شدد فريق من الباحثين المعنيين بالحفاظ على البيئة على ضرورة الحد من التوسُّع في استخدام الطاقة الحيوية، التي باتت تحظى باهتمام في أنحاء العالم، بحلول سنة 2050، لتجنُّب آثار مناخية كارثية.

وأكد الباحثون، في تحليل نشرته دورية "جلوبال تشينج بيولوجي" (Global Change Biology)، أن قطاع الطاقة الحيوية المزدهر يجب أن يبلغ ذروته ويبدأ في التراجُع خلال الـ30 عامًا المقبلة؛ لتخفيف الضغط على كوكب الأرض".

واستندوا في ذلك إلى نتيجة مفادها أن التصورات القائمة على استخدام الكتلة الحيوية للمحاصيل والأشجار والحشائش كوقود، حتى عام 2100، تتجاهل البصمة الكربونية المرتفعة للتكنولوجيات المستخدمة في هذا المجال، كما لم تلتفت إلى الاستخدام المفرط للأرض.

من جهته، يقول "والت ريد" -مدير برنامج الحفظ والعلوم في مؤسسة "ديفيد ولوسيل باكارد"، والمؤلف الرئيسي في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": في الوقت الذي تسعى فيه الدول بمختلف أنحاء العالم إلى البحث عن مصادر للطاقة المتجددة، بدلًا من الفحم والنفط وأنواع الوقود الأحفوري الأخرى التي تعتمد على الكربون، نجد أنفسنا عند مفترق طرق لتحديد ما إذا كان علينا مواصلة المضي قدمًا في طريق الطاقة المتجددة، أم يجدر بنا التوقف عن استكمال الطريق.

ويضيف "ريد" أن "الطاقة الحيوية، التي تعتمد على الاستخدام المفرط للأرض، ليست فقط أقل جدوى من طاقة الرياح والطاقة الشمسة أو المصادر الأخرى التي تراهن على التكنولوجيا الخضراء، بل إنها أيضًا قد تكون مصدرًا رئيسيًّا لانبعاثات الكربون".

وأوضح قائلًا: "إذا ما تم استثناء الدور الذي يمكن أن يسهم به قطاع الطاقة الحيوية في مشروعات إدارة المخلَّفات، وتحسين النظم البيئية، يكون من غير المنطقي ضخ مزيد من الاستثمارات في قطاع الطاقة الحيوية، وإنما يجب التفكير جديًّا في التخلي عن هذا الطريق بحلول عام 2050".

وتتعارض الدعوة إلى مراجعة مشروعات الطاقة الحيوية مع تقرير أصدرته اللجنة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ (IPCC) العام الماضي، انتهت فيه إلى وضع مجموعة من السيناريوهات للحد من تهديدات التغيرات المناخية، تعتمد اعتمادًا كبيرًا على التوسع في استخدامات الطاقة الحيوية، إذ توقعت أن تشكل الطاقة المستمدة من الكتلة الحيوية 26% من إجمالي الطاقة الأولية في عام 2050، مقارنةً بـ10% في عام 2020، في حين أن الطاقة الشمسية وطاقة الرياح معًا تشكل نسبة لا تتجاوز 22%.

وتعتمد هذه السيناريوهات في غالبيتها على تعظيم استخدامات الطاقة الحيوية بتقنية احتجاز الكربون وتخزينه (BECCS)، وذلك من خلال زراعة مساحة كبيرة من الأرض بالأشجار، بهدف إنتاج حبيبات خشبية يمكن حرقها لإنتاج الطاقة، ثم يتم التقاط الانبعاثات الكربونية لعزلها واحتجازها.

إلا أن تقرير اللجنة الدولية (IPCC) تضمَّن الإشارة إلى وجود تحديات هائلة، قد تَحول دون الاعتماد على الطاقة الحيوية وفق السيناريوهات المطروحة.

ولفت التقرير، بشكل خاص، إلى أن المساحات الشاسعة من الأرض اللازمة لإنتاج الكتلة الحيوية للطاقة، سوف تكون في منافسة كبيرة من أجل استخدامها في إنتاج الغذاء، وتلبية الاحتياجات البشرية الأخرى.

