في أواخر عام 2013، تعلقت عيون الصيادين بطوفان من أسماك البوري الصغيرة وهي تتلوى في أثناء خروجها من بحيرة قارون.. سرعان ما تحولت صدمة العيون إلى لعنات منصبة على "وحش قارون".. وهو الاسم الذي اختاروه لوصف "طفيل الأيزوبودا".

وقع الاختيار على قرية "شكشوك" الواقعة جنوب البحيرة، وتتبع مركز "إبشواي" في محافظة الفيوم، لدراسة ما وصل إليه الحال؛ نظرًا لموقعها المباشر على البحيرة دون أي فواصل طبيعية أو صناعية، ما جعلها نموذجًا معبِّرًا عما أحدثته "الأيزوبودا" بها وفى حياة سكان القرية البالغ عددهم 15 ألف نسمة، وفقًا لإحصاء التعداد السكاني لعام 2017. يعمل ثلثا سكان القرية في الصيد والأنشطة المرتبطة به، مثل صناعة أدوات الصيد وتجارة الأسماك.

أول ما تلتقطه عيناك عندما تزور "شكشوك"، مشاهد السفن الراقدة على ضفاف البحيرة، وحالة كاملة من السكون إلا من حركة أطفال يلهون بملابس البحر، لا يشغل عقولهم "الطفيل قاتل الأسماك" ولا التلوث الذي يجتاح كل أرجاء البحيرة.

 

  Credit Abanob Emad      الأطفال يلهون في البحيرة 

لسنوات طويلة، عاش أهالي "شكشوك" على ما تجود به البحيرة من أسماك البوري والبلطي والقاروص، لكن ظهور طفيل الأيزوبودا واتخاذه من بحيرة قارون "سكنًا" له، وما تبعه من "نفوق جماعي" لأسماكها، حوَّل "أيام عزهم" إلى مجرد ذكريات، قلق لا ينتهي على شبابهم الذين هاجروا لممارسة مهنتهم في أسوان، بل وفي السودان، وعيون ملؤها الحزن وهي ترقب سفن الصيد الراقدة في سبات عميق على الشاطئ حيث تأكلها أشعة الشمس وتعشِّش فيها العنكبوت، أما حلقات السمك التي كانت تعج بحركة الصيادين والتجار، فبات يلفها الصمت، وأصبحت مهجورةً إلا من مجموعة صيادين تحولوا من مهنة "صياد" إلى "مساعد باحث" بفعل خبرة معاناتهم الطويلة مع الأيزوبودا.

على شاطئ البحيرة بالقرية الصغيرة، ثَمَّ مقرٌّ لمعهد علوم البحار التابع لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي في مصر، وهو الجهة البحثية التي عهدت إليها وزارة البيئة بمراقبة نوعية المياه وتحليلها.

يقول عطا الله عبد التواب متولي -رئيس محطة شكشوك، وأستاذ تربية الأحياء المائية بالمعهد القومي لعلوم البحار، وأحد أهالي القرية- لـ"للعلم": "إن الأيزوبودا حيوان قشري عديد الأرجل، اسمه الدارج "آكل لسان السمك"، وموطنه الأصلي خليج كاليفورنيا في الولايات المتحدة الأمريكية، وكان يصيب بعض أنواع الأسماك مثل "البهار"، لكن ثبت مؤخرًا أنه يهاجم كل الأنواع، بلا استثناء.

يهاجم الطفيل السمكة من خلال خطة محكمة؛ إذ يتعلق أولًا بجسمها، ثم يمشي سريعًا إلى فتحة الخيشوم الذي يتميز بالرخاوة وبوجود دماء، ويستقر فيه حيث يتغذى على أنسجة السمكة، وخلال هذه الفترة يتحول بعض أفراده إلى إناث، فيما يظل الباقي ذكورًا ويحدث التكاثر، وتحمل الأنثى البويضة على بطنها، وتواصل رحلتها داخل جسم السمكة، لتصل إلى قاعدة اللسان عبر البلعوم، وتتعلق باللسان من خلال "كلابات" حول الفم، لتبدأ في نهش اللسان، وبعد أن تلتهمه تعدل وضعها لتحل محله وتتغذى على ما يدخل فم السمكة مع استمرارها في نهش أنسجتها، وفق متولي.

