قبل نحو 4500 عام، وبالقرب من التقاء نهري دجلة والفرات في ذلك المكان المعروف آنذاك باسم "حافة الجنة"، اندلعت حرب هائلة بين مملكتي "لكش" و"أوما"، لم يكن سبب نشوب الحرب محاولات السيطرة على الأراضي أو المنقولات.. بل المياه؛ ففي ذلك الزمان البعيد، حاول حاكم "لكش" السيطرة على الموارد المائية لنهري دجلة والفرات، إلا أن كرامة شعب مملكة "أوما" رفضت الأمر، لتدور سلسلة من الحروب المتقطعة استمرت نحو 200 عام كاملة، كانت تلك الحرب هي أول حرب مائية مُسجلة في التاريخ.

على مر التاريخ، شكلت أحواض الأنهار العابرة للحدود نقاطًا ساخنةً وملتهبة، إذ تحاول دول المنبع -كما هو الحال في أزمة مصر وإثيوبيا الحالية- التحكم في جريان النهر عبر إقامة السدود، كما تحاول دول المصب تأمين مواردها من المياه عبر فرض السيطرة على دول المنبع، كما في حالة إرسال الخديوي إسماعيل حملات عسكرية لتأمين منابع النيل في أرض الحبشة (إثيوبيا الآن)؛ "فلا أحد يُريد أن يموت عطشًا"، على حد قول الباحث بقسم الهندسة الكيميائية والبيولوجية الجزيئية في جامعة كاليفورنيا بيركلي، آدم أوليانا، المؤلف الأول لدراسة جديدة قد تمنع عن الناس الموت عطشًا.

تنقية من مصادر غير تقليدية

في الدراسة المنشورة في دورية "ساينس"، صمم الباحثون غشاءً جديدًا عالي الكفاءة يسمح بتحلية المياه وتنقيتها في خطوة واحدة، يعني ذلك إمكانية تنقية مياه الصرف الصحي، والبحار، ومياه المستنقعات بتكلفة زهيدة في المستقبل، الأمر الذي قد يُسهم في توفير المياه للمناطق التي تُعاني نقص خدمات المياه النظيفة والصحية.

تبرز الحاجة إلى التقنيات ذات الكفاءة العالية والتي يُمكنها تنقية مصادر المياه غير التقليدية لتلبية الطلب العالمي المتزايد على المياه النظيفة؛ فوفق منظمات أممية، هناك ما يزيد على ملياري شخص (3 من كل 10 أشخاص) محرومين من إمدادات المياه النظيفة، يتسبب ذلك الأمر في فشل الجهود العالمية التى تهدف إلى محاربة الأمراض المرتبطة بالمياه، كالكوليرا، والإسهال، والتهاب الكبد الوبائي.

ولتوفير مصادر مياه أكثر مأمونيةً ونظافة، تحتاج الدول إلى الكثير من الأموال -غير المتوافرة بطبيعة الحال- لإنشاء محطات لتنقية أو تحلية المياه، إلا أن العلماء يحاولون منذ عقود صناعة أدوات رخيصة -فلاتر- يُمكن استخدامها لتنقية المياه الموجودة في البرك والمستنقعات، شريطة أن تكون عذبةً ولا تحتوي على ملوثات سامة.

كفاءة عالية

لإزالة الملوثات السامة، يجب أن تكون تلك الأجهزة أكثر تعقيدًا، تتألف من عدة مراحل، وبالتالي تكون أكثر كلفةً وأكبر حجمًا، إلا أن الباحثين في الدراسة الجديدة قاموا بتصميم سلسلة من الأغشية النانوية المسامية والممتصة والقوية لها القدرة تنقية المياه من مصادرها غير التقليدية بكفاءة عالية، وإزالة الملوثات السامة مثل المعادن الثقيلة والبورون، كل ذلك في خطوة واحدة فقط وبتكلفة قد تصبح زهيدةً في المستقبل القريب، "حال تصنيع تلك المادة على نطاق واسع"، على حد قول "أوليانا" في تصريحات خاصة لـ"للعلم".

الأغشية الجديدة لا تقوم بترشيح المياه وتنقيتها فقط، بل تقوم أيضًا باستعادة الأيونات ذات القيمة المحتملة، أيْ الأملاح المعدنية الموجودة في المياه النقية، والتي لها أهمية تغذوية على الصعيد الصحي. فالغشاء يعتمد على إستراتيجية فصل فعالة من خطوة واحدة تسمى "الغسيل الكهربي لالتقاط الأيونات"، أو "الديلزة الكهربائية".

غسيل المياه

في تلك الطريقة، يستخدم الباحثون تكوينات غسيل كهربي مع أغشية امتصاص لتحلية مصادر المياه، وفي الوقت نفسه تلتقط المواد المذابة المستهدفة والتي لها قيمة غذائية بشكل انتقائي.

يقول "أوليانا": إن البحث أبرزَ طريقةً جديدةً لتنقية المياه، يمكنها تحلية المياه بكفاءة لإعادة استخدامها مع التقاط الملوثات المستهدفة من المياه في الوقت نفسه مع استعادة المواد المذابة المتنوعة المنقولة بالماء، "والأهم هو إنشاء فئة جديدة كُليًّا من أغشية التبادل الأيوني الممتصة التي تُظهر خصائص واعدة للغاية في تنقية المياه".