ويقول بيت هاريسون، المدير التنفيذي لسياسة الاتحاد الأوروبي في المؤسسة الأوروبية للمناخ: إنه "مع تزايُد سكان العالم الذين يحتاجون إلى الغذاء، وفي ظل حالة الطوارئ المناخية، يحتاج المجتمع إلى أن يكون أكثر ذكاءً في كيفية استخدام مواردنا المحدودة من الأرض".

وأضاف "هاريسون"، في البيان الصحفي المُصاحب للدراسة- أنه "ينبغي علينا أن نعطي الأولوية لمصادر الطاقة الحيوية التي لا تستخدم الأرض، مثل المخلفات والنفايات، وأن نبتعد بشكل واضح عن استخدام مصادر قد تترك أثرًا ثقيلًا على الزراعة والغابات، وهناك أدلة واضحة على أن الكثيرين من صناع السياسات قد اتخذوا خيارات خطأ، مثل استخدام أموال دافعي الضرائب لدعم مشروعات الطاقة الحيوية، التي ينجم عنها إزالة الغابات، وقد حان الوقت لنتعلم من هذه الأخطاء".

واعتمد الباحثون على تقييم مجموعة من التقارير الحديثة، تضمنت الإشارة إلى وجود مشكلات في مشروعات الطاقة الحيوية واسعة النطاق، التي تعتمد على استغلال مساحات شاسعة من الأراضي، ولفتت أيضًا إلى أن بدائل أقل تكلفةً وأكثر فاعليةً ستكون متاحةً خلال العقود القليلة المقبلة.

استنادًا إلى تلك التقييمات، خلص الفريق إلى تحديد ثلاثة أسباب تفسر كيف تبلغ استخدامات الطاقة الحيوية على نطاقٍ واسعٍ ذروتها، قبل أن تبدأ في التراجع على مدار الـ30 عامًا القادمة، يتمثل السبب الأول في أن الطاقة الحيوية قد ينجم عنها انبعاثات كربونية بمستويات تتجاوز -على المدى القريب- ما ينتج عن استخدامات الوقود الأحفوري، مما يفنِّد الاعتقاد السائد بأن الطاقة الحيوية تشكل نموذجًا للطاقة منخفضة الانبعاثات وبأقل تكلفة.

وعلى سبيل المثال، فإن حرق الحبيبات الخشبية قد يؤدي إلى "مشكلات مناخية مزدوجة"؛ إذ ينتج عن عمليات تصنيع هذه الحبيبات ونقلها انبعاث كمية كبيرة من ثاني أكسيد الكربون، كما أن المناطق التي يتم حصاد أشجارها، قد تستغرق العشرات أو المئات من السنوات، حتى تعود إلى ما كانت عليه، قبل تحويلها إلى مخازن للكربون.

أما السبب الثاني فيتمثل في أن الطاقة الحيوية على نطاق واسع تشكل ضغطًا على موارد الأرض، التي قد تصبح أكثر ندرةً بمرور الوقت، نتيجة الزيادة في أعداد البشر، والاهتمام المتزايد بالحفاظ على النظم الإيكولوجية الطبيعية، حتى مع استمرار ارتفاع إنتاجية المحاصيل الزراعية.

ونظرًا إلى أن الأرض مورد محدود للغاية، فإننا يجب أن نستخدمها بأكبر قدر من الكفاءة فيما يتعلق بإنتاج الطاقة، وعلى الرغم من الضغط الشديد الذي تشكله الطاقة الحيوية على الأرض، فإن كمية الكهرباء التي يمكن إنتاجها باستخدام الخلايا الكهروضوئية على مساحة فدانين ونصف فدان من الأرض، تعادل على الأقل ما يتراوح بين 50 ضِعفًا و100 ضِعف مما يتم إنتاجه باستخدام الكتلة الحيوية.

ويتعلق السبب الثالث بأن الطاقة الحيوية واسعة النطاق تأتي في منزلة أدنى من الحلول الأخرى، ومن المتوقع أن تواجه منافسةً شرسة، بحلول منتصف القرن الحالي، من تقنيات أخرى أكثر جدارة، مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية، بالإضافة إلى ظهور تقنيات أكثر فاعليةً لتخزين الكربون، عن طريق التقاطه بشكل مباشر، وعزله عن مكونات الهواء الأخرى.