 

 
د.متولي في معمله Abanob Emad

يستدرك قائلًا: طفيل الأيزوبودا سكن البحيرة منذ أربع سنوات من خلال الزريعة، ووجد البيئة الملائمة له في مياهها الملوثة؛ فهي تستقبل مياه الصرف الصحي والزراعي من مصرفين رئيسيين هما "البطس" شمالًا و"الوادي" جنوبًا، بالإضافة إلى 13 مصرفًا فرعيًّا، والنسبة الأكبر هي مياه صرف صحي بسبب التعديات على الأراضي الزراعية والمباني المخالفة؛ إذ تشير البحوث والتحاليل التي تُجرى على مياه البحيرة إلى ارتفاع نسبة الملوحة، إذ يدخلها سنويًّا 350 مليون متر مكعب مياه صرف صحى وزراعي، وتصل كمية الفقد بسبب البخر إلى 400 مليون متر مكعب، ويترتب على ذلك انخفاض مستوى البحيرة وزيادة الملوحة.

تبلغ مساحة بحيرة قارون 1385 كيلومترًا مربعًا، منها حوالي 215 كيلومترًا مربعًا مسطحًا مائيًّا تمثل 15.5% من إجمالي مساحة المحمية، ويتراوح عمقها بين خمسة أمتار شرقًا، إلى 12 مترًا غربًا، بمنسوب سطح مياه قدره 45 مترًا، وتبلغ درجة ملوحة مياهها حاليًّا 40 جرامًا في اللتر الواحد، أي ما يعادل 40 ألف جزء في المليون، ما وفر بيئة "حاضنة" لظهور الطفيل، بل تطوُّره وتوحُّشه، حتى بات يهدد بتحويل البحيرة إلى "بحيرة ميتة".

وصف تشريحي

توضح مي أبو وردة -مدرس أمراض الأسماك بكلية طب بيطري القاهرة- الوصف التشريحي للطفيل، مشيرةً في تصريحات لـ"للعلم" إلى أنه "بيضاوي الشكل، ويصل طوله إلى أكثر من سنتيمترين وعرضه حوالي سنتيمتر واحد، وله صفائح ظهرية تتكون من مواد كيتينية مقسمة إلى فقرات تتيح له سهولة الحركة، ويحتفظ الطفيل ببويضته المخصبة بالمنطقة المخصصة داخل البطن، ويخرج صغاره أحياءً بالضغط على بطن الطفيل، وتوجد على جوانب البطن أعداد كبيرة من الأرجل المدببة تنتهي بخطاطيف للتشبث بأنسجة عائلها من الأسماك".

بلغت نسب الإصابة بالطفيل في البحيرة 46.5%، ما تسبب في مشكلات اقتصادية وتسويقية للصيادين الموزعين على 605 وحدات صيد صغيرة، إذ إن الصيادين في عام 2015، وتحديدًا بعد العودة من فترة حظر الصيد والتي تمتد -وفقًا لتعليمات هيئة الثروة السمكية- من أواخر شهر إبريل حتى أوائل شهر يوليو، فوجئوا بخلو البحيرة من الأسماك، ولم تسجل حلقات تجميع الأسماك بالبحيرة البالغ عددها 11 حلقة أي ظهور للبوري والبلطي وسمك موسى، وكانت حصيلة الصيد كلها من جمبري لا يتعدى طوله (2-3) سنتيمترات، أطلقوا عليه "الجمبري القزم"، وفق أبو وردة.

دورة شيطانية

 تشير داليا أشرف -مدرس أمراض الأسماك بكلية الطب البيطري بجامعة القاهرة- إلى أن التحليل الفيزيائي والكيميائي لمياه البحيرة، والذي ضمَّنته رسالتي الماجستير والدكتوراة الخاصتين بها، كشف ارتفاع درجة ملوحة مياه قارون لتصل إلى 39-45 جزءًا في الألف، وارتفاع درجة الأس الهيدروجيني لما بين 7.6 إلى 7.7، في حين يتراوح مقدار الأمونيا من 0.89 إلى 2.03 ملج/لتر، وبلغ معدل النيتروجين النيتراتي 2.63 ملج/لتر بعد أن كان صفرًا، أما معدلات الحديد فتتراوح بين 0.8 و1.95 ملج/لتر.

 تصف الباحثة هذه النِّسب -في تصريحات لـ"للعلم"- بأنها "أعلى من المستويات الطبيعية بمراحل، ما وفَّر بيئةً مناسبةً للطفيل، وعزَّز من قدرة الميكروبات المُمْرِضة على إصابة الأسماك".

