عندما كنت مراهقًا، كثيرًا ما كان والداي يطلبان مني أن أرافقهما إلى المتجر للمساعدة في حمل البقالة. ذات يوم وبينما كنت أنتظر في صبر عند صندوق الدفع، أخرجت أمي بطاقة ولاء العملاء الخاصة بها التي كانت جديدة تمامًا. وبدافع الفضول، سألتُ الصرَّاف عن ماهية المعلومات التي يسجلونها. فأجاب أن هذه المعلومات تساعدهم في تتبُّع ما نشتريه كي يتمكنوا من تقديم توصيات مخصصة لنا بالمنتجات. لم يكن أحدٌ منَّا على علم بذلك. تساءلت في نفسي عما إذا كان التنقيب عبر الملايين من عمليات الشراء التي يُجريها العملاء يمكن أن يكشف عن تفضيلات المستهلك الخفية. ولم يمضِ وقت طويل حتى خطرت بذهني دلالات هذا الأمر: هل يرسلون لنا إعلانات موجهة؟

حدث ذلك منذ عقدين من الزمن تقريبًا. وأفترض أن السؤال الذي يساور معظمنا القلق بشأنه في الوقت الحاضر لا يختلف كثيرًا عما خطر ببالي حينذاك، وهو: ما مدى فاعلية الرسائل دقيقة الاستهداف؟ هل يمكن الاستفادة من "البيانات الضخمة" النفسية لدفع الأشخاص لشراء المنتجات؟ والسؤال الأكثر إثارةً للمخاوف هو: هل يمكن توظيف هذه الأساليب للتأثير على مسار التاريخ؟ مثل نتائج الانتخابات. من ناحية، نواجه أخبارًا يومية من مصادر مُطَّلعة تشهد بخطورة وفاعلية الرسائل دقيقة الاستهداف التي تعتمد على ملامح "المخططات النفسية" الفريدة لملايين الناخبين المسجلين. ومن ناحية أخرى، يحذر الكُتَّاب الأكاديميون، مثل بريندان نيهان، من أن القوة السياسية للإعلانات الموجهة عبر الإنترنت والبوتات (روبوتات الإنترنت) الروسية مُبالَغ فيها بصورة كبيرة.

في محاولة لتقييم رأي علم النفس في هذه المسألة، أعتقد أنه من الضروري إزالة الالتباس عن مسألتين رئيسيتين يُساء فهمهما على نحوٍ يلقي بظلاله على هذه المناقشة.

أولًا، ينبغي أن نميّز بين محاولات التلاعُب بالرأي العام والتأثير عليه من جانب والإقناع الفعلي للناخبين من جانب آخر. فقد يؤثر استهداف الناس مرارًا وتكرارًا بمعلومات مضلِّلة صُمِّمت لتستميل تحيُّزاتهم السياسية تأثيرًا كبيرًا على المواقف العامة، ويؤدي إلى حالة من الغضب الأخلاقي، ويزيد من اتساع الهوة بين مناصري الأحزاب المختلفة، لا سيما عندما نُمنَح الانطباع الخطأ بأن كل الآخرين في شبكتنا الاجتماعية يتبنون الرأي نفسه. لكن إلى أي مدى تتحوَّل محاولات التأثير إلى أصوات حقيقية في الانتخابات؟

الحقيقة هي أننا لا نعرف تحديدًا (حتى الآن) الإجابة عن هذا السؤال. لكن دعونا نقيّم ما نعرفه بالفعل. تتَّسم نماذج التنبؤ التقليدية، التي لا تحتوي سوى على بيانات اجتماعية وديموغرافية (مثل عمر الشخص)، بأنها ليست مفيدةً جدًّا في التنبؤ بالسلوك بمفردها. لكن تجميع العديد من البيانات الديموغرافية والسلوكية والنفسية عن الأشخاص، مثل الصفحات التي تُعجَب بها على فيسبوك ونتائج اختبار للشخصية ربما تكون قد خضعت له وصورة ملفك الشخصي (التي تكشف معلومات عن نوعك الاجتماعي وأصلك العرقي)، يمكن أن يُحسِّن من جودة البيانات. على سبيل المثال، في دراسة بارزة شارك فيها 58 ألف متطوع، وجد باحث في جامعة ستانفورد أن نموذجًا يستخدم إعجابات فيسبوك (170 إعجابًا في المتوسط) قد تنبأ بمجموعة كاملة من العوامل، مثل النوع الاجتماعي والانتماء السياسي والتوجُّه الجنسي، بدقة مذهلة.

