال من خلال الانخراط في بعض النشاطات التي تملأ وقته، مثل العمل بجدية أكبر ووقت أطول من المعتاد، أو بدء ممارسة هواية جديدة، أو مشاهدة أفلام قديمة؛ إذ يساعد "الإلهاء" على الحد من الإجهاد الفكري، على الأقل في المدى القصير.

وتُعد إستراتيجية "الإلهاء" أمرًا ناجحًا على المدى القصير فقط، كما أن بإمكانها المساعدة في السيطرة على الأحزان والصدمة والإحساس بمشاعر سلبية.

ولاختبار هذه الإستراتيجيات الثلاث، اختار الباحثون عينة بحث من 24 مشاركًا (20 امرأة وأربعة رجال)، تتراوح أعمارهم بين 20 و37 عامًا، عانوا جميعهم من حدوث انفصال حديث عن حبيب سابق في علاقة استمرت قرابة 30 شهرًا، وما زالوا يعانون اضطرابًا عاطفيًّا نتيجة هذا الانفصال.

التعامل مع الألم العاطفي

طُلِب من المشاركين الإجابة عن أسئلة تتعلق بكل واحدة من الإستراتيجيات الثلاث، ففي حالة "إعادة التقييم السلبي للشريك السابق"، جرى طرح أسئلة حول الصفات السلبية في شريكهم السابق، مثل: "ما هي العادة المزعجة الخاصة بشريكك السابق؟"، و"ما هو الشيء الذي لم يحترمه شريكك السابق في شخصيتك؟".

وفيما يتعلق بإستراتيجية "إعادة تقييم مشاعر الحب بعد الانفصال"، طُرحت على المشاركين عبارات تحفيزية للإجابة عنها، مثل "كثير من الناس لا يزالون يحبون شريك حياتهم العاطفية السابق"، "من المقبول أن تحب شخصًا لم تعد معه".

وفي حالة "الإلهاء" كانت الأسئلة بمعزل عن العلاقة السابقة وعن الشريك السابق، وتعلقت جميعها بالحياة اليومية والميول، مثل "ما هي أغنيتك المفضلة؟ ولماذا؟"، و"مَن هو أفضل صديق لك؟ ولماذا؟".

كما لجأ الباحثون إلى إنشاء حالة عُرِفَت بـ"حالة التحكم"، إذ طلبوا منهم عدم التفكير في أي شيء ذي صلة بهذ العلاقة. والتقطوا القياسات الوظيفية والكيميائية للنشاط الكهربائي للدماغ “EEG” خلال الفترة الأولية من مرحلة التحفيز، وكذلك عرضوا صورًا للمشاركين في العينة مع شركائهم السابقين لقياس مستوى الإثارة الذي يشعرون به عند رؤية أنفسهم جنبًا إلى جنب مع شركاء حياتهم العاطفية السابقين. وبعدها، طُلِب من جميع المشاركين الإجابة عن استبانات لقياس مدى احتمالية استخدامهم لكل إستراتيجية عند التعامل مع الألم العاطفي.

وجد الباحثون أن جميع الإستراتيجيات الثلاث ساعدت على التخلي عن الأحبة السابقين، ولكن ليس من دون وجود بعض العقبات. وأنها تعمل على مستوى ما، لكن لا ينبغي اعتبار أيٍّ منها حلًّا طويل الأجل للتغلب على هذا المثال.

وفيما يتعلق بتقييم الإستراتيجيات، بدا أن "إعادة التقييم السلبي للشريك السابق" مفيدة بشكل خاص في تقليل مشاعر الحب، على الرغم من أنها تميل أيضًا إلى جعل الناس يشعرون بأنهم في حالة أسوأ، على الأقل في المدى القصير. وبالرغم من هذا العيب، فقد ذكر المشاركون أنهم يستخدمون غالبًا تلك الإستراتيجية بعد الانفصال.

وشدد الباحثون على أن إستراتيجية "إعادة تقييم مشاعر الحب بعد الانفصال" لم تفشل في تغيير مشاعر الحب فحسب، بل ظل المشاركون متشككين في قدرتهم على التعامل مع الألم والمشاعر السلبية الناجمة عن الانفصال.

