11 ألف فوطة صحية.. هو متوسط مجموع ما تستخدمه النساء خلال حياتهن، وفق أبحاث علمية، تنتهي إلى المكبات ومحارق النفايات والمسطحات المائية، مخلفةً الكثير من الأضرار البيئية؛ نظرا لكون البلاستيك مكونًا أساسيًّا في صناعتها.

في الشهور الماضية، انطلقت حملات ومبادرات محلية تتسق مع الاتجاه العالمي الذي ظهر قبل سنوات عدة، لحث الفتيات والنساء على استخدام "منتجات الحيض الخضراء"، وهي منتجات صديقة للبيئة، تُصنع من مواد قابلة للتحلل، أو تكون قابلة لإعادة الاستخدام لفترات طويلة،  ويمكن للنساء استخدامها خلال الدورة الشهرية.

من أمثلة هذه المنتجات: الفوط والسدادات القطنية العضوية، والفوط القماشية القابلة لإعادة الاستخدام، وسراويل الحيض (ترتديها النساء كملابس داخلية وتُغسل بعد استخدامها) وأكواب الحيض (تصنع من مواد طبية مثل السيليكون أو المطاط الطبيعي وتوضع داخل المهبل حيث يتجمع فيها دماء الحيض ويتم إفراغها كل عدة ساعات).

لذا يبقى السؤال المطروح، ما الذي تحتاج إليه هذه المبادرات وتلك الحملات كي تحظى بالاستجابة المطلوبة بين النساء؟

الوعي البيئي وتأثيره على خيارات النساء

يؤدي الوعي البيئي دورًا مهمًّا في قرار النساء التحول إلى استخدام منتجات الحيض الصديقة للبيئة، وفق دراسة نشرتها دورية سستنابيلتي Sustainability MDPI عام 2019.

أظهرت الدراسة التي شملت 300 مشترك من المملكة المتحدة، 289 منهم إناث و11 من الذكور، أن معظم المشاركين لم يكونوا على دراية بكميات البلاستيك الموجودة في منتجات الحيض التي تُستخدم مرةً واحدة، وأنه مع زيادة الوعي بمخاطر البلاستيك على البيئة، من المرجح أن يختاروا المنتجات الأقل إضرارًا بالبيئة.

أفاد 39% من المشاركين في استطلاع رأي أجراه مؤلفو الدراسة أنهم لا يعرفون أن الفوط الصحية غير العضوية تحتوي على البلاستيك، في المقابل لم يعرف 64% أن الفوط الصحية العضوية لا تحتوي على البلاستيك، كما لم يكن 85% من المشاركين يعرف أنه يمكن تحويل منتجات الحيض العضوية هذه إلى سماد عضوي بعد استخدامها، وأجاب 37% بأنهم لا يعرفون أن أكواب الحيض يمكن أن تُستخدم لمدة زمنية قد تصل إلى 10 سنوات.

تقول الخبيرة في شؤون البيئة، فيفي كلاب، لـ"للعلم": إن خطر الفوط الصحية التقليدية التي يدخل في صناعتها البلاستيك يكمن في أنه لا يعاد تدويرها، كما أنه من الصعب جدًّا تحلُّلها.

وتشير التقديرات إلى أن الفوطة العادية غير العضوية يمكن أن تستغرق من 500 إلى 800 عام كي تتحلل، كما أنه في حال وصول الفوط المستخدمة إلى المدافن، فمن المرجح أنها لن تتحلل على الإطلاق، وذلك لأن كثيرًا من البلاستيك المستخدم في الفوط الصحية والسدادات القطنية (التامبون) هو من البولي إيثلين، ومعظم الكائنات الدقيقة لا تتعرف على هذه المادة كغذاء فلا تحللها، وإن كان من الممكن للبولي إيثلين أن يتحلل إلى قطع أصغر بفعل الضوء، إلا أنه بمجرد دفن منتجاته في مكب النفايات يكون هناك القليل جدًّا من الضوء المتوافر لحدوث ذلك.

وتضيف فيفي كلاب، مؤسسة جمعية "بيبلوس إيكولوجيا للبيئة والتنمية" وجمعية "المربع الأخضر" أن كثيرًا من الفوط التي تُستخدم تصل في النهاية إلى المسطحات المائية، ويتحول البلاستيك إلى قطع صغيرة ودقيقة جدًّا تُعرف بالـ"ميكروبلاستيك" تبتلعها الأسماك والكائنات البحرية، بما يضر بالنظم البحرية وصحة الإنسان، وتشدد على أن "كثيرًا من الكائنات البحرية تتعرض للنفوق نتيجة ابتلاع أجزاء من البلاستيك، وتناقص أعداد أي نوع حي أو انقراضه، من شأنه أن يؤثر على التنوع البيولوجي ويهدد الأمن الغذائي".