علي مدار السنوات الماضية، قام الباحثون بتطوير مواد ماصة مسامية (PAFs) واستخدامها في عمل أغشية لتنقية المياه بشكل أكثر كفاءة، يقول "أوليانا": إن الفريق البحثي الذي نفذ تلك الدراسة ظل 3 سنوات كاملة يحاول إنشاء نظام جديد لتنقية المياه يعمل بصورة أفضل مع كل مصادر المياه.

تمثل الأطر العطرية المسامية (PAFs) فئةً مهمةً من المواد الصلبة المسامية، تمتلك PAFs أطرًا صلبة ومساحات سطحية عالية بشكل استثنائي وفريد، ويتم تصميمها من وحدات بناء أروماتية/عطرية، وهي خاصية كيميائية يكون فيها الجزيء على شكل حلقة مرتبطة بالكربون.

خصوصية كيميائية

وتُظهر مواد PAFs خصوصيةً في خواصها الكيميائية ووظائفها، مقارنةً بالمواد المسامية التقليدية مثل الزيوليت والأطر العضوية المعدنية؛ فالميزات الفريدة لـPAFs تجعل استخدامها سلسًا ومعالجتها أكثر سهولة وتشكيلها أمرًا في غاية البساطة.

في ذلك الغشاء الجديد، يُدخل الباحثون مصدرًا للمياه من جانب الغشاء الأيسر على سبيل المثال، يُخفض الغشاء درجة عكارة المياه، وينقيها من الميكروبات والسُّميات، ثم تأتي مرحلة "الديلزة الكهربائية"، وفيها يُستخدم تيار كهربائي متردد لفصل الأيونات، وبسبب تزويد الغشاء بمواد نانوية خاصة، تلتصق الأيونات المفيدة على الفور بجوانب الغشاء، أما الأيونات غير المستهدفة فتترسب ويتم طردها خارجًا، "وهذا مفهوم جديد تمامًا بالنسبة لذلك النوع من الأغشية"، على حد قول "أوليانا" في تصريحاته لـ"للعلم".

جسيمات نانوية

لكن مع استمرار تدفق المياه عبر الغشاء، يُمكن أن تتراكم المواد السامة في مسامات الغشاء، فكيف يُمكن التخلص منها؟

يقول "أوليانا" إن الأمر سهل للغاية؛ إذ علينا فقط في تلك الحالة عكس التدفق، "لو كان تدفق المياه المراد تنقيتها من اليمين إلى اليسار يتم عكس التدفق، وبالتالي سيتم التخلص من أيّ تراكم قبل بدء العملية من جديد".

تتميز تلك الطريقة في كونها "عملية ذات خطوة واحدة"، وهي تنافس بشكل كبير كل منهجيات معالجة المياه التقليدية، التي تتطلب خطوات متعددة لتحقيق نتائج مماثلة.

يقول الأستاذ المساعد في قسم الكيمياء بجامعة جورجيا تك، راين لايفلي، لم يُشارك في الدراسة: إن الميزة الأساسية في ذلك الغشاء هو احتواؤه على جسيمات نانوية مسامية منتشرة في جميع أنحائه، "يعني ذلك الأمر قدرةً كبيرةً على تصحيح مستويات الأملاح الذائبة في الماء بصورة يُمكن ضبطها وفقًا للحاجة"، مشيرًا إلى أن الأزمة الحقيقية التي تواجه هذا النوع من الأغشية هو "كون مواد PAFs جديدةً نسبيًّا"، وهذا يعني أن ثمن الغشاء سيكون مرتفعًا.

يتفق "أوليانا" مع "لايفلي"، مشيرًا إلى أن تلك المادة جرى استخدامها لأول مرة في صناعة الأغشية قبل نحو 12 عامًا فقط، "غير أن صناعتها على مستوى تجاري واسع سيخفض بكل تأكيد من سعرها ويجعله في متناول الجميع".

مصادر على وشك النضوب

ربما يكون الجزء الأكثر أهميةً في هذا العمل هو توضيح أن الأساليب المطورة يجب أن تكون مناسبةً على نطاق واسع لتنقية مجموعة متنوعة من مصادر المياه المهدرة.

فعلى سبيل المثال، يُمكن إعادة ضبط ذلك الغشاء -عبر طلائه بمواد نانوية أخرى- من أجل الإزالة الفعالة للنويدات المشعة في المياه الواقعة بالقرب من موقع النفايات النووية، أو المعادن السامة الموجودة بشكل طبيعي في المياه الجوفية في مناطق معينة، وحتى تنقية مياه الصرف الصحي بصورة تجعلها مناسبة وصحية للشرب بنسبة 100٪.

يقول "أوليانا": إن الصراعات المتعلقة بالمياه "لا ترتكز بشكل أساسي على مياه الشرب، بل الزراعة"، مشيرًا إلى أن التقنيات الحالية لتنقية المياه "لا يُمكن أن توفر كميات هائلة تُستخدم في الزراعة"، بل هي فقط "تدعم البشر القاطنين في مناطق محرومة من مياه الشرب".

تُظهر البيانات أن مصادر المياه العذبة آخذةٌ في النضوب، وستستمر عوامل أخرى مثل تغير المناخ وارتفاع عدد سكان العالم في وضع ضغوط على تلك المصادر، لذا تتطلب هذه المشكلات وجود طرق لمعالجة وإدارة مصادر المياه المعقدة الأخرى بكفاءة.. يقول "أوليانا" إن غشاءه الجديد قد يسهم في حل جزءٍ من تلك المشكلة؛ "فمستقبل مياه الشرب لن يكون للأنهار التي قد تنضب نتيجة تغيرات مستوى الأمطار، بل سيكون لمعالجة المياه من الصرف الصحي أو مياه البحار والمحيطات".