وفي حين ساعدت إستراتيجية "الإلهاء" المشاركين على التعامل مع الألم العاطفي، لم تفعل شيئًا يُذكر للحد من مشاعر الحب، والأهم من ذلك، أنها لم تكن فعالة على المدى الطويل؛ لأنها تتعامل أكثر مع تجنُّب المشاعر السلبية بدلًا من تعلُّم التغلب عليها.

وخلص الباحثون إلى أن "إعادة التقييم السلبي للشريك السابق" و"الإلهاء" هما الإستراتيجيتان الأكثر فاعليةً لاستعادة النفس بعد الانفصال.

وأوضحت الدراسة أن "إعادة التقييم السلبي للشريك السابق" تعمل بشكل أفضل على تقليل مشاعر الحب غير المرغوب فيها، وأن ذلك لا يساعد فقط على التعامُل الإيجابي مع الانفصال، بل يمكن أن تساعد تلك الإستراتيجية الأشخاص على مواجهة الميول العاطفية لخوض تجارب غير مرغوب فيها، مثل الانسحاب العاطفي (غياب التبادل العاطفي مع الآخرين وعدم القدرة على التواصل معهم)، أو الانجذاب لشخص متزوج أو مرتبط عاطفيًّا بشخص آخر.

وذكرت الدراسة أنه يمكن استخدام إستراتيجية "إعادة تقييم مشاعر الحب بعد الانفصال" لزيادة مشاعر الحب فيما يتعلق بالعلاقات التي قد يرغب الشخص في الحفاظ عليها مستقبلًا.

ارتباط سلبي

تقول الباحثة الرئيسية في الدراسة "ساندرا جي لانجسلاج" لـ"للعلم": "إن مشاعر الحب تجاه شريك سابق مرتبطة ارتباطًا سلبيًّا بالشفاء من الارتباط العاطفي السابق، لذا قد يكون من المفيد تقليل مشاعر الحب هذه. ويمكن التحكم في مشاعر الحب عن طريق استخدام الإستراتيجيات السلوكية أو المعرفية لتغيير شدة هذه المشاعر". وتوضح أن هذه الدراسة ارتكزت على ثلاث إستراتيجيات تنظيمية سلوكية معرفية لتحقيق هذا الهدف المنوط بها تقييمه؛ إذ خاض المشاركون المتأثرون سلبيًّا من انتهاء علاقة عاطفية أو رومانسية تجربةً تمثل كل واحدة من تلك الإستراتيجيات التنظيمية قبل أن يتم توجيههم إلى التفكير بشكل سلبي في الشريك السابق، وخلال ذلك جرى تتبُّع موجاتهم الدماغية ورصدها.

توضح "لانجسلاج" خطة البحث قائلةً: "جرى عرض 28 صورة للشريك السابق لكل مشارك من عينة البحث، ولم تكن هناك متطلبات أخرى باستثناء احتواء الصور على الشريك السابق، وأن تكون الصور غير حميمة (لأسباب أخلاقية). لذلك عُرضت الصور كأجزاء من جسد الشريك السابق (مثل عرض الوجه فقط) أو الجسم الكامل، واحتوت الصور على مجموعة متنوعة من تعابير الوجه والمناظر الطبيعية. وجرى استخدام هذه الصور لمحاكاة ما يمكن أن يذكِّر الشخص بالشريك السابق (مثل الصور المعروضة على الشبكات الاجتماعية)، بالإضافة إلى صور للقاءات حقيقية تجمع بينهما.

بعد ذلك، طُلِب من المشاركين الإجابة عن بعض الأسئلة العامة حول الشريك السابق والعلاقة السابقة؛ إذ عبَّر المشاركون عن مدى شعورهم بالحب في الوقت الحالي تجاه الشريك السابق من خلال اختيار إجابة واحدة من بين 9 إجابات بدأت بـ"ليس هناك حب على الإطلاق"، وانتهت بـ"حب كبير جدًّا". كما كشف المشاركون عن مدة العلاقة، وكذلك حالة الارتباط بالشريك السابق (متزوجون، مرتبطون، أو غير مرتبطين)، إضافة إلى تقييم جودة تلك العلاقة باختيار إجابة من بين 9 إجابات تراوحت بين (سيئة جدًّا، وجيدة جدًّا). كما عبر المشاركون عن مدى الانزعاج الذي يشعرون به حاليًّا بشأن انتهاء العلاقة باختيار إجابة من بين 9 إجابات تراوحت بين (لست منزعجًا على الإطلاق، منزعج جدًّا).

