يُعتبر تحفُّر الأجزاء الرخوة للكائنات أمرًا بالغ الندرة، ويُعد بمنزلة الكأس المقدسة لدى علماء الحفريات للإجابة على كثير من الأسئلة المتعلقة بسلوك الكائن في أثناء حياته، الأمر الذي زاد من أهمية الحفرية التي سبق العثور عليها لطائر منقرض بحجم الحمامة يُسمّى "بوهايورنيس جوي" (Bohaiornisguoi) بسبب احتفاظ الحفرية بأجزائها الرخوة.

لكن هذه المرة، وعوضًا عن إجابات بعض الأسئلة التى تخص عادات هذا الطائر الغذائية، أثارت حفرية بوهايورنيس جدلًا واسعًا بين دراسة نُشرت عام 2015 ودراسة حديثة نشرتها دورية فرونتير إن إيرث ساينس (Frontiers in Earth Science)، بعدما لاحظ الباحثون احتواء معدة الحفرية على كريستالات من الكوارتز.

ينتمي طائر بوهايورنيس إلى طيور تُعرف باسم "إنانتيورنيثينيس"، يرجع تاريخها إلى 120 مليون سنة، وهي من أكثر الطيور انتشارًا فى عصر الديناصورات، وتُعد الشقيق الأقرب لكل الطيور الحديثة، وقد تبنَّت دراسة أُجريت عام 2015 أن تلك الكريستالات لم تكن تُستخدم لهضم الطعام، بل لتنظيف المعدة.

وعثر العلماء على آلاف الحفريات التي تعود إلى طيور الـ"إنانتيورنيثينيس" خاصةً من "رواسب جيهول" شمال شرق الصين، لكن على الرغم من انتشارها الواسع في السجل الحفري، إلا أنه لا توجد حفرية واحدة في "رواسب جيهول" محتفظة بآثار للغذاء في بطونها، لذا فإن طبيعة حياة هذه الطيور وعاداتها الغذائية ظلت مجهولة.

تشترك الطيور مع أسلافها الديناصورات في ابتلاع بعض الحصوات التي تُسمّى جاستروليث للمساعدة في هضم الطعام أو تنظيف الجهاز الهضمي.

تشير جنجماي أوكونر -عالِمة الحفريات بمتحف فيلد للتاريخ الطبيعي، وأحد مؤلفي الدراسة– إلى أن "الوصف السابق للأحجار المبتلعة في طائر بوهايورنيس جوي، الذي يُعتقد أنه بمنزلة "رانجل"، وهو نوعٌ من الجاستروليث يُستخدم في تنظيف المعدة، غير صحيح".

تقول "أوكونر" في تصريحات لـ"للعلم": وجود بعض الحصوات في معدة الحيوان ليس دليلًا حتميًّا على استخدامه في عملية الهضم؛ فقد عُثر على بعض الحصوات بالقرب من تجاويف المعدة لحفريات بعض الديناصورات، واتّضح أنها ابتُلِعت عن طريق الخطأ، أو كان وجودها مصادفةً بالقرب من الحفرية.

ما جعل "أوكونر" تتشكك في نتائج دراسة عام 2015 هو تشابه الحصوات الموجودة في معدة حفرية "بوهايورنيس" مع بعضها في التركيب علاوةً على تشابُهها مع تركيب العظام المتحجرة نفسها، وكانت جميعها مستديرةً للغاية، ويتكون ذلك النوع من الحصوات عادةً من أنواع مختلفة من الصخور ولها ألوان وأشكال مختلفة قليلًا.

لم تعرف "أوكونر" حينها ماهية هذه الحصوات، إلا أنها كانت متأكدةً من أنها ليست "جاستروليث" على الإطلاق، لذا أجرت هي وزملاؤها مقارنةً تفصيليةً مع الكثير من "الجاستروليث" المتحفر مع طيور أخرى وديناصورات أيضًا.

فحص الباحثون عينةً من الصخور في معدة "بوهايورنيس" تحت المجهر الإلكتروني الماسح، ثم عرَّضوها لأشعة إكس من أجل تحديد الأطوال الموجية التي تمتصها الصخور؛ نظرًا إلى أن كل معدن يمتص أطوال موجية مختلفة، وساعدت هذه الطريقة في تضييق النطاق لتحديد نوع هذه الصخور.

تقول "أوكونور": وجدنا أن تلك القطع من الصخور التي كان يُطلَق عليها جاستروليث ما هي إلا بلورات من العقيق الأبيض، والعقيق الأبيض هو في الأساس بلورات كوارتز تنمو في الصخور الرسوبية، ولم يكن هناك أي دليل على ذلك في "رواسب جيهول"، لكن هناك كثيرًا من الأدلة على ذلك في السجل الحفري حيث تتشكل بلورات العقيق الأبيض داخل المحار، أو في بعض الأحيان يحل العقيق الأبيض محل المادة العضوية في الحفرية.

كما وجد الباحثون كريستالات العقيق الأبيض مترابطةً معًا بدلًا من وجودها كحصوات منفصلة ابتلعها الطائر، ومما يزيد الأمر تعقيدًا أن كمية العقيق الأبيض كانت غريبةً بعض الشيء؛ فعلميًّا تمثل نسبة الرانجل التي تستهلكها الطيور حوالي 3٪ من كتلة أجسامها، ونظرًا إلى أن "بوهايورنيس" يزن حوالي 300 جرام فقط فمن المتوقع أن تبتلع كريستالات من العقيق الأبيض (في حالة إذا كان هذا العقيق هو جاستروليث بالفعل) بكمية يصل وزنها إلى حوالي 9 جرامات فقط.

هنا قامت شومين ليو -الطالبة في معهد الحفريات الفقارية وعلم الإنسان القديم في الأكاديمية الصينية للعلوم، والمؤلف الرئيسي للورقة البحثية- بحيلة ذكية؛ إذ كان من الصعب على الدارسين استخراج كريستالات العقيق الأبيض من الحفرية، لذا أخذت "ليو" قطعةً من العقيق الأبيض تزن 3 جرامات فوجدتها ضخمة جدًّا مقارنةً بوزن الطائر، وهذا دليل آخر على نفي كون هذه البلورات جاستروليث.

هنا يأتي السؤال: هل غياب الدليل يعني عدم وجوده؟ أو بمعنى آخر هل غياب الجاستروليث يعني عدم استخدام طيور الـ"إنانتيورنيثينيس" له؟

تُعارض "أوكونر" هذه المقولة، مضيفةً: غياب الدليل هنا يُعد لغزًا في حد ذاته؛ إذ تتمتع الطيور الحديثة بجهاز هضمي متخصص للغاية يتميز بالكفاءة العالية، مما يسمح لها بتوفير السعرات الحرارية العالية اللازمة للطيران (والتي تتطلب طاقةً أكثر بكثير من الجري على سبيل المثال).

وتتابع: فهم كيفية تطور الجهاز الهضمي في طيور العصر الطباشيري مهم جدًّا في تفسير سبب انقراض بعض الطيور في نهاية العصر الطباشيري، في حين استمر باقي الطيور إلى يومنا هذا، ويمكننا إجراء مزيد من الاختبارات لمعرفة ما هي هذه الكريستالات في الواقع؛ إذ إنها ربما تكون أنسجةً رخوةً من الطائر، لكن هذا سيتطلب اختبارات إضافية، ونود أيضًا استخدام تحليلات أطياف كيميائية جديدة للبحث عن أدلة جديدة دقيقة حول بنية الجهاز الهضمي في طيور الـ"إنانتيورنيثينيس".