تضيف: يلتصق الطفيل بخياشيم الأسماك، مغيرًا من تركيبتها الطبيعية، مما يؤدي إلى أعراض تنفسية تصل إلى حد اختناق السمكة ونفوقها، كما أن إصابته لجسم السمكة يترتب عليها إصابتها بجروح تُضعِف مناعة السمكة وتُجهدها، وتكون الجروح بمنزلة بوابات لإصابة الأسماك بالبكتيريا المسببة للأمراض، ويؤدي "الأيزوبودا" دور الوسيط لنقل العدوى بالبكتيريا الممرضة، وذلك ضمن دورة شيطانية ترسم ملامحها عوامل ارتفاع نسبة الملوحة والأمونيا والمعادن الثقيلة.

ووفق دراسة أعدها باحثون بقسمي علم الحيوان والبيولوجي بجامعة "راولبندي" الباكستانية، فإن تأثير الطفيل على السمكة المصابة يتمثل في إصابتها بحالة من الإعياء الشديد وعدم القدرة على الحركة في أثناء العوم. وبالنسبة للسمك النافق، رصدت الدراسة عدة ملحوظات؛ إذ تبيَّن أن تجويف الفم مملوء بالمخاط، فضلاً عن ظهور احمرار في أماكن إصابة السمكة و"غمقان" شديد في لون السمكة.

توحُّش الطفيل

ما انتهت إليه "أشرف" يتفق مع دراسة أجراها فريق من الباحثين بالمركز القومي للبحوث في عام 2016 تحت عنوان "مساهمة كلٍّ من قشريات الأيزوبودا والأمراض البكتيرية والخواص الفيزوكيميائية للمياه في إحداث نفوق جماعي بين الأسماك في البحيرة"؛ إذ انتهت الدراسة إلى أن "ارتفاع معدلات الملوحة في البحيرة أدى إلى توحُّش الطفيل".

يُرجِع أحمد نور الدين -الباحث المشارك في الدراسة- ظهور طفيل الأيزوبودا في بحيرة قارون المغلقة إلى الزريعة التي يتم تجميعها من منطقة المكس بالإسكندرية، مشيرًا إلى أن "هناك عدة أسباب متداخلة تؤدي إلى النفوق الجماعي لأسماك البحيرة، وهي تلوث المياه وارتفاع نسبة الملوحة ووجود الميكروبات المُمْرِضة والمميتة وظهور الطفيل الذى استفاد من الملوحة والتلوُّث وأتاح للبكتيريا الغزو المكثف لجسم السمكة من خلال ما يُحدِثه من جروح".

يضيف نور الدين -في تصريحات لـ"للعلم"، من داخل معمله بقسم الأحياء المائية بالمركز القومي للبحوث- أن "نقل الأسماك مباشرة من البحار المفتوحة إلى البحيرات المغلقة له مخاطر؛ فالطبيعة المغلقة للبحيرة منحت الطفيل القدرة على شل حركة الأسماك ومنعها من الهرب"، موضحًا أن مظاهر توحُّشه تتمثل في مهاجمة خياشيم أسماك البحيرة من الجهتين، إذ شاهدنا الطفيل على الجيبين الخيشوميين في الأسماك المعزولة، مما يؤدي إلى حدوث أسفكسيا الخنق، وهذا تغيُّر في سلوكه؛ فالمعروف أنه يهاجم السمكة من جهة واحدة فقط، كما أدى التلوث والملوحة الزائدان إلى عدم قدرة السمكة على الهروب، كما أنها أجهدتها وأضعفت قدرتها على المقاومة، فالبحيرة مصب لمياه الصرف الزراعي والصحي في محافظة الفيوم، خاصة مصرفي البطس والوادي، وليس للبحيرة صرف خارجي، بالإضافة إلى أنها تفقد الماء عن طريق التبخُّر، مما يؤدي إلى زيادة نسبة الملوحة، فضلاً عن تلوُّث البحيرة بالمبيدات الحشرية والمواد العضوية والعناصر الثقيلة.

 
د.نور الدين في معمله Abanob Emad

يشير نور الدين إلى أنه جرى رصد أثر التغيير في بيئة البحيرة على الحالة الصحية للأسماك، وذلك من خلال ما تم عزله من ميكروبات، إذ تم عزل ميكروب الفيبرو الجينوليتكس من على أسماك البحيرة، كما تم عزل ميكروب الإيروموناس سوبريا الذي يسبب تعفن الزعانف مع وجود نزيف خارجي وعلامات استسقاء، وكلا الميكروبين يتسبب في نفوق الأسماك، كما تم تجميع 200 عينة من الأسماك في البحيرة عبارة عن 100 سمكة من البلطي الزيلي، و100 من أسماك موسى، وذلك خلال صيف 2015، وهي الفترة التي يتزايد فيها نفوق الأسماك، وتم فحص الأسماك ظاهريًّا لتعرُّف العلامات المرضية الموجودة على الجلد والخياشيم، والكشف بالعين المجردة عن وجود آفات مرئية ظاهريًّا، وجرى عزل الطفيل المعزول من الأسماك وتصنيفه ومعرفة عدد ونسبة وجوده والأضرار التي سببها على الخياشيم والسطح، كما جرى عزل العزلات البكتيرية وتصنيفها وتحديد نوعها، وتحديد جودة المياه في الأماكن التي أُخِذت عينات السمك منها.