ووفق بيانات صادرة عن جمعية الحفاظ على البحار، فإن هناك زيادة في منتجات الدورة الشهرية التي عُثر عليها في أثناء تنظيف الشواطئ عام 2017، إذ عُثر على تسع أدوات بلاستيكية لكل كيلومتر على شواطئ المملكة المتحدة.

ويقدر فريق نتراكير Natracare -حملة لتغيير صناعة الفوط الصحية وتوفير بدائل صديقة للبيئة- أنه يوجد في المتوسط 36 جرامًا من البلاستيك في كل علبة فوط صحية، أي نحو 2.4 جرام لكل فوطة، و2.5 للغلاف الخارجي بما يعادل 5 أكياس بلاستيكية في كل علبة.

البديل الأخر هو حرق نفايات الفوط الصحية، تقول "كلاب": "في حالة الحرق ينبعث عن البلاستيك مادة الديوكسين، وهي مادة سامة مسرطنة".

وأضافت: "للأسف لا يوجد وعي في العالم العربي بالأضرار البيئية الناتجة عن الفوط الصحية، وفي المقابل فإن عدد المنتجات الصديقة للبيئة والبدائل المتوافرة محدودٌ كذلك"، ناصحةً بتدشين حملات لرفع مستوى الوعي وتشجيع النساء على التحوُّل إلى المنتجات الصديقة للبيئة. 

حملة لرفع مستوى الوعي وتشجيع النساء على التحوُّل إلى المنتجات الصديقة للبيئة Credits:Enactus Cairo

العوامل المؤثرة في قرار النساء

وعن العوامل التي تؤثر على قرار النساء استخدام أي نوع من الفوط الصحية واستدامة ذلك، أفادت نتائج بحث أجرته جامعة إكسفورد البريطانية عام 2013، أن هناك عوامل لا بد من وضعها في الحسبان لتشجيع النساء على اتخاذ قرار استخدام منتجات الحيض الصديقة للبيئة، مثل الشعور بالراحة، والقَبول المجتمعي.

 وأشارت النتائج إلى أن "أكواب الحيض" على سبيل المثال لن تكون مقبولةً في بعض المجتمعات؛ لأن "العادات الشعبية لن تتسامح مع وجود جسم غريب في جسد فتاة"، وأنه لا بد من البحث عن بدائل مريحة ومقبولة مجتمعيًّا.

كما وجدت الدراسة، بعد فترة اختبار استغرقت 6 أشهر لثلاثة من أنواع الفوط الصحية البديلة للتعرف على مدى قبول الفتيات لها (شاركت فيها 402 من طالبات المدارس في أوغندا)، أن 46.4% من المشاركات أفدن بأنهن سيتحولن إلى استخدام الفوط القماشية القابلة لإعادة الاستخدام.

وأرجع باحثو الدراسة تفضيل أكثر من نصف الطالبات للفوط التي تُستخدم مرةً واحدةً حتى لو قُدمت لهن فوط قماشية مقبولة قابلة لإعادة الاستخدام بشكل مجاني، إلى الوصمة الاجتماعية المرتبطة باستخدام الفوط القماشية، وأنها بالنسبة لهن ترتبط بالفقراء وبما هو سائد في المناطق الريفية، وأفادت أن "المراهقين بشكل خاص أكثر حساسيةً لمثل هذه الأحكام".

وأوصى البحث الممول من جرين تيمبلوتن كوليج، بتوفير فوط أحادية الاستخدام ذات كفاءة كبيرة وضرر بيئي أقل، مثل الفوط المصنوعة من أشجار الموز وورق البردي وزنابق الماء (فصيلة من النباتات تعيش في المسطحات المائية).