وفي دراسة متابعة، أوضح باحثون أن مثل هذه الآثار الرقمية يمكن في الواقع الاستفادة منها في الإقناع الجماعي. فمن خلال ثلاث دراسات تضمنت أكثر من 3.5 ملايين شخص، وجد الباحثون أن الإعلانات المُصممة وفق السمات النفسية -بمعنى التوفيق بين محتوى الرسالة المقنعة وملامح المخطط النفسي العام للفرد- قد أدت إلى زيادة في النقر على هذه الإعلانات بنسبة 40% وفي عمليات الشراء عبر الإنترنت بنسبة 50%، مقارنةً بالرسائل غير المتوافقة أو غير الموجهة بشكل شخصي. وهذا الأمر ليس بالجديد كليةً على علماء النفس، فلقد علمنا منذ أمدٍ بعيد أن الاتصالات ذات التصميم المخصَّص أكثر إقناعًا من استخدام نهج واحد يناسب الجميع. لكن فاعلية الإقناع الرقمي واسع النطاق يمكن أن تتباين تبايُنًا كبيرًا، كما أنها تتأثر بالسياق. وفي النهاية، فإن التسوق عبر الإنترنت يختلف عن التصويت في الانتخابات!

هل نعلم، إذًا، ما إذا كانت الأخبار الزائفة الموجهة قد ساعدت في ترجيح كفة دونالد ترامب في الانتخابات؟

يشكك المعلّقون السياسيون في هذه المسألة لسبب وجيه، هو أن تغيير آراء الناس حول القضايا السياسية أصعب بكثير من تغييرها بشأن شامبو جديد للشعر، كما أن العديد من الدراسات الأكاديمية التي أُجريت عن الإقناع السياسي توضح أن له تأثيرات محدودة. ومن أولى الدراسات، التي أُجريت على التعرُّض للأخبار الزائفة، دراسة جمعت بين قاعدة بيانات للأخبار الزائفة مكوّنة من 156 مقالًا ودراسة استقصائية للأمريكيين على المستوى الوطني. وقدّرت هذه الدراسة أن الشخص البالغ العادي لم يتعرض سوى لمقال واحد أو بضع مقالات إخبارية زائفة قبل الانتخابات. علاوة على ذلك، يجادل الباحثون بأن ذلك التعرُّض ما كان ليغيّر نِسَب التصويت سوى بمقدار أجزاء من المئة في المئة. لكن بدلًا من أن يستند مؤلفو هذه الدراسة إلى الآثار الرقمية، استندوا في الغالب إلى الإقناع المُبلَّغ عنه ذاتيًّا واستحضار مجموعة مختارة تضم 15 مقالًا إخباريًّا زائفًا.

على النقيض من ذلك، يُقدِّر بحث آخر مَزَج بين بيانات دراسة استقصائية وطنية وبيانات تصفح الأفراد، أن حوالي 25% من البالغين الأمريكيين (65 مليون شخص) قد زاروا موقعًا للأخبار الزائفة في الأسابيع الأخيرة من الانتخابات. لكن ذكر المؤلفون أن معظم الأخبار الزائفة التي جرى الاطلاع عليها كانت مؤيدةً لترامب، وأنها تركزت بشدة في مجموعة أيديولوجية فرعية صغيرة.

من المثير للاهتمام أن دراسة حديثة قدّمت لـ585 شخصًا من منتخبي الرئيس السابق باراك أوباما إحدى ثلاث قصص إخبارية زائفة مشهورة (على سبيل المثال، سوء الحالة الصحية لهيلاري كلينتون وموافقتها على بيع الأسلحة للجماعات الجهادية). ووجد مؤلفو الدراسة أنه مع التحكّم في عوامل أخرى، مثل ما إذا كان الأشخاص الذين أُجريت عليهم الدراسة يحبون كلينتون وترامب أم لا، كان المنتخِبون السابقون لأوباما الذين اعتقدوا صدقَ واحدة أو أكثر من المقالات الإخبارية الزائفة أكثر احتمالًا بمعدل 3.9 مرات للانشقاق عن الحزب الديمقراطي في عام 2016، بما في ذلك الامتناع عن التصويت. لذا، بدلًا من التركيز على إقناع الناخبين فحسب، يُلمِّح هذا الدليل الارتباطي إلى احتمالية أن تؤدي الأخبار الزائفة أيضًا إلى قمع الناخبين. وهذا الرأي منطقي؛ لأن الهدف من الأخبار الزائفة لا يكون في كثير من الأحيان إقناع الناس "بحقائق بديلة"، وإنما زرع الشكوك في نفوسهم وإبعادهم عن السياسة، الأمر الذي يمكن أن يُقوِّض العملية الديمقراطية، خاصةً عندما يعتمد مستقبل المجتمع على اختلافات صغيرة في تفضيلات التصويت.