ناقوس خطر

بدوره، يدق صلاح النادي -مسؤول هيئة الثروة السمكية بمحافظة الفيوم، وهي الجهة التنفيذية المسؤولة عن أسماك البحيرة بموجب القانون- ناقوس الخطر، محذرًا من انعكاس التلوث ووجود طفيل الأيزوبودا على إنتاج البحيرة من الأسماك، مشيرًا إلى أن إحصائيات الهيئة تكشف تراجُع الإنتاج من 4522.053 طنًّا في عام 2014 إلى 1109.95 أطنان في 2015، ثم إلى 873.475 طنًّا فقط في 2016، ما يعني تدهور إنتاجية البحيرة من الأسماك بعد ظهور الطفيل إلى 19.3% مقارنةً بفترة ما قبل ظهوره.

يشير النادي لـ"للعلم" إلى أن "التحاليل التي جرت بمعرفة الهيئة أرجعت ظهور الطفيل وانتعاشه إلى ارتفاع معدلات التلوُّث الكيميائي والميكروبيولوجي وارتفاع نسبة الأمونيا، كما سجلت التحاليل أعلى معدلات تلوُّث بكتريولوجي بمصرف البطس الرئيسي بارتفاع أعداد الفيروسات والبكتيريا "القولونية-البرازية-العنقودية-السالمونيلا"، وانتشار الطحالب الحمراء الضارة نتيجة ارتفاع معدلات التلوث العضوي، الذي يوفر بيئةً صالحةً لنمو الطفيل وتكاثره، مع ارتفاع الملوحة ودرجة الحرارة عن مثيلاتها في الأعوام السابقة؛ إذ كانت البحيرة تصنَّف على أن أصلها نهري، باعتبار أن مياه الفيضان كانت مصدر مياهها، أما الآن فباتت مياه الصرف الصحي والزراعي مصدر مياهها".

ويشدد النادي على أن ارتفاع معدلات الأمونيا فوق الحدود المسموح بها -خاصةً في الجزء المتطرف من البحيرة- أثَّر بالسلب على الإنتاج السمكي، مضيفًا أن تركيزات المواد العضوية ترتفع في البحيرة لتصل إلى 6 ملليجرامات /لتر، كما تزيد أعداد البكتيريا القولونية لتتجاوز الحدود الآمنة، ويُعَدُّ التلوث البكتيري من أخطر أنواع التلوث؛ إذ يؤدى إلى الإصابة بأمراض الكوليرا والتيفود والإسهال الشديد والتهاب الكبد الوبائي، والحدود المسموح بها بأعداد البكتيريا القولونية في بحيرة قارون، وفقًا لمقياس وزارة الصحة الصادر عام 1996 لا تزيد عن 70 لكل 100سم مكعب، لكن حدود أعدادها في مياه الصرف التي تُلقى في البحيرة تبلغ 500 لكل 100سم مكعب، وفق قوله.

كما يُعَدُّ الانخفاض الحاد في تركيز الأكسجين من أهم الأزمات التي تعاني منها البحيرة، والتي تؤدي إلى تزايُد مشكلة التلوث البكتيري، وبالتالي خلق بيئة خصبة للطفيل، وتختلف الحدود الآمنة في أي بحيرة وفق نوع الأكسجين؛ فالأكسجين الذائب يجب ألا يقل عن 6 ملليجرامات في اللتر، والأكسجين الحيوي الممتص يجب ألا يزيد عن 6 ملليجرامات في اللتر، ولو زاد عُدَّ مؤشرًا على التلوث البكتيري، والأكسجين الكيماوي المُستهلَك يجب ألا يزيد على عشرة ملليجرامات في اللتر، ولو زاد فإن ذلك يُعَدُّ مؤشرًا على التلوث الكيماوي ووجود عناصر ثقيلة في الماء.