بعد ذلك، أجاب المشاركون عن استبانة تتعلق بالقدرة على التحكم في مشاعر الحب وتنظيمها ومدى القدرة على التحكم فيها بالزيادة والنقصان باختيار إجابة من بين 9 إجابات تراوحت بين (غير قادر تمامًا، وقادر تمامًا).

واقعية شديدة

من جهتها، تقول "نهلة أمين" -استشاري الطب النفسي- في تصريحات لـ"للعلم": "تتميز الدراسة بواقعيتها الشديدة وعدم الانجراف للتفكير بالتمني أو فرض إستراتيجيات افتراضية إيجابية غير واقعية على عينة الدراسة، كما نجحت الدراسة في اختبار الإستراتيجيات الثلاث والتوصل إلى نتائجها السلبية والإيجابية، وهو ما قد يفيد بشكل كبير المنخرطين في التجربة نفسها عندما يطلعون على تلك الدراسة في معرفة كل جوانب العمليات النفسية والسلوكية التي يمرون بها أو من المحتمل أن يمروا بها".

تضيف "أمين" أن الدراسة تنتمي إلى المدرسة السلوكية المعرفية في الطب النفسي وعلم النفس، وتعمل على مساعدة الناس على التخلُّص من إستراتيجياتهم غير الواعية في مواجهة الألم، وتحويل تلك الإستراتيجيات غير الواعية إلى سلوك معرفي مخطَّط له، مما يسهم في تسريع عملية استعادة الذات والقدرة على خوض تجربة عاطفية أكثر صحة.

وتشدد على أن عمليات تنظيم المشاعر عن طريق تغيير نمط التفكير السلوكي لا تسهم فقط في التغلُّب على آلام الانفصال، بل تُسهم أيضًا في مساعدة الشخص على خوض علاقات عاطفية جديدة أكثر توازنًا، وتسهم أيضًا في وصول الشخص إلى مرحلة أكثر نضجًا في التعامل العاطفي مع مختلِف التجارب والتحديات التي تواجهه في حياته اليومية.

بدوره، يرى "علي إسماعيل" -أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر- أن "أهم ما يميز الدراسة هو الاعتماد على المدرسة السلوكية المعرفية للتعامل مع تجربة شديدة التركيب وهي تجربة الانفصال العاطفي، وتساعد مَن انخرطوا في هذا النوع من التجارب على التغلُّب على الإحساس بالعجز، الذي قد يسقطهم في دائرة استسلام تتطلب منهم وقتًا طويلًا لاستعادة أنفسهم والبدء في علاقة عاطفية جديدة".

ويضيف "إسماعيل"، في تصريحات لـ"للعلم"، أن "مصر والعالم العربي يعانيان من معدلات طلاق وانفصال عالية جدًّا، لذا من الضروري إرشاد مَن يخوضون تلك التجربة الصعبة إلى الطرق العلمية المُثلى للتعامل مع حياتهم في غمار التغيُّرات الكبيرة التي تطرأ على حياتهم من جرّاء الانفصال".

خطورة جَلد الذات

كانت دراسة أجرتها جامعة "ستانفورد" الأمريكية قد خلصت إلى أن تأمُّل العلاقات العاطفية المنتهية يمكن أن يساعد بعض الناس على فهم ما حدث، ولكنه قد يزيد من صعوبة تجاوُز بعض الأشخاص الآخرين للتجربة.

وتوصلت الدراسة إلى أن "التأمل باعتباره سلوكًا صحيًّا يمكن أن يصبح سلوكًا غير صحي عندما يتمادى فيه الشخص؛ إذ يؤدي ذلك ببعض الأشخاص إلى التشكيك في قيمتهم الأساسية كأشخاص، ويُشعرهم بأنهم معيبون، وهو ما قد يولِّد لديهم مشاعر خطيرة برفض الذات".

ووجد الباحثون أن مَن يلجأون إلى "جلد الذات" و"إلقاء اللوم على أنفسهم" ويحمِّلون أنفسهم مسؤولية فشل التجربة ويشكِّكون في "قيمتهم الذاتية" يحتاجون إلى وقت أطول للتعافي من آثار فشل تجاربهم العاطفية، وذلك على النقيض من الذين يتعاملون مع حدث الانفصال على كونه مؤشرًا على عدم التوافق، أو على أنه كان شيئًا لا مفر منه.