أما الالتباس الشائع الثاني، فيدور في الواقع حول وقع الآثار "الصغيرة"؛ فالآثار الصغيرة يمكن أن تكون لها عواقب كبيرة. على سبيل المثال، في تجربة تضمنت 61 مليون شخص نُشرت في دورية Nature، أوضح الباحثون أن رسائل التعبئة السياسية التي أُرسِلت إلى مستخدمي موقع فيسبوك قد أثّرت تأثيرًا مباشرًا على السلوك التصويتي لملايين الأشخاص. والمهم هنا هو أن تأثير النقل الاجتماعي للأفكار والسلوكيات كان أكبر من التأثير المباشر للرسائل ذاتها. على وجه الخصوص، كان معدل إقناع المنتخِبين في هذه الدراسة حوالي 0.39%، وهي نسبة تبدو صغيرة حقًّا لكنها تُترجَم في الواقع إلى 282 ألف صوت إضافي. وإذا فكرت في الانتخابات الكبرى، مثل الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي "البريكزت" (51.9% مقابل 48.1%) أو حقيقة خسارة هيلاري كلينتون للانتخابات في نهاية المطاف بنحو 77 ألف صوت، فإن هذه الآثار الصغيرة تصبح لها فجأةً أهميةٌ كبيرة.

باختصار، من المهم أن نتذكر أن الأسلحة النفسية للإقناع الجماعي لا تحتاج إلى أن تستند إلى نماذج عالية الدقة، ولا تتطلب أن يكون لها آثار ضخمة على جميع أفراد المجموعة لكي تكون لديها القدرة على تقويض العملية الديمقراطية. بالإضافة إلى ذلك، فإننا لا نرى حاليًّا سوى جزء بسيط فقط من البيانات، ما يرجِّح أن الأبحاث العلمية تبخس تقدير أثر هذه الأدوات. على سبيل المثال، تستخدم معظم الدراسات الأكاديمية التجارب الاستقصائية المُبلَّغ عنها ذاتيًّا التي لا تحاكي دائمًا بدقة الديناميكيات الاجتماعية الحقيقية التي تُستهلَك في سياقها الأخبار على الإنترنت. حتى عندما قلَّل موقع فيسبوك من أهمية أثر ما يُعرَف بغرفة الصدى في دراسة أجراها الموقع ونُشرت في دورية "ساينس" (Science)، كانت البيانات ترتكز على عينة صغيرة للغاية من المستخدمين (مَن أعلنوا عن أيديولوجيتهم السياسية أو ما يقرب من 4% من مجموع مستخدمي فيسبوك). علاوةً على ذلك، لا تُشكِّل شركات التحليل التنبُّئي مجالس مراجعة أخلاقية ولا تُجري دراسات مراقبة بإحكام باستخدام رسالة واحدة أو رسالتين على حدة. وإنما تنفق، بدلًا من ذلك، الملايين على اختبار ما بين ثلاثين إلى أربعين ألف رسالة يوميًّا للعديد من فئات الجمهور المختلفة، وضبط خوارزمياتها بدقة، وتنقيح رسائلها، وما إلى ذلك.

من ثَم، إذا وضعنا في الاعتبار انعدام الشفافية، والطبيعة المخصخصة لهذه النماذج، والمصالح التجارية التي تبالغ أو تقلل من شأن فاعليتها، فعلينا أن نظل حذرين في استنتاجاتنا. ويتيح انتشار استخدام البيانات الضخمة الكثير من الفوائد المحتملة للمجتمع، وقد حاولت أنا وزملائي المساعدة في وضع مبادئ توجيهية أخلاقية لاستخدام البيانات الضخمة في العلوم السلوكية، فضلًا عن المساعدة في حماية الناس وتمكينهم من مقاومة الإقناع النفسي الجماعي. لكن إن كان ثمة شيء واضح هنا، فهو حقيقة أننا على الدوام مستهدفون استهدافًا دقيقًا استنادًا إلى آثارنا الرقمية، بدءًا من توصيات الكتب مرورًا باختيارات الأغاني وصولًا إلى اسم المرشح الذي ننوي التصويت لصالحه. في كل الأحوال، نحن جميعًا الآن مشاركون عن غير قصد في ما يُرجَّح أن يكون أكبر تجربة في علم السلوك على مستوى العالم.