يتفق ذلك مع دراسة أجراها باحثون بقسم علم الحيوان بكلية العلوم البيولوجية بجامعة "القائد العظيم" في إسلام آباد بباكستان، ذهبوا فيها إلى أنه "كلما تدهورت المياه وزاد معدل تلوُّثها، زادت معدلات الإصابة بالطفيل؛ إذ رصدت الدراسة وجود علاقة عكسية بين الأكسجين المذاب في الماء والإصابة بالطفيل، ووجود علاقة طردية بين درجة الحموضة والإصابة بالطفيل، ووجود علاقة عكسية بين قاعدية الماء والإصابة بالطفيل، ووجود علاقة طردية بين نسبة ثاني أكسيد الكربون والإصابة بالطفيل، ووجود علاقة طردية بين نسبة الأمونيا والإصابة بالطفيل.

وكان باحثون بقسم البيولوجيا البحرية بجامعة أنمالاي الهندية قد تمكنوا من رصد 26 سلاسة من طفيل الأيزوبودا، مشيرين في بحث صدر عام 2013 إلى أنهم وجدوا تلك السلالات في 39 نوعًا من الأسماك بطول ساحل "تاميل نادو" في الهند. وكشفوا أن الطفيل يستوطن التجويف الفمي في خياشيم السمكة، كما يستوطن أيضًا سطح السمكة، ويتراوح عدده في السمكة الواحدة بين طفيل واحد و107 طفيلات.

لم ينكر مسؤول الثروة السمكية أن الزريعة كانت سببًا في وصول الطفيل إلى البحيرة، لكنه يشير في الوقت ذاته إلى أن "الزريعة يمكن أن تكون قد وصلت إلى البحيرة عن طريق أحد الصيادين الذي وضع الزريعة في البحيرة بالمخالفة للقانون"، وفق قوله.

ويضيف أن "أي عمل بشري فيه نسبة خطأ، ووفقًا للقانون فإن وضع الزريعة في البحيرة هو مسؤولية هيئة الثروة السمكية لضمان سلامتها، ومصدر الزريعة الطبيعي ثابت يغذي جميع البحيرات؛ إذ تشدد الهيئة على معاينة مواقع تجميع الزريعة (مواقع طبيعية) التي تلقى في بحيرة قارون لفحص الأسماك، كما تخاطب المفرخات ومحطات التحصين ومحطات تجميع الزريعة لاستخدام مطهر برمنجات البوتاسيوم بمعدل 2-4 جرامات/متر لمدة 20 دقيقة لتطهير الزريعة قبل إلقائها في البحيرة".

يُبدي النادي تفاؤلاً حذرًا، قائلاً: تُجرى الآن دراسات لمعرفة الأثر البيئي لاستخدام البلطي الأحمر بوصفه إحدى وسائل المكافحة البيولوجية؛ إذ إنه يتغذى على يرقات الطفيل (اليرقات توجد في الماء حرة لمدة تتراوح بين يوم ويومين) للحد من انتشاره، ونسعى لإكثار البلطي الأحمر من خلال تجارب تُجرى في كلية الطب البيطري في مشتهر، خاصة أنه نادر الوجود في المياه المصرية، ويمكننا القول بأنه تراجع بعد نفوق الأسماك وعدم وضع زريعة وحرمانه من العائل، لكن هذا لا يجعلنا في مأمن من الطفيل، الذي قد يعاود الظهور فجأة مع وضع زريعة جديدة، لذا يتم التعامل بحذر مع الزريعة التي تُوضَع في البحيرة.

 

محاولات تجريبية للسيطرة

لم تشغل مواجهة طفيل الأيزوبودا العلماء والباحثين فقط، وإنما شغلت الجهات التنفيذية التي تتبعها البحيرة؛ فقد شكل جمال سامي -محافظ الفيوم- لجنة علمية من أساتذة الجامعات بداية العام الحالي؛ لبحث مشكلته في البحيرة.

تشير نسرين عز الدين -رئيس اللجنة، وأستاذ أمراض الأسماك بكلية الطب البيطري، جامعة القاهرة- إلى أن اختيارها لرئاسة اللجنة جاء لإشرافها على مشروع بحثي تابع لجامعة القاهرة عنوانه "دراسات وبائية على طفيل متماثلات الأرجل (الأيزوبودا) بالمسطحات المائية المصرية".

تضيف عز الدين -في تصريحات لـ"للعلم"- أن "المشروع بدأ في مايو 2016، واستهدف وضع خريطة تتضمن محاولات تجريبية للسيطرة على الطفيل ومقاومته، وبناءً على البحوث التي أجريناها على الطفيل وأسماك البحيرة توصلنا إلى استراتيجية لمواجهته والقضاء عليه، بحيث تراعي طبيعة البحيرة كمحمية طبيعية، وتراعي أيضًا أوضاع الصيادين.