من جانبها، تواصلت "للعلم" مع عدد من الفتيات لمعرفة مدى معرفتهن بالأضرار البيئية للفوط الصحية ذات الاستخدام الواحد، وتفضيلاتهن الخاصة، إذ قالت رضوى محمد، مهندسة، إنها لم تكن تعرف أن الفوط الصحية تحتوي على بلاستيك، وأضافت: "إذا توافرت خيارات أخرى صديقة للبيئة، أفضِّل اللجوء إليها بالطبع، بشرط أن يتوافر فيها عنصرا الراحة والجودة حتى لو بتكلفة أعلى"، واستبعدت أن تفكر في تجربة أكواب الحيض، وسوَّغت ذلك بأنها تبدو خيارًا غير مريح.

وبالمثل لم تعرف هدى.م –محاسبة- أن هناك أضرارًا بيئية لمنتجات الدورة الشهرية أو بدائل لها صديقة للبيئة، وأضافت: "السعر عامل مؤثر في قراري، فإذا توافرت البدائل بالتكلفة نفسها يمكن أن أفكر في تجربتها، بشرط الراحة والكفاءة العالية".

في هذا السياق، قالت مريم عمر، مديرة مشروع نوادي جرينش (جرينش مؤسسة هادفة إلى تثقيف الشباب بشأن القضايا البيئية الأكثر إلحاحًا)، لـ"للعلم": إنهم مهتمون بشكل خاص بالتوعية بأضرار الفوط الصحية من خلال منصاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي؛ لأنها مواد من الصعب إعادة تدويرها، وعادةً ما تنتهي إلى المدافن، وأضافت: "وجدنا انخفاضًا شديدًا في مستويات الوعي بخصوص أضرار الفوط الصحية، وهناك مقاومة لفكرة التغيير، فأكثر الفتيات عامل الراحة بالنسبة لهن أكثر أهمية".

وأضافت: "الثقافة الشعبية تجعل كثيرًا من الفتيات تتعامل مع الحيض باعتباره شيئًا يجب الخجل منه وإخفاؤه، وأنه لا يمكن لمس الفوط الصحية أو غسلها، ولا بد من التخلص منها فورًا بمجرد استعمالها، علاوةً على مخاوف العذرية، ومثل هذه المعتقدات تجعل هناك مقاومةً لبعض البدائل الأكثر توافرًا، مثل الفوط القماشية القابلة لإعادة الاستخدام وأكواب الحيض، حتى بالنسبة للأشخاص المهتمين بالبيئة".

وأشارت إلى أنهم خلال منشورات التوعية يحرصون على نشر الأماكن التي تتوافر فيها المنتجات البديلة الصديقة للبيئة، سواء الفوط القماشية القابلة لإعادة الاستخدام أو الفوط العضوية القابلة للتحلل وأكواب الحيض، قائلةً: "لا يوجد حل سحري، هناك دائمًا اختلاف، والحل هو زيادة الخيارات البديلة المتاحة، وتوفيرها على مستوى مختلِف المحافظات بحيث تختار كل فتاة ما يناسبها".

منتج مصري عضوي

على جانب آخر، يستعد طلاب فريق إيناكتس جامعة القاهرة لإطلاق فوط صحية عضوية في الأسواق خلال الشهور الثلاثة القادمة، بعد فوزهم العام الماضي بمنحة لتمويل مشروعهم، كما يقول يوسف طارق -رئيس الفريق- لـ"للعلم"، مضيفًا: "نحن الآن في مرحلة التجريب والتطوير لفوط "روزي"، وهي فوط صحية مصنوعة من الألياف المستخرجة من أشجار الموز، بعدما وجدنا أنها ذات قدرة عالية على امتصاص السوائل، كما أنها لا تسبب أي ضرر، وهي قابلة للتحلل".

Credits:Enactus Cairo سيدات مصريات يصنعن فوطًا صحية من مواد قابلة للتحلل، مثل القطن والشاش 

وأضاف أن المنتج بالكامل مصنوع من مواد قابلة للتحلل، مثل القطن والشاش وكذلك الورق للتغليف، وأشار إلى أنهم يعتمدون في تصنيع الفوط على سيدات من عدة قرى في 5 محافظات، يساعدهن المشروع في توفير مصدر دخل لهن.

وأوضح "طارق" أن سعر الفوط سيكون أقل من نصف سعر المنتجات الموجودة في السوق حاليًّا؛ لأنها تُصنع يدويًّا دون الحاجة إلى آلات، وقائمة على خامات غير مكلفة، ولفت إلى أنهم جربوا بالفعل المنتج على عدد من الفتيات للتأكد من توافر عنصري الراحة والكفاءة العالية، بالإضافة إلى كونه منتجًا طبيعيًّا بنسبة 100% .