تقوم الخطوط العريضة لاستراتيجية المواجهة -وفق عز الدين- على عدم وضع أي زريعة من الأسماك التي يعيش عليها الطفيل؛ حتى لا يجد عائلاً له وبذلك يموت، خاصة أن بحيرة قارون تُصنَّف محميةً طبيعية، وبالتالي يُمنع فيها استخدام المبيدات، فالبديل هو حرمان الطفيل من العائل (الأسماك).

تستطرد عز الدين قائلة: اعتمدنا على وضع زريعة للأسماك التي ثبت من خلال أبحاثنا أن الطفيل لا يصيبها، وتأكدنا بالفعل من وجود نوعين منها، وهما الجمبري والأحناش (أسماك الثعابين)، وهما نوعان قيمتهما التسويقية عالية بالنسبة للصياد؛ إذ يعوضان خسائره بسبب "الأيزوبودا".

وكانت التجارب المعملية قد أثبتت أن الطفيل لا يصيب الجمبري ولا أسماك الثعابين التي تتميز بجلد أملس يفرز مادة التكسين السامة والتي تحمي الثعبان من الإصابة. "وضعنا الجمبري والثعابين في أحواض داخل المعمل بها مياه من البحيرة، وتأكدنا من عدم إصابتهما بالطفيل"، تقول عز الدين، مضيفةً أنه بعد حرمان الطفيل من العائل وعدم وضع زريعة الأسماك التي يتطفل عليها، بدأ البحث عن الأعداء الطبيعيين للطفيل.

تستطرد بقولها: انتهينا أيضًا إلى وجود نوع من الكابوريا صغيرة الحجم -لا تؤكل- تتغذى على طور من أطوار الطفيل، فضلاً عن الاستعانة بزريعة الجمبري، إذ وضعنا 3 دفعات من زريعة الجمبري، دفعتان منها وصلتا ميتتين للأسف نتيجة عدم الالتزام بطرق الحفظ والنقل السليمة، أما الثالثة فوصلت منذ شهرين، وكانت سليمة وبدأ إنتاجها في الظهور، لكن الصياد لن يشعر بها لأن الكمية التي وصلت البحيرة صغيرة جدًّا ولا تزيد عن 80 ألف زريعة جمبري في مساحة 55 ألف فدان، بمعدل 1.6 واحدة فقط لكل فدان.

وحول العلاقة بين مواجهة التلوث والقضاء على الطفيل، تقول عز الدين: "البعض يذهب إلى أن التلوث يقتل الأسماك، فيما يذهب آخرون إلى أنه يوفر مغذيات طبيعية للسمك، ويتوقف الأثر على نوع الملوِّث ودرجة تركيزه ونوع الأسماك"، مضيفةً أنه بالنسبة لبحيرة قارون، من المؤكد أن ارتفاع الملوحة نشَّط الطفيل وزاد معدلات تكاثره وغيَّر سلوكه ليصبح أكثر شراسة، موضحةً أنه عندما أخذوا عينةً من البحيرة في المعمل وعملوا على تخفيفها بمقدار يعادل ثلث الكمية باستخدام مياه عذبة، وجدوا أن الطفيل مات، لكن للأسف فإن التخفيف بوضع مياه عذبة بالبحيرة مردود عليه بندرة المياه العذبة ذاتها.

يُعَدُّ تركيب محطات معالجة عند مصبي مصرفي "البطس" و"الوادي" أحد الحلول الأخرى لمواجهة الأيزوبودا، وهو ما فعلته المملكة العربية السعودية عند المصبات من خلال عمل حزام من نباتات لها خاصية فلترة المياه وامتصاص الملوثات، لكن هذا الأمر يحتاج إلى جهد علمي في مجال علم النبات.

سلاح ذو حدين

من جهتها، تصف أبو وردة عمليات التكريك التي تتم حاليًّا لتطهير البحيرة بأنها "سلاح ذو حدين، فهي تطهر البحيرة من الملوثات وتطهرها أيضًا من الطبقة العضوية المترسبة، إلا أنها -على الجانب الآخر- تهيج المواد العضوية والملوِّثات، وتجعلها عالقةً بالمياه، ما يزيد من احتمالات إصابتها للأسماك، والحل عدم وضع أي زريعة لحين انتهاء أعمال التكريك لتظل البحيرة خاليةً من الأسماك، فضلاً عن فحص الزريعة من متخصصين وتحصينها قبل وضعها في البحيرة، واستخدام الكائنات الدقيقة من الأعداء الطبيعيين للطفيل".

النيم والبابونج

المكافحة البيولوجية لمواجهة الطفيل تعيدنا إلى معامل المركز القومي للبحوث؛ إذ أثبتت دراسة أجراها فريق من الباحثين أن نباتي النيم والبابونج لهما تأثير قوي في القضاء على الطفيل.

واعتمدت الدراسة التي نُشرت نتائجها بدورية «البحوث الدوائية والعلوم البيولوجية والكيميائية»، على تجميع أعداد لثلاثة أنواع من أسماك بحيرة قارون؛ منها 180 سمكة موسى و203 بلطي أخضر و174 طوبار، وذلك في الفترة من يونيو 2015 وحتى سبتمبر 2016، وجرى فحصها وعزل القشريات الطفيلية من عائلة متلازمة الأرجل من الخياشيم والجيوب الخيشومية للأسماك المصابة، كما أُخِذت عينات من الخياشيم والجلد للأسماك المصابة ودراسة التغيرات الباثولوجية عليها وتسجيل نتائجها، والتركيز على استخدام مستخلصات بعض الأعشاب والنباتات الطبية كالنيم والبابونج بديلًا للعلاج الكيماوي، ودراسة مدى فاعليتها في القضاء على الطفيل، وقد جرى تقييم النتائج ومقارنتها مع نتائج استخدام المبيد الحشري «الدلتاميثرين» والذي يُستخدم كدواء كيميائي.

ووفقًا للنتائج، فقد بلغت نسبة الإصابة بطفيل الأيزوبودا في الأسماك المعزولة 80.9% في سمك الطوبار و41.1% في سمك موسى و33.5% في أسماك البلطي الأخضر، وتم عزل أربعة أنواع من الطفيل وتصنيفها، إذ كشفت النتائج ارتفاع معدلات الإصابة بالطفيل ووصولها للذروة في فصل الصيف، وتسببه في حدوث تغييرات باثولوجية للأسماك، تمثلت في إصابتها باحتقان شديد في مكان التصاقه على الجلد، وتهتُّك عضلات السمك وتهتُّك الخياشيم.

وأوصت الدراسة باستخدام مستخلصي النيم والبابونج بتركيز 3% لمدة 15 دقيقة و5 دقائق على التوالي؛ نتيجة لقدرتهما الإيجابية على تثبيط نشاط الأيزوبودا نهائيًّا، في حين لم يزد تأثير استخدام مبيد الدلتاميثرين الحشري عن 0.01 جزء في المليون في مدة بلغت 30 دقيقة.

تكنولوجيا الطحالب

يكشف أبو الخير بدوي السيد -رئيس قسم تكنولوجيا التسميد، ورئيس وحدة تكنولوجيا الطحالب في المركز القومي للبحوث- عن دراسات تُجرى حاليًّا لاستخدام الطحالب حلًّا لمواجهة مشكلة تلوث البحيرة وتحسين نوعية مياهها، ومن ثَمَّ عدم توفر البيئة الملائمة لنمو طفيل "الأيزوبودا" ونشاطه.

يوضح بدوي أن الطحالب تستهلك ثاني أكسيد الكربون 40 مثل النبات وتمدنا بأكسجين 40 مثل النبات، ويحتاج السمك إلى الأكسجين لكي يعيش، وأجرينا تجارب بالفعل بوضع الطحالب في مساحة من البحيرة امتدت إلى 10 أفدنة، وكانت النتائج جيدة.

وتنقي الطحالب المياه من الأمونيا، وتُمِدُّ الهائمات الحيوانية الموجودة في الماء بمصدر غذائي مثل برغوث الماء الذي يتغذى على الطحالب، فيما تتغذى الأسماك على الاثنين، وتحتوي الطحالب على مواد فعالة تحسن مُعامل الهضم وتحسِّن البناء الهيكلي للسمكة، وتزيد مناعتها لاحتوائها على مضادات أكسدة، وتمنحها اللون الذي يرفع قيمتها التسويقية، وهو اللون الأحمر اللامع الذي تكون الطحالب سببًا فيه.

يضيف بدوي أن بحيرة قارون كانت غنيةً بالطحالب المحبة للأملاح، مثل طحلب "دوناليلا سالينا"، ما كان يجعل مياهها نظيفة، ولكن عندما يحدث خلل في التوازن بالمياه بسبب الملوثات كالمبيدات، فإن الطحالب تتوقف عن النمو، والحل يكمن في اقتطاع مساحة ما بين فدانين و3 أفدنة من البحيرة -ولو على اليابس- وعمل مفرخات لطحلب "دوناليلا سالينا"، ثم ضخها في البحيرة، خاصة أن هذا الطحلب ينقي المياه ويزيد مناعة الأسماك وقدرتها على مواجهة الميكروبات المُمْرِضة، ويقلل من قدرات الطفيل ونشاطه، وفق قوله.

شهود عَيان

يقول المثل الشائع إن "أهل مكة أدرى بشعابها"؛ والأمر نفسه بات ينطبق على صيادي "بحيرة قارون"، الذين أجبرتهم "شراسة الإيزوبودا" على هجر مهنتهم، وحولت عددًا كبيرًا منهم من مهنة "صياد" إلى "مساعد باحث" بحكم خبرتهم الطويلة مع "وحش قارون".

 فالبحيرة بعد أن كانت مقصدًا للسياح الذين اعتادوا مراقبة حركة الطيور المهاجرة، أصبحت مقصدًا للباحثين والعلماء المتخصصين في مجال الأحياء المائية وتحديدًا أمراض الأسماك، ودفع التمسك بالأمل -حتى لو كان ضعيفًا- الصيادين إلى التطوُّع لمساعدة الباحثين في عملهم؛ لسرعة التوصل إلى حلول تعيد فتح أبواب الرزق، وذلك بداية من مساعدتهم في الحصول على عينات من الأسماك المصابة وانتهاءً بإمدادهم بمعلوماتهم وملحوظاتهم ومشاهداتهم حول الطفيل القاتل.

يلخص سمير الشورة -أحد شيوخ الصيادين، البالغ من العمر67 عامًا- علاقته بالبحيرة بعبارة واحدة: "أمي ولدتني في البحيرة ورموا خلاصي فيها"؛ هي إذًا علاقة بدأت بالحياة وتنتهي بالموت، وفق ما يقوله الشيخ المسن ذو العيون العسلية الغائرة.

 

 
Credit Abanob Emad                   المعاناة ظاهرة على أحد شيوخ الصيادين 

يفخر الشورة بشهادة حصل عليها من فريق بحث فلبيني، قائلاً: جاء الباحثون وهم يرتدون "البلاطي" البيضاء وقفازات اليد والكمامات، وأخرجوا من أمتعتهم أدوات تشبه أدوات الجراحة لتشريح أسماك مصابة وعزل الطفيل والحصول على عينات، قلت للمترجم: سأقوم أنا بالمهمة، أعطوني سرنجة، وبالفعل وفرت لهم ببساطة ما يحتاجون له في أبحاثهم، أعجبهم تصرفي ومنحوني شهادة وميدالية.

 

بدوره، يحكي رجب خير الله- أحد شيوخ الصيادين، البالغ من العمر 70 عامًا- كيف كانت البحيرة في الماضي محل اهتمام، مضيفًا لـ"للعلم": في الماضي كانت الزريعة تُنقل بالطائرات لضمان سلامتها وصلاحيتها، وفي المقابل، فوجئنا منذ شهور بوصول زريعة جمبري ميتة بسبب نقلها بطرق غير سليمة، لا نريد تعويضات ولا إعانات، نريد بحيرتنا كما كانت، في الماضي كنا نرمي الجنيه في البحيرة فنراه يلمع في القاع من شدة جودة مياه البحيرة، وكنا نشرب من مياه البحيرة ونتبرك بها للشفاء من المغص والأمراض الجلدية، الآن رائحة البحيرة لا تطاق، ومَن ينزل برجله في مياهها يُصَب بالرغبة في الحكة والهرش.

يقول سيد كليب -مدير مالي بجامعة الفيوم- لـ"للعلم": والدي كان رئيس جمعية الصيادين، شاهدنا خير البحيرة، كانت الرقابة مشددة في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وكان إلقاء مياه الصرف الصحي في البحيرة جريمة يعاقب عليها القانون، واليوم باتت البحيرة مصبًّا لصرف 82 قرية تمتد مسافة 45 كيلومترًا.

وأخيرًا، يرصد عبد الله عبد الجواد -وهو صياد أبًا عن جد- التغيير الذي طرأ على حياة الناس بسبب موت السمك، قائلاً لـ"للعلم": عندي ولدان هاجرا إلى السودان للصيد هناك؛ هربًا من ضيق الرزق بعدما أحكم "وحش قارون" قبضته على